عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 تشرين الثاني 2022

الحرب الأوكرانية..هل حان وقت النزول عن الشجرة؟

باسم برهوم

عندما بدأت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 لم يكن أحد يتوقع أن تستمر 8 سنوات، وتنتهي من دون أن يحقق فيها أي طرف نصرا واضحا. الحرب الروسية الأوكرانية، التي مضى عليها تسعة أشهر، يمكن أن تستمر لعدة أشهر أخرى، وربما لسنة أو أكثر، وتكون نهايتها إنهاك الطرفين واستنزاف قدراتهما وإنهاك الاقتصاد العالمي.

بالطبع هناك واقع جيوسياسي وزمني مختلف بين الحربين، فالحرب الأوكرانية تجري في  أوروبا التي بدأت منها حربان عالميتان، فهي بالنسبة للعالم نوع من اللعب بالنار التي لا تحرق أصابع أطرافها المباشرين وحسب، وإنما قد تحرق العالم أجمع. مع الإشارة إلى أن الحرب لا تستنزف روسيا وأوكرانيا فقط، إنما تنهك الاقتصاد الدولي، وخاصة في أوروبا التي بلغت فيها معدلات التضخم أرقاما قياسية، بالإضافة إلى أزمات الطاقة والغذاء.

المسألة الأهم هي الواقع العسكري الميداني، فقد أصبحت المعارك تشبه إلى حد  كبير تلك التي كانت بين العراق وإيران، فهي تراوح مكانها أغلب الوقت مع تقدم هنا وتراجع هناك. وربما ليس مصادفة أن تبدأ الولايات المتحدة الأميركية بالهمس في أذن المسؤولين الأوكران بأن يبدأوا التفكير في الدخول إلى مفاوضات مع روسيا لاستحالة استعادة  كافة الأراضي الأوكرانية التي  هي في قبضة روسيا. بالمقابل، وبعد 9 أشهر حرب، فإن موسكو أصبحت أكثر قناعة بأن الانتصار العسكري الحاسم في الحرب أمر قد لا يتحقق قريبا، خاصة مع الأسلحة المتطورة التي تزود بها الولايات المتحدة ودول أوروبية أوكرانيا.

لقد حصدت الحرب العراقية الإيرانية في 8 سنوات أرواحا كثيرة، كما استهلكت 400 مليار دولار، وتقدر المؤسسات المالية الدولية. تكلفة الحرب الأوكرانية حتى الآن بأنها تزيد عن 380 مليار دولار، بالإضافة إلى آلاف القتلى والجرحى وأكثر من 10 ملايبن لاجئ، من هنا فإن استمرارها لسنة أخرى سيكون وبالا على الطرفين والعالم.

لقد وصلت الحرب للحظة تتطلب نزول الأطراف عن الشجرة وتخفيض سقف الأهداف، لذلك بدأنا نسمع أصواتا في الولايات المتحدة تدعو كييف لتحضير نفسها لتقديم تنازلات في شبه جزيرة القرم. مقابل انسحاب روسيا إلى الحدود التي كانت عليها قبل بداية الحرب، كما بدأ الاتحاد الأوروبي يتحدث عن خطة لإعادة بناء أوكرانيا تقدر بنحو 300 مليار يورو.

 فالحرب  لم تعد مجدية لأي من الطرفين، وهي بالتأكيد مضرة للبشرية والاقتصاد العالمي، سنة حرب أخرى ستكون مكلفة للجميع.

صفقة إنهاء الحرب ليست جاهزة لكنها وضعت على نار هادئة، وهي بحاحة إلى اختراق عسكري لا يخل كليا بميزان القوى لكنه يكون كافيا لتقول أوكرانيا إنها صمدت وبالمقابل تقول روسيا إن حملتها العسكرية لم تفشل. الانسحاب الروسي من خيرسون من جانب واحد لم يكن كافيا على ما يبدو لإقناع كييف بالبدء بمفاوضات، كما أن موسكو ستنتظر إلى أمل إنجاز تقدم في إحدى الجبهات لتقول إن عمليتها العسكرية لا تزال تحقق أهدافها.

بالتأكيد ستتخطى الحرب الخريف، وسيمر الشتاء، وربما يمضي الربيع، وجزء من الصيف قبل أن تكون طبخة الصفقة قد نضجت، سيكون موعدا ملائما للانتقال من لغة المدافع، إلى لغة الحوار.