عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 21 تشرين الثاني 2022

ثمانية أشهر من انتظار الاحتضان الأخير

رام الله- الحياة الجديدة- نسرين جبارين- "أنا ما بنام ولا بيغفالي جفن، وأنا بتخيل خليل يلي كانت طلته أجمل طلة، بردان بالثلاجة بعيد عن حضني..."، كلماتٌ تقطر وجعًا لم تفارق الدموع قائلتها، وهي تروي لحظات العذاب التي عاشتها منذ ليلة استشهاده إلى اليوم. ولا تزال سلطات الاحتلال تحتجز جثمانه وتحرمها من وداع الأخير.

ثمانية أشهر من الألم، عاشتها الوالدة سائدة أبو السمن والدة الشهيد خليل طوالبة الذي ارتقى شهيدًا بعمر الرابعة والعشرين عامًا من مخيم جنين، في فجر أول أيام رمضان الماضي، وما زالت الوالدة المكلومة تتمنى لحظة احتضانه الأخير، لينتقل من برد ثلاجات الاحتلال الى دفء ثرى الوطن.

مئتان وأربعون يومًا وما زال جرح العائلة نازفًا، تقول والدة الشهيد لـ "الحياة الجديدة": "مين أسأل، لمين أحكي، نفسي أشوفه ولو للحظة، ما بعرف كيف كانت إصابته ولا كيف كان وجعه من الإصابة"، أسئلة موجعة تدور في مخيلة الأم ووجع مضاعف تقاسيه كما عوائل الشهداء المحتجزة جثامينهم في ثلاجات الموتى أو في مقابر الأرقام.

يصعب على قلب والدة الشهيد الذي تحتفظ فيه بذكرياته وصوره، ضحكاته وكلماته أن تتحمل وجع رحيله للأبد دون إلقاء نظرات الوداع عليه، والدة طوالبة التي شرحت لنا مطولاً عن حسنه وأناقة إطلالته تبكي لوجوده اليوم في ثلاجات متجمدة لا نهار فيها، ليل يخيم على روح الشهيد "الممرض" الذي طالما حلم بممارسة المهنة لمساعدة أبناء شعبه.

تصف والدة طوالبة طموح نجلها وحبه للحياة: "خليل طموح، كان عنده كتير مشاريع حابب يعملها، فتح مطبعة كان حلمه يكبر شغله"، تخرج من الجامعة العربية الأمريكية بتخصص التمريض تفوق في دراسته منذ صغره، وكان لاعبًا بنادي جنين، تقدم لوظيفة حكومية وكان ينتظر الموافقة عليها، لكن الاحتلال كعادته يغتال الحالمين ويطارد أحلامهم.

أي عيد حل على عائلة طوالبة بعد استشهاده قبل السحور الأول من الشهر الكريم، تستذكر الوالدة لحظاته الأخيرة: "تناولنا العشاء، لاحظنا انا وأشقاؤه سعادة غامرة عليه، حكالي رح أتسحر معكم يا إمي وقبل ما يطلع سألني شو طابختيلنا أول يوم برمضان، زار شقيقاته، قبل ساعات من إعلان استشهاده".

تؤكد والدته بصوتها المرتجف "انا كل وقفة بدي أطلع، أي مكان بدي أطالب فيه، بدي أصرخ من حرقة قلبي بدي تجيبولي خليل، بدي أضمه وأدفنه وأشوف جثمانه كامل ولا ناقص"، أرض رواها خليل بدمه تحلم عائلته بدفنه فيها، وتكريمه كبقية الشهداء الذين فدوا الوطن بأرواحهم.

لا يكتفي الاحتلال باغتيال شباب فلسطين، بل يضاعف من معاناة ذويهم باحتجاز جثامينهم، وحرمان أهاليهم من تشييعهم، مئة وثمانية عشر شهيدا بينهم تسعة شهداء ارتقوا داخل السجون، و13 طفلاً وشهيدتان، ما زالت سلطات الاحتلال تحتجز جثامينهم في ثلاجاتها، كما تحتجز جثامين 256 شهيداً فيما يسمى بمقابر الأرقام، جميعهم استشهدوا قبل عام 2015، ووصل عدد المفقودين 68، حسب بيانات صادرة عن الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين.