عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 تموز 2015

معركة الكرامة اليونانية

عدلي صادق

يرثي واحدنا لحال اليونان، إحدى أيقونات تاريخ الأمم، وهي تستفتي نفسها على خيارين أحلاهما مُر. فإن كان اليونانيون، في استفتاء أمس (الأحد) قد أجابوا نعم، أو أجابوا لا، عن السؤال الشائك المطروح، فإن في كلا الجوابين ما يؤلم اليونانيين ويجرح كبرياءهم. ومؤدى السؤال الذي اضطرت حكومة الكسيس تسيبراس توجهيه بالصيغة التي يريدها أو أملاها الاتحاد الأوروبي، هو  هل تقبل أيها اليوناني، تطبيق المزيد من اجراءات التقشف ورفع مستوى الضرائب، وخفض معاشات الموظفين والمتقاعدين، مقابل الحصول على قروض أوروبية وإعادة هيكلة الديون وتسليك أمور بلادك مع صندوق النقد الدولي أم أنك ترفض هذه الإجراءات وتريد أن تركب رأسك وتعاند؟!

للأسف انقسم اليونانيون الى نصفين مع فارق طفيف حتى الآن، لصالح من يرفضون  الاستسلام لإملاءات أوروبا، ويقولون إن اليونان لن تحتمل تقشفاً أكثر مما احتملت. وثمة تدبير أقدمت عليه المصارف، ولم تستطع الحكومة اليسارية منعه، وهو إغلاق أبوابها، لحين ظهور نتيجة الاستفتاء: إما "لا" التي سيتبعها انهيار مالي وعودة اليونان الى عملة "دراخما" وخروجها من منطقة اليورو، أو "نعم" مثلما يريد الدائنون الأوروبيون، لكي لا تتأثر القارة والعالم سلباً، وهؤلاء يرون أن سداد ديونهم إن جاء متأخراً، سيكون أفضل من ألا يأتي أبداً!

غير أن عنصر الكرامة والكبرياء الوطني، ربما هو الذي سيحسم الأمر ضد أوروبا ونكاية في المستشارة الألمانية ميركل. وهذا هو معيار اختبار شعبية رئيس الوزراء تسيبراس، الذي حث الشعب على أن يصوّت سلباً، ووصف الخيار الآخر المطروح على الشعب اليوناني بأنه مُذل!

وكان صندوق النقد الدولي، هو الذي اشترط على اليونان دفع 1.5 مليار دولار فوراً خصماً من ديونها، وهو المبادر الى صياغة وصفة الإصلاح المهينة ومعه كافة المؤسسات المالية الأوروبية، وأراد أن يقرر على اليونانيين، خطوات تؤدي الى المزيد من تحرير سوق العمل، وتخفيض المعاشات وأجور شغيلة القطاع العام، وزيادة ضريبة القيمة المضافة على السلع الغذائية والمطاعم والمرافق السياحية، وإلغاء الإعفاءات الضريبية عن الجزر، وهي المقررة لمساعدتها على النهوض. وفي كل ديباجة حديث كان صندون "النَكد" حسب تسمية الرئيس الأسبق حسني مبارك له، يُذكر اليونانيين بمآلاث ثلاث دول متعثرة، هي السودان وزيمباوي والصومال، ويقول إن اليونان مرشحة للانتساب الى هذا النادي. وهنا تتراجع قيمة الثقافة الإنسانية التي سطع شعاعها اليوناني عبر القرون، وأخلت البلاد الجميلة الحرة، الى غرفة شايلوك المظلمة!

 وكان البنك المركزي الأوروبي متشدداً مع اليونانيين، فلا تمويل طارئاً لهم، قبل الرضوخ، ولا عون أوروبياً لهم لمواجهة الأزمة. وهنا، احس الكبار في السن، الطيبون، أنهم سوف يشقون في خاتمة أعمارهم، واصبحوا يميلون للتسليم، لكن الشباب والقوى الحية رفضت العرض الأوروبي المهين.

حاول تسيبراس استرضاء الأوروبيين وطلب من الدائنين الصبر، دون جدوى، فقرر اللجوء الى صناديق الاستفتاء، فإن كان القرار الشعبي هو التسليم، فلن يكون أمامه سوى الاستقالة، أما إن كان الرفض ومقاومة الضغوط، فسيصبح أمام اليونانيين رحلة كفاح طويلة وشاقة، إن لم تتراجع المؤسسات المالية للاتحاد الأوروبي عن غلاظتها، لكي ينتصر اليونانيون في معركة الكرامة!