عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 18 حزيران 2015

النطق الركيك

عدلي صادق

منذ أشهر، لم أكن راغباً في التعرض لحماس بأي نقد أو هجاء، تقديراً لما سمعت، من حديث طيب، عبر الهاتف، من أخينا رئيس الحركة خالد مشعل (أبو الوليد) ومن الأخ د. موسى أبو مرزوق (أبو عمر). لكن الممسكين بمقاليد الأمور في غزة، لا يغيّرون ولا يبدلون، وبدأت ترشح الآن، أنباء عن مشروع لتكريس سلطة حماس في غزة، على النحو الذي يسميه البعض دولة أو دويلة أو كياناً مسخاً، ويروق لي أن أصفه بمشروع تسكين أمني، يضاهي التنسيق الأمني ويزيد عليه، في إطار من الحكم الذاتي المحدود جداً، لمساحة من الأرض ضيقة جداً. ومثل هذه المشروعات التي تقسم الأوطان وتسكّن النزاعات بينها وبين الآخرين، وتُديم الخصومة الوطنية أو الداخلية؛ مطروقة في التاريخ المعاصر، ومن بقاياها الكوريتان. لكن لكلٍ من هاتين الكوريتين، مساحة جغرافية معقولة، قام فيها نظام سياسي متكامل، له منهجه ووجهته ومؤسساته وعلاقاته. أما مساحتنا الضئيلة في الضفة وغزة، فليست بحجم هضبة كورية!

جماعة حماس في غزة، لا تتعلم من التاريخ ولا تقرأ الراهن الملغز، ولا تقيم وزناً لفكرة الامتناع عن درء ما تراه مفسدة في حجم المصالحة وإنهاء الانقسام، بطريقة ينجم عنها ضرر أكبر منها. وفقهاء الحمامسة، يعرفون إن ظلوا يتذكرون قراءاتهم، أن درء المفسدة الحقيقية بتلك الطريقة المجنونة، حرام شرعاً، حسب ما شرح لهم ابن تيمية. لقد أعمتهم غريزة التعلق بالسلطة واستمرأوا اعتصار الناس، والزهو بالأمن الداخلي. كأن عقولهم باتت في قطيعة مع التاريخ ودروسه. بل إن لغتهم السياسية، لا تتطور. ففي خطاب مزلزل، ألقاه فتى من الناطقين الحمساويين، بدا الجهل في أعلى تجلياته، فهو يقول: لا نخاف من العدو. ذلك علماً بأن أحداً لم يطرح فرضية الخوف. ويقول أيضاً ما معناه، إن التهدئة ممكنة وستنجح، إذا التزم العدو بها. فماذا لو رد عليه العدو قائلاً إنه أخلى قواته من غزة، توخياً لتهدئة، بينما حماس أعلنت صراحة أنها مستمرة في فتح النار؟ كان الأجدر، أن يضع الناطق الحمساوي السياسة محل اللعثمة والهبل، وأن يقول إننا ملتزمون بالتهدئة، إن كان ثمة سياقاً يتوقف فيه التوسع الاستيطاني في الضفة، وتتوقف فيه التعديات اليومية على شعبنا فيها، ويفتح مثل هذا السياق، المجال لإنهاء احتلال القدس وقيام الدولة الفلسطينية. إنهم، هنا، يحددون سقفهم بتهدئة مقابل تهدئة. وفي كل سقف لمطالبهم، تراهم يجعلون كل ما كان في اليد قبل عشرين سنة، وتسببت استراتيجية حماس المنفردة في فقدانه؛ سقفاً لهم. والمصيبة إنهم لا يشعرون بالحاجة الى مراجعة أنفسهم، لأنهم يستأنسون بجمهور "الإخوان" في العالم العربي، وبالمزاج الشعبي في ماليزيا مثلاً، علماً بأن كل هؤلاء، غير مستعدين لتفكيك أي مصطلح، ولا تمحيص أي واقع، ولا هم في العير ولا في النفير، فلا آنسوا في حضورهم البعيد، ولا أوحشوا في غيابهم. كل ما يعلمونه ويسعدهم، أن حماس الإسلامية شغالة في المقاومة، وأنها منتصرة وصاحبة فرقانات. وبعد ذلك ليسوا معنيين بالإجابة عن سؤال عن نتائج هذه الانتصارات، أو مكاسبها على الأرض، أو نعمائها على غزة!

في هذا السياق، يجري اللعب على العواطف. يؤتى ببعض الوقائع الميدانية أثناء الحرب، مع المسافات التي وصلت اليها الصواريخ، ليُقال إنها مقاومة منتصرة. كأنهم لا يعلمون أن كل الهزائم، كانت قبلها، في الحرب، وقائع بطولية أوجعت العدو، لكنها بالمحصلة هزائم. ولدينا من مآثر الجنود العرب، في حروب 48 و67 ما نفخر به، لكن الحربين، بالمعيار التاريخي، كانتا هزيمتين بائستين أضاعتا الأرض، بينما فرقانات حماس لم تبدد شيئاً من أراضي غزة، لأن العدو لا يريدها ولا تلائمه، وتنازل عن الألف صندوق من البندورة والخيار مع كمية الزهور، التي كانت تنتجها مغتصباته في غزة وخلع لفداحة ثمنها من دماء جنوده ووقتهم ونفسياتهم!

الناطق الحمساوي يقول في سياقه الصبياني: إن أي اغتيال لشخصية فلسطينية، سنرد بقصف تل الربيع المحتلة. ولا ندري هل يعلم الفتى أن حجراً أو زقاقاً في القدس أهم من أية شخصية فلسطينية، لكي نسأله لماذا لا تقصف، بينما المحتلون يوفرون في كل يوم، في القدس وغيرها، سبباً لقصفه إن كان القصف محمود العواقب؟ وهل استقرت حساباتكم على هذه المسطرة العبيطة، فبتنا حركة جهادية لتأمين الشخصيات؟

ومن ذا الذي يقبض كلاماً تعبوياً، من نوع: اذا ارتكب العدو حماقة سنرد بالمثل وزيادة؟ أية زيادة يا هذا ولماذا تخبئها، ولدينا كل يوم شهداء؟ بأية مسطرة تقيسون؟! ليتكم تكفون عن النطق الركيك، للتغطية على سياق مذموم، سنتقصاه ونلاحقه بالتعليق.