عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 حزيران 2022

غريب عسقلاني... وروايته "الطوق"

علامات على الطريق- يحيى رباح

لست ناقداً أدبياً بأيّة حال من الأحوال، فأنا أعترف بأنني لا أمتلك الأدوات ذات الكفاءة العالية التي يمتلكها النقاد المعروفون، لكن يمكن أن أحمل صفة القارئ النهم، بل النهم جداً وسوف أحاول خلال هذا الأسبوع تناول ثلاث روايات لأصدقاء قريبين من قلبي، أولهم الأديب الكبير غريب عسقلاني ابن مدينة المجدل، عسقلان وهي عاصمة آخر قضاء شمال قطاع غزة، المحتل منذ عام 1948، وكانت مدينة المجدل عسقلان عاصمة الغزل والنسيج في فلسطين كلها، وكانت مدينة الأنوال (جمع نول)، ومن خصائص النول أن العائلة حين تمتلك واحداً فإن العائلة كلها تصبح عائلته، مستوعبة كلياً في مطالبه واحتياجاته ومهاراته التي يتطلبها حتى ينتج لنا هذا القماش الجميل الذي تحتاجه كل النساء وكل الرجال وقد كانت مدينة مجدل عسقلان هي عاصمة هذه الصناعة المتميزة في فلسطين كلها، صديقي العزيز غريب عسقلاني أو "إبراهيم الزنط" وهو اسم الميلاد الذي رحل عن دنيانا قبل فترة وجيزة، كان قاصاً وروائياً من الطبقة الممتازة، وكان يبحث في قصصه ورواياته عن نوع نادر الحدوث ونادر التخيل مثل الجمل الذي وقع أمام أعين الناس تحت عجلات القطار في مدينة غزة العجيبة والمثيرة التي لا تنتج سوى الغرائب، وبرغم أن حادثة الجمل الذي وقع بين عجلات القطار أخذت يومها كل الاهتمام من أهل مدينة غزة، إلا أنه عندما حل موعد الغداء كان لحم هذا الجمل ناضجاً وشهياً على موائد الغداء لأهالي مدينة غزة، ماذا أقول لكم، غريب عسقلاني أو إبراهيم الزنط هو هكذا، لكي يجعلك تمتلئ إعجاباً ودهشة فإنه كان يحول اندهاشاته إلى متفجرات درامية نادرة في أقاصيصه ورواياته التي يكتبها بإتقان مثل عامل النول الشاطر، وذات يوم، اتصل بي مكتب نائب القائد العام للثورة الفلسطينية ومسؤول القطاع الغربي، أي مسؤول العمل الفدائي في فلسطين المحتلة، ذهبت لمقابلة أبو جهاد الوزير الذي ظل حتى يوم استشهاده، ورغم شهرته التي طغت في الأفاق اقرب إلى تلميذ في المدرسة الثانوية، شعره مسرح جيداً، وملابسه بسيطة جداً، وابتسامته صغيرة، لا تكاد ترى ولكنها تضيء عالماً مضطرباً من أوله إلى آخره.

عندما وصلت وجلست بجواره، أخرج من حقيبة صغيرة، كتاباً وأعطاني إياه، فقال لي هذه رواية لأديب في غزة، اقرأها جيداً، وإذا أعجبتك فاكتب عنها في الصحافة الفلسطينية واللبنانية وأينما تستطيع، نريد أن نبشر به، وأن نجعل اسمه عالي الحضور، وانتهى اللقاء.

كانت رواية صادرة في الأرض المحتلة اسمها "الطوق" يرتكز موضوعها الرئيس على أن البطل، وهو فلسطيني فدائي "لا أعرف ماذا يمكن أن يكون الفلسطيني غير ذلك؟؟ امرأته حامل وهي تقول إنها لم تقابله ولا تعرف أين هو، والمحققون الإسرائيليون يسألونها مثل الذئاب التي سال لعابها على شفاهها، يحاصرونها بالأسئلة وهي عصية النكران، وهذا هو المتفجر الدرامي في رواية "غريب عسقلاني"، الطوق، المدينة مطوقة بطوق إسرائيلي شاذ مثل الإسرائيليين، وهم يبحثون عنه ولكن زوجته تنكر أنها تعرف أين هو، هي حامل، فمن أين جاء الحمل، من الذي وضع النطفة، الأسئلة كلها من النوع القاسي، والإجابات يجب أن تكون حاملة ببعض المعقول، لكن الزوجة تقول إنها لا تراه ولا تعرف أين هو، وهذا البطن الذي يزداد انتفاخاً يكذبها، هذا هو المتفجر الدرامي، هكذا يسميه النقاد وأنا لست واحداً منهم، فمن أين جاء البطن الذي يشير إلى الحمل؟ والحمل لا يحدث إلا في اقصى حالات الحضور، فأين الزوج؟ يسألونها. لا أعرف. فأنا لم أره منذ شهور.

هكذا هو صديقي العزيز غريب عسقلاني ينسج روايته على نول دقيق خيوطه وألوانه، محسوبة بإتقان مدهش، وهكذا كان غريب عسقلاني، مدهش في دقة التفاصيل والألوان التي يرسمها النول، نول النسيج بدقة متناهية، كان صديق العائلة، قبل موته بثلاثة أيام اتصل بنا، قال لنا عندما سألناه عن صحته- إنه وصل إلى الحد الأخير.. أنا مقعد، محكوم بكرسي متحرك، وكثير يداهمني السؤال: متى يحينُ موعدُك أيّها الحدّ الأخير؟؟

[email protected]