عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 06 آب 2022

صدور كتاب جديد "فلسطين في مرآة الثقافة الروسية"

 الحياة الثقافية- صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كتاب لمحمد دياب "فلسطين في مرآة الثقافة الروسية". يتألف الكتاب من 156 صفحة، ويشتمل على قائمة ببليوغرافية وفهرس عام.

يهدف الكتاب إلى إلقاء الضوء على صورة فلسطين في الثقافة الروسية، كما بدت في كتابات الحجاج الروس إلى الديار المقدسة بدءا من القرن الثاني عشر وحتى بدايات القرن العشرين، وفي انطباعات كبار الأدباء والشعراء الروس، وفي إبداعات رسامين مبدعين تركوا لوحات ورسوما عدة تصور الطبيعة الفلسطينية أو تجسد أحداثا من تاريخ فلسطين القديم، وفي مقاربات مؤرخين ومستعربين بارزين في القرنين التاسع عشر والعشرين، وكذلك في كتابات الباحثين السياسيين المعاصرين. ويهدف أيضا إلى الإجابة عن أسئلة من مثل: إلى أي مدى أثرت فلسطين في وعي الإنسان الروسي؟ وكيف انعكست في نتاجات الأدب والفن والفكر السياسي في روسيا؟ وكيف تفاعل المجتمع الروسي مع ما شهدته وتشهده الأراضي المقدسة من تطورات وأحداث مصيرية؟ وما أهمية دور المدارس الروسية التي أنشئت في فلسطين وسورية ولبنان في تعريف طلابها بالثقافة الروسية، ومساهمتها في تقديم صورة أكثر واقعية للمجتمع الروسي عن فلسطين.

 

فلسطين في كتابات الحجاج الروس

وحسب ما نشر موقع "عرب 48"، يعتبر أدب رحلات الحج من روسيا إلى الأراضي المقدسة جزءا مهما من الآداب الروسية، ابتداء من القرن الثاني عشر. وقد احتفظ هذا الأدب بأهميته في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أثناء خلق صورة العالم المشرقي في روسيا، وسعي الأخيرة إلى تأكيد حضورها فيه، ومن ثم ترسيخه. ولهذا الأدب سماته الخاصة؛ إذ أكد العديد من دارسي أدب الحج أن هذا الأدب لم يكن يهدف إلى نشر المعرفة الدنيوية عن عالم الخليقة، وإنما ظهر من أجل هدف آخر هو التنوير الروحي، فتركز اهتمام الحجاج كله على وصف الأماكن المقدسة، وربطها بأحداث الكتاب المقدس. وكانت رموز الفضاء المقدس تمثل بالنسبة إلى الحاج موضوعا أكثر أهمية بما لا يقاس من صور الزمن الفاني الحية. فما إن تطأ قدما الحاج أرض فلسطين، حتى يشعر بالانعتاق من زمنه، فيزيح القديم المقدس الواقع اليومي المعيش. وغالبا ما كانت معاناة أحداث العهدين القديم والجديد تمحو سمات أحداث الحاضر الدنيوية.

تمثل العامل الأساسي الذي أثر في وعي الحجاج الروس إلى الأراضي المقدسة (والعالم العربي عموما) في التغيرات التي طرأت على عملية التطور التاريخي في الأساليب والتيارات الثقافية الكبرى، فتذكر المؤرخة والمستشرقة الروسية إيرينا سميليانسكايا خمس حقبات أو تيارات ثقافية، تأثرت بها كتابات الحجاج، هي: الحقبة الأولى (بداية القرن الثاني عشر حتى النصف الأول من القرن الخامس عشر)، وهي حقبة "استكشاف" الحجاج الأوائل لعالمٍ مقدس "عرفوه" من الكتب الدينية والأساطير والأحاديث المتناقلة، وكان القمص دانييل أبرز ممثلي هذه الحقبة. أما الحقبة الثانية (النصف الثاني من القرن الخامس عشر حتى النصف الأول من القرن السابع عشر)، فهي حقبة ما قبل النهضة، أو ظهور ما يسمى الفهم الأنثروبولوجي للعالم، ومن أبرز ممثليها الكاهن فارسونوفي، والتاجران فاسيلي بوزنياكوف وفاسيلي غاغرا. والحقبة الثالثة (النصف الثاني من القرن السابع عشر حتى النصف الأول من القرن الثامن عشر)، فهي ما يعرف بالعصر الباروكي، وأبرز ممثليها الحجاج أرسيني سوخانوف ويوحنا لوكيانوف وإيبوليت فيشينسكي. والحقبة الرابعة (منتصف القرن الثامن عشر حتى نهاية القرن الثامن عشر)، فهي العصر الكلاسيكي، الذي تميز بالتأثير الكبير الذي مارسته أفكار التنوير على الأدب، وتمثلت هذه الحقبة بكتابات الراهب فاسيلي غريغوريفيتش – بارسكي والأرشمندريت ليونتي زيلينسكي والكاهنين إيغناتي دينيشين وميليتي. والحقبة الخامسة (النصف الأول من القرن التاسع عشر حتى نهايته)، فتميزت بتأثير الروح الرومانسية في كتابات الحجاج الأدباء الذين زاروا الأراضي المقدسة حينئذ، ومن أبرز ممثليها ديميتري داشكوف وأندريه مورافيوف وأبرام نوروف وبيوتر فيازيمسكي.

 

أدباء روسيا وشعراؤها يغنون فلسطين

أخذت الإبداعات الأدبية المكرسة لفلسطين والقدس في الظهور منذ بدايات القرن التاسع عشر بصورة أساسية. ففي هذا القرن، زار فلسطين العديد من الأدباء والشعراء والفنانين والدبلوماسيين الروس البارزين، كان من بينهم الأدباء كوكولنيك وغوغول وبونين ودوروشوفيتش، والفنانون ريبين وفوروبيوف وبولينوف والأخوان تشيرنوفيتس، والدبلوماسيون دافيدوف وخيتروفو ومورافيوف، وكذلك المؤرخ وعالم الإثنوغرافيا نوروف، وكثيرون آخرون. وكتب شعراء عظام، مثل بوشكين وليرمنتوف، قصائد من وحي الأماكن المقدسة من دون زيارتها. وغنى شعراء روس بارزون في تلك الحقبة فلسطين، من أمثال: ديرجافين ولومونوسوف وسوماركوف وأوبودوفسكي وغلينكا وآخرون؛ فكانت فلسطين هي الرابط الروحي الذي يشد الإنسان الروسي إلى هذه الأرض المقدسة، هذه الأرض الموعودة.

وتساءل إيفان بونين: "هل من أرض أخرى [غير فلسطين] تجتمع فيها مثل هذه الذكريات العزيزة على القلب البشري؟". في حين تساءل ستيبان بونوماريوف: "أليست روسيا هي التي تربطها بفلسطين روابط وعرى أكثر من أي دولة أخرى؟"، ويذكر القارئ بأن كييف هي "أورشليم الروسية". أما فاسيلي خيتروفو فقال: "إن أسماء الأماكن المقدسة: أورشليم، الأردن، الناصرة، بيت لحم، تمتزج في مخيلتنا منذ الطفولة بأسماء مدن عزيزة على قلوبنا هي: موسكو، كييف، فلاديمير، نوفغورود".

وكتب أيضا شعراء وأدباء كثر في القرن العشرين عن فلسطين، من بينهم الشاعر ألكسندر فيودوروف (1868–1949)، الذي كتب بعد زيارته الأراضي المقدسة عام 1909 مجموعة من القصائد حملت عنوان "فلسطين"، فضلا عن مجموعة من القصص. وكتب الناقد الأدبي سيرغي سولوفيوف (1895–1942) قصيدتين: "الدخول إلى أورشليم"، و"أمام أورشليم". وحذا حذوهما الشعراء والأدباء فلاديمير غيلياروفسكي (1891–1938)، وفاليري بريوسوف (1873–1927)، ومكسيمليان فولوشين (1877–1932).

وكانت قصائد آنا أخماتوفا (1889–1960)، وفلاديمير نابوكوف (1899–1977)، ومارينا تسفيتايفا عن فلسطين (1892-1941) في رأي الكثيرين ذروة الإبداع الشعري. وكانت القدس وفلسطين أيضا موضوعا محببا لدى الشاعر الكبير نيقولاي غوميليف (1886–1921)، عضو الجمعية الفلسطينية الأرثوذكسية الإمبراطورية. أما شاعر روسيا الكبير الداغستاني رسول حمزاتوف (1923–2003) فخصص لفلسطين قصائد رائعة تنضح بالتعاطف العظيم مع قضية الشعب الفلسطيني العادلة.

فلسطين في كتابات المؤرخين

بوصفها جزءا من المشرق العربي، كانت فلسطين أيضا موضوعا لكتابات المؤرخين والكتاب السياسيين الروس في العصرين الإمبراطوري والسوفياتي: من كبير المستعربين الروس إيغناتي (إغناطيوس) كراتشكوفسكي ونيقولاي ميدنيكوف وقسطنطين بازيلي، إلى أغاتانغل كريمسكي وفلاديمير لوتسكي ويفغيني بلياييف وغيرهم، وصولا إلى إيرينا سميليانسكايا ويفغيني بريماكوف، والمؤرخين المعاصرين في الحقبة ما بعد السوفياتية ألكسندر كريلوف وأندريه فيدورتشينكو وفلاديمير موروزوف والكثيرين غيرهم.

أما بداية الحقبة ما بعد السوفياتية، فقد شهدت شحا في الكتابات عن فلسطين. بيد أن هذه الحالة لم تدم طويلا، فعاد المؤرخون والباحثون السياسيون، المستشرقون والمستعربون في الدرجة الأولى، إلى إيلاء قضية فلسطين وشعبها اهتماما متزايدا. وخلافا لكتابات مؤرخي الحقبة السوفياتية التي اتسمت عموما بالنظرة الموضوعية والعادلة والتعاطف مع قضية فلسطين وشعبها، تنوعت كتابات المؤرخين والباحثين السياسيين الروس في المرحلة الراهنة بين من هو متعاطف مع شعب فلسطين، وآخر محايد، بل وميال إلى النظرة الصهيونية في مقاربة القضية الفلسطينية.