الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 أيار 2022

فيصل حوراني.. الصديق العاقل

باسم برهوم

عندما يكون شخص مثل فيصل حوراني صديقا لك لأكثر من أربعين عاما، تغيب دون إدراك منك،  وعن وعيك اليومي، الكثير من أهميته الفكرية، لأن الشخصي والانساني يغلب على العلاقة. وفي كل مرة كنت أقرأ فيها كتابا من كتبه أو مقالا من مقالاته أنبهر بعمق ما يكتب وكأنني اكتشف فيصل من جديد، وفي السنوات الأخيرة كنت بيني وبين نفسي أطلق عليه "الصديق العاقل"، وتبين أن العلاقة بيني وبينه في جزء كبير هي علاقة مع عقله، مع ما لديه من مخزون معرفي، مع ذاكرته الأسطورية التي تنتقل بدقة وسلاسة بين الأحداث والمراحل.
فيصل، شخصية تتمتع بذكاء خاص، شخصية ساخرة وناقدة بشكل لاذع، وذات حس مرهف، وفي السياسة كانت لديه محددات ثابتة، فالوطنية الفلسطينية هي الثابت الراسخ، هذه الوطنية التي وصل إليها بمشقة وبوعي عميق بعد أن ذهب إلى القومي، لذلك هي أحد المحاور الرئيسية التي تحركه وتحرك تفكيره، وطنية فيصل تضيق بقدر مساحة فلسطين، وتتسع باتساع الكون، وطنية ملتزمة لكنها منفتحة على كل شيء على كل فكرة، وطنية جمعت بإبداع نادر بين ما هو وطني وما هو قومي وإنساني.
أفكار فيصل لم تكن مجرد مادة عقلية، مادة للنقاش في الصالونات السياسية والثقافية، بل هي حياة وممارسة، وربما هي الحياة أولا، كانت معرفته متاحة لكل طالب لها دون أي تحفظ، يقدم دعمه ووقته وجهده لكل من احتاج اليه، وقف إلى جانب كل من أراد ان يكتب عن فلسطين، أو ان يكتب عن أي شيء.
عندما أفكر بفيصل كمؤرخ للقضية الفلسطينية، أرى فيه مؤرخا مختلفا بموضوعيته بحرصة الشديد على دقة المعلومة، يقدم الرواية الأكثر عمقا انطلاقا من شمولية معرفته لعناصر القضية الفلسطينية، وهو لا يكتب التاريخ ليسجل تتابعا للأحداث، بل تحليل التاريخ، بهدف استخلاص الدروس والعبر، والتفكير من خارج الصندوق التقليدي. عندما أفكر بفيصل كحافظ للذاكرة الوطنية، فهو أراد ان يعيد كل فلسطيني الى فلسطين، عبر مأساة التشريد وتجربة المنفى القاسية. وعندما أفكر بفيصل الانسان، كان مخلصا حتى الرمق الأخير لمن يعاشره ويصادقه، ملتزم ووفي لكل من هو قريب.
واليوم بعد رحيله اعترف انني كنت أحبه كثيرا، وكنت أدرك قبل أن يرحل عنا بوقت طويل، أن رحيله خسارة كبيرة لي شخصيا، خسارة لكل من كانوا قريبين منه، خسارة لشعبنا الفلسطيني، خسارة للثقافة الفلسطينية، والأهم للقضية الفلسطينية الذي كان من أكثر من فهم كل خفاياها. وأيضا عليّ أن اعترف اني كنت أخافه، أخاف محاصرته لي معرفيا، بهدف أن اخرج أفضل ما لدي، وأن أصوب منهج تفكيري ليكون أكثر قدرة على فحص الظواهر.
فيصل بالنسبة لي لا يموت، إلا عندما أموت لأنه المساحة الأغنى والأهم من ذاكرتي.. وداعا يا فيصل أيها الصديق العاقل جدا.