عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 آب 2022

التوجيهي "بين حرب الاعصاب والتنافس العائلي"

عبير البرغوثي

يتزامن نشر هذا المقال مع مناسبة عشناها جميعًا، بكل تفاصيلها، وهي صدور نتائج الثانوية العامة في فلسطين، مناسبة عشناها بكل ما يصاحبها من فرح وحزن، من لوم وعتب ومظاهر تخرج عن كل التوقعات سواء في التعبير عن الفرح بها مهما كانت درجة التحصيل او علامة النجاح، او بردود الفعل والمحاسبة تجاه من لم تحالفهم فرص النجاح، وفوق ذلك ما يقع من توسيع للفجوة بين مكونات المجتمع الواحد، خاصة حينما نرى أسرًا لا تقوى على التعبير عن فرحها وربما عدم التمكن من ايجاد موطئ قدم لابنائها على مقاعد الجامعة رغم النجاح الباهر في التوجيهي، وفي المقابل قد تكون حظوظ زملائهم أوفر فقط لأسباب تتعلق بالوضع المادي، فوارق تترك أثرها على العملية التعليمية راهنًا ومستقبلاً.

نقول ذلك، لأنه ما إن يبدأ العام الدراسي، حتى تبدأ معركة السمعة والمستقبل والتحدي، معركة امتحان الاثبات بأن ساعة الحقيقة قد حانت، فإما النجاح والمضي نحو المستقبل، وإما الفشل والرسوب والسقوط الى سابع أرض، ليس الطالب وحده، بل يأخذ من بين ما يأخذ كل ماضيه وماضي أسرته التي سهرت وتعبت وتفرّغت ليل نهار لاجتياز ظلمة هذه العتبة، كيف لا وتتكرر عبارات المقارنة بابن فلان وبنت الجيران، الذين حققوا المرتبة الأولى رغم وضعهم الاقتصادي الصعب، عبارات يتردد صداها منذ اليوم الأول ومنذ الامتحان الأول، هذه هي معركة التوجيهي التي نعيدها ونكررها في كل عام.

سنوات مرّت وأخرى تمر علينا ونفس الحال، ونفس شدّ الاعصاب وإرهاق الليل والنهار على طالب، عيناه على تلك الكتب والمواد علميةًّ كانت ام أدبية ام غير ذلك، وأذن تطرقها كلمات الهمز وعبارات الشحن النفسي من دائرة لها علاقة وأخرى قد تكون عابرة سبيل تواجدت بالصدفة في جلسات النقاش والحوار ورفع الهمم، عبارات يراد بها التحفيز للنجاح ودلالات يراد بها انقاذ سمعة العائلة من أي فشل لا قدَّر الله، وعلى الطالب ان ينجح في الجمع بين كل ذلك ويجتاز الحاجز العظيم الذي ساهمنا في تحويله من بوابة لمرحلة جديدة ليصبح "غولا" يأكل المعنويات ويحبط عزائم الطلاب.

والسؤال الذي يبقى على لساننا جميعًا، هل التوجيهي بوضعه الحالي أداة حقيقية للتقييم بشكله ومحتواه وطريقة تنفيذه؟ وهل هو مقياس يتحدد على أساسه تصنيف مستويات النجاح وشروط القبول اللاحق للتخصصات والجامعات؟ وهل التوجيهي ملعب لتنافس الاهالي فيما بينهم على من كانت علامة ابنه او ابنته هي الأعلى؟ أم هو مرحلة تخرج وانتقال سلس من مرحلة تعليمية الى أخرى؟ وهل نحن على مواكبة مع تطورات العالم في مجال مسار التعليم المتسق الذي يضمن المرور الآمن وفق منهجية علمية لتأهيل الطلاب للعبور لمحطة جديدة نحو مستقبل أكثر ابداعًا واشراقًا؟

أسئلة كثيرة تطرق أبواب كل الجهات المعنية، من الأسرة الى المدرسة والأسرة التعليمية وصولاً للجهات الاشرافية المعنية ببناء تعليم المستقبل وتهيئة الاجيال للتجاوب الفعّال مع التطورات العلمية التي تتزامن وثورة المعلومات واقتصاد المستقبل والثورة الصناعية الرابعة بما فتحته من آفاق للذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات في كافة المجالات.

إنها مرحلة الصراع بين نموذجين، الأول تقليدي يستند إلى أدوات كشفت التجربة أنها أقرب لمحاولات إثبات عدم الفهم أو إثبات صعوبة المرور من بوابة التوجيهي وكأنها بوابة العبور بين بوابات الزمان، ولا يجيدها إلا النفر القليل بعد ان يدفعوا ثمنًا قاسيًا، وتكلفة تدفعها الأسر حينما تعلن حالة الطوارئ لأن لديها طالب توجيهي، مرحلة يمنع فيها كل تواصل وكل نشاط، مرحلة تستخدم لتبرير أي قرار أو تأخير او اعتذار من قبل الاسرة لأنها مشغولة بمتطلبات طالب التوجيهي، وبغض النظر عن الغاية من خلف ذلك فإنه شهادة على مدى تهديد النموذج الحالي لكل استقرار وشهادة على أن كل شيء هو على المحك طوال عام كامل يكاد يكون أطول من كافة الاعوام التي سبقته على مقاعد الدراسة.

ونموذج حديث باتت العديد من الدول تطوره خطوة خطوة حتى باتت سنة التوجيهي هي السنة التحضيرية للسنة التالية من التعليم الجامعي، سنة تمثِّل تمهيدًا منتظمًا لمحطات دراسية، ترتكز لاكتشاف اهتمامات وقدرات الطالب منذ السنة التاسعة أو العاشرة ويبدأ الطالب بتحديد مساره بتنسيق وإشراف واع من قبل المدرسة، فهو من مقعد الدراسة يبني شخصيته التعليمية وفق المسار الأكاديمي الذي سيمضي عليه لاحقًا، فمن كانت ميوله الهندسية او الطبية او غيرها، يسلك هذا الطريق التأسيسي من المدرسة والسنة الأخيرة من المدرسة تكون بمثابة شهادة جاهزية للانتقال للسنة الدراسية الأولى في الجامعة تمامًا كما انتقل من الصف الحادي عشر للصف الثاني عشر دون ضغوط نفسية واجتماعية لم نتمكن من تبريرها رغم ان عمر التوجيهي لدينا  تجاوز عقودًا وربما يقترب من قرن من الزمان وهو على حاله، موسم للمعاناة من كافة الجهات.

وضع التوجيهي بكافة مكوناته يتطلب وقفة للمراجعة الاستراتيجية، مراجعة للمحتوى والأدوات، والضغوط التي يخلقها الاستمرار بنفس الأسلوب على كافة الأطراف، فالأسرة تحت ضغوط وتخوفات تضع ماضيها وحاضرها ومستقبلها على المحك، لانها تخشى ان تكون أسرة الطالب الذي "رسب" في أهم محطات الحياة كما باتت تسمى بين الناس، مراجعة لمتطلبات تأهيل الطالب في سنة التخرج من التعليم المدرسي للدخول للمرحلة التالية على أساس تطوير التوجيهي كجسر للمرور الآمن للمستقبل وليس للتفنن في أدوات الضغط التعليمي وكأنه في تحد لإثبات أنه يفهم، ومراجعة لدور المؤسسة التعليمية والاشرافية لإبراز قدرتها على الحداثة والتطوير لأدوات التأهيل وليس للدفاع عن أدوات باتت أعمارها تتجاوز عقودًا ويكسو بعضها غبار كثيف من رماد الزمان.

نعيد الحديث عن هذا الموضوع لما له من أهمية لمستقبل أجيالنا ونحن نعدُّهم لمستقبل مليء بالتحديات، مستقبل يتطلب أجيالاً سليمةً ومعافاة من كل ضغوط، فطلاب اليوم هم قادة المستقبل وتحسين إعدادهم سيكون له الأثر الكبير على جودة قدراتهم وملكاتهم مستقبلاً، وجودة هكذا أجيال ستعني بالضرورة مجتمعًا فلسطينيًّا أشد قوة وأكثر قدرة على مواكبة تطورات المجتمعات وبناء المؤسسات والدول الحديثة، وجودة الطلاب تعني أيضًا جودة مخرجاتهم وإنتاجاتهم ومساهماتهم في مختلف الحقول العلمية ولاحقًا في سوق العمل، فهم أساس قوة العمل بغض النظر عن طبيعة وظائفهم في المستقبل، والبدايات الصحيحة غالبًا تقود لنهايات سليمة، والضغوط والتشويه المعنوي والنفسي مهما كانت مبرراتها لا تؤدي لبناء إنسان ايجابي وقادر على مواجهة تحديات زمن ثورة التقنية في كل المجالات، نحتاج طلابًا يجيدون الابتكار وليس مجرد نسخة طبق الأصل او تمتلك بعض التحسين عن الجيل القديم، ومع الاعلان عن نتائج التوجيهي لعام 2022 نتمنى من خلال مقالنا لكافة طلابنا النجاح الدائم، وكل امنيات التوفيق للناجحين وكل دعواتنا لمن لم يحالفهم النجاح هذا العام ان يكون عامهم القادم أكثر توفيقًا.