عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عربي ودولي »
تاريخ النشر: 07 آب 2015

نتنياهو وتحطيم مجاذيفه في البحر الأميركي

خلدون البرغوثي

خطاب نتنياهو في اذار أمام الكونغرس جاء بدعوة من الجمهوريين ودون التنسيق مع البيت الابيض.

يبدو أن قرار بنيامين نتنياهو الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع الادارة الاميركية وتحديدا مع الرئيس باراك أوباما، هو تحول غير مسبوق في طبيعة العلاقات الاميركية الاسرائيلية على مستويين، مستوى التدخل المباشر من خلال تحدي نتنياهو البيت الأبيض والقائه خطابا هاجم فيه مسبقا أي اتفاق مع إيران في الثالث من اذار هذا العام، وكذلك خطابه الموجه ليهود أميركا قبل أيام وحضهم فيها على العمل ضد الاتفاق، وأيضا على مستوى التدخل من خلال اللوبي الصهيوني وتحديدا "اللجنة الإسرائيلية- الاميركية للشؤون العامة" المعروفة باسم "إيباك". هذا اللوبي الذي خرج عن سياسته التاريخية بعدم إظهار الانحياز لأي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وانحاز للأخير في موقفه ضد أوباما.

أوباما لم يوفر نتنياهو وهاجم مواقفه من الاتفاق مع إيران عدة مرات في خطابه الأخير قبل يومين.

نتنياهو قرر أن يرفع مجذافيه اللذين اعتادت إسرائيل أن تتحرك بهما في بحر السياسة الأميركية، كان هذا المجذافين مختفيين تحت السطح، مجذاف التدخل الصامت من خلال القنوات الرسمية، ومجذاف الضغط من خلال اللوبي الذي طالما سعى للتأكيد على عدم انحيازه لأي من الحزبين اللذين يتبادلان الحكم في واشنطن.

 نتنياهو رفع مجذافيه ليضرب بهما في قلب البيت الأبيض، الأول بالتدخل المباشر بخطابه في الكونغرس، والثاني بكسر الحيادية "الشكلية" للوبي الصهيوني في واشنطن.

الخطاب الذي القاه نتنياهو أمام الكونغرس في اذار الماضي، بدعوة من زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب ودون التنسيق مع البيت الأبيض، أثار غضب الادارة الأميركية والنواب الديمقراطيين. وانعكس ذلك في حجم الانتقادات التي تعرض نتنياهو بعد الخطاب.

ويكفي ما قصد البيت الأبيض نشره عن كيفية قضاء أوباما وقته خلال إلقاء نتنياهو خطابه، إذ أشار إلى أن الرئيس الأميركي لم يستمع إلى الخطاب، فقد كان يجري عدة اتصالات هاتفية بزعماء دول أوروبية، وقام بتشغيل التلفاز خلال الخطاب دون الإنصات إليه.

وعندما اطلع على ملخص الخطاب قال إنه لا يرى فيه جديدا، ونتنياهو لم يقدم بدائل مجدية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي.

بيلوسي في صدمة خلال القاء نتنياهو خطابه في الكونغرس في اذار الماضي.

أما قادة الحزب الديمقراطي فعبروا أيضا عن استيائهم وصدمتهم من الخطاب، فقالت نانسي بيلوسي زعيمة الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب فور انهاء نتنياهو خطابه "كنت على وشك ذرف الدموع خلال الخطاب.. وقد حزنت لإهانته لذكاء الولايات المتحدة كدولة عضو في مجموعة 5+1 وحزنت للتعالي على معرفتنا بالخطر الذي تمثله إيران والتزامنا الأوسع بأمن إسرائيل".

الصحف البريطانية والأميركية رصدت ردود الفعل حول الخطاب لنجد أنها ركزت على أثره في زيادة توتير العلاقات الإسرائيلية الأميركية.

فكتب ديفيد غاردنر في الفايننشال تايمز البريطانية مقالا قال فيه إن خطاب نتنياهو أمام الكونغرس أدى إلى تفاقم توتر علاقة البلدين.

من جانبها أشارت صحيفة واشنطن تايمز الأميركية إلى أن مائير دغان -الرئيس السابق لجهاز المخابرات الإسرائيلي (موساد)- وصف خطاب نتنياهو أمام الكونغرس بأنه "هراء".

مواقف نتنياهو المشابهة سبقت خطابه وتواصلت بعده وألقت بأثرها ليس فقط على العلاقات مع الحكومة الاسرائيلية، بل كان للايباك نصيب في ذلك، فقد افتتحت المنظمة الداعمة لإسرائيل مؤتمرها السنوي في آذار الماضي في ظل غياب الشخصيات الأميركية البارزة هذا العام، عن يومه الأول. ورأت فيليس بينيس من معهد دراسة السياسات في واشنطن في أن الأزمة الحالية قد تكون بداية لتحول في الموقف الأميركي من إسرائيل، حيث كان أعضاء الكونغرس يعتقدون أن انتقاد إسرائيل يعني "انتحارهم سياسيا، وهذا لم يعد صحيحا الآن".

ورطة "إيباك" الذي تأسس عام 1951 تنبع من اضطراره للخروج عن سياسته القاضية بعد إظهار الانحياز لأي من الحزبين الرئيسيين اللذين يتداولان السلطة في الولايات المتحدة، في أنه ظهر منحازا لمواقف نتنياهو والجمهوريين في مواجهة أوباما والديمقراطيين، وهذا قد ينعكس مستقبلا على علاقة اللوبي بالادارات المقبلة، وبالكونغرس اذا كان نصيب الفوز فيها للديمقراطيين، وإذا استمر تحدي نتنياهو لسياساتهم مستقبلا.

اعتاد قادة ايباك وصف منظمتهم بأنها تقف على مسافة واحدة من الحزبين، لكن المواجهة الأخيرة كشفت وبصراحة انحيازها الى الجمهوريين ضد البيت الأبيض. ولفتت "واشنطن بوست" الى شعبية المنظمة بين الجمهوريين في مقارنة بينها وبين منافستها "جي ستريت": فيما تصف الجماعتان نفسيهما بأنهما ثنائيتا الحزبية (تتعاملان بالتساوي مع الحزبين)، إلا أن ايباك حصل على دعم ساحق في صفوف اليهود الجمهوريين، في حين تطرق جي ستريت نفسها كبديل للديمقراطيين الذين بدأوا يشعرون بضيق من سياسات نتنياهو والمحافظين".

المستقبل وصندوق الانتخابات هو الذي سيحدد علاقة إسرائيل بواشنطن، قد يواصل نتنياهو هجومه على الادارة الأميركية، آملا ان تأتي الانتخابات الرئاسية بعد نحو عام برئيس وكونغرس جمهوريين ينفذان السياسة التي تقررها اسرائيل بالتنسيق مع إيباك، أو برئيس وكونغرس ديمقراطيين في انتمائهما، جمهوريين في هوى إسرائيل.

أما إذا جرت المياه بما لا تشتهيه سفن نتنياهو، فيسضطر إما للمواجهة، أو أن يبحث عن نجار بارع يعيد أصلاح مجذافيه اللذين حطمهما حين قرر أن يبحر بعكس تيار البيت الأبيض.