الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 07 أيار 2022

بطل وحيد يصارع الحضور بالغياب.. منصورة عز الدين في "أطلس الخفاء"

القاهرة- منى أبو النصر- لا يبدو أن بطل رواية "أطلس الخفاء" - دار "الشروق" المصرية - صفحة، يشكو من غياب البشر في حياته، بل يبدو أنه حرص على هذا الغياب طيلة عمره، وكأنه في حالة إخلاص ممتدة لوحدته وذاته، دون شكوى من أنه "مقطوع من شجرة" كما يصف نفسه، فالاستماع للناس عنده عبء، ونظراتهم فضول. إنه يتمنى أن "يعيش ويتحرك في عالم لا صوت فيه: لا أحاديث أو همهمات أو صراخ، لا قرقعات ولا ضجيج ولا نباح".

تشيد الكاتبة المصرية منصورة عز الدين في أحدث رواياتها عالمين متوازيين لبطل أوحد، طالما كان الغرق في العمل هو همه الوحيد الذي يستغرقه، فهو يكره أيام العطلات لأنه ببساطة لا يعرف كيف يقضيها، لذلك "تخيفه الإجازات"، مما جعل وصوله لسن التقاعد أكبر هواجس حياته التي لم يعد لها من مفر، حيث الإجازة مفتوحة، والعالم مكشوف على العدم.

في عالمه العاطفي المتقشف، حيث انقطعت سبله في العائلة والحب، المطبخ والشرفة وغرفة المعيشة هي العالم، يستسلم مراد أمام موجات هاربة من الذكريات والأحلام، التي يطلق عليها "الاستبصارات"، تلك التفاصيل التي "برقت في السماء الغائمة لذاكرته بلا مقدمات"، فتغرقه في عالم بديل يوازي عالمه الساكن، وتدخله في رحلة ذهنية ممتدة، مفتوحة على فضاءات الطفولة، والشباب، حيث الجدة، والأم، والأخت، والحبيبة الأولى، يطلون في شرفات ذاكرته فيؤنسون بإشراقاتهم شقوق أيامه.

 

بطل أم بطلان؟

وظفت الروائية ضميري المتكلم والغائب، في بناء عالم مراد المنقسم بين واقع فقير وخيال طليق، كأننا في رحلة تواكب مسار بطلين منفصلين، متصلين في الوقت نفسه: "فمراد المستبصر لا يشبه شخصه الضعيف الفاني".

في المسار الواقعي، لا يتعدى تجول مراد حدود منطقته السكنية، ومحيطها القريب، حيث المكتبة والمقهى والشوارع المجاورة ومقر العمل، ولا يبدو أن تجوله محاولة للاقتراب من بشرها، فهو في حالة تفاد متعمد لفضول الآخرين والاقتراب من حياته، وزيارته لمكتبة قريبة من البيت هي الزيارة الوحيدة على مدار الرواية، وهي تنطلق بدافع من شغف خاص، إذ إنه يبحث عن دفتر يشتريه، ولا يلفت نظره سوى دفتر بشكل محايد ولون رمادي، يحضره إلى بيته ويحيطه بأقلام حبر ملونة، لتبدأ رحلته في استعادة استبصاراته الآفلة، وتدوينها في فقرات منفصلة على الورق: "أمسك بالقلم الأخضر وبدأ في الكتابة وقد عزم على أن يحكي تجلياته بضمير الغائب لا المتكلم. وسرعان ما غير رأيه، وقرر الكتابة بضمير المتكلم، فلا مسافة تذكر بين حالين للشخص نفسه، وإشراقاته ينبغي نسبها له وحده".

بواسطة ضمير المتكلم، يضبط مراد مدار استبصاراته، التي تغلب عليها رهافة اللغة الحلمية، فيبدو السرد موزعا بين حركته المحدودة التي تروى بضمير الغائب في تماه لغوي مع فكرة غيابه الوجداني عن عالمه المحيط، وبين مقاطع يدونها في دفتر استبصاراته، تسودها شذرات من قرية طفولته، وعالمه الصغير المتحرك الذي كان قبل ما تتحجر حياته حتى بلغ سن التقاعد.

 

ترحال فانتازي

لا يدون البطل حياته بصورة تسجيلية، بل ينطلق في دروب عالم مواز لم يعشه، فتصير الإشراقات ترحالا في حد ذاتها، تأخذه إلى حيث لم تطأ قدمه، حيث الجغرافيا أرض مفتوحة تأتيه، هو الذي لم ير جبلا قط في حياته، ولم يشاهد البحر سوى مرة واحدة. يسعى لخلق أواصر بهذا العالم الذي لا يعرفه، في نزهة خيالية يدونها داخل دفتره: "سائرا على حافة جرف جبلي أجرد، خيل لي أنني أشم رائحة بحر في الجوار، أجلت البصر حولي فلم ألمح أي مسطح مائي".

وهكذا تترع في خيالاته الأشجار، التي تظهر في السرد بأسماء لا نهائية، بعضها معروف كالسرو، والمانجو، والصمغ، ومنها أشجار فانتازية نمت في فضاء خيالاته التي يجد نفسه يتجول داخلها ككائن مرئي، بقدرات شفيفة على الرؤية والشعور بخفة العبور إلى حلم: "وجدت نفسي في حفرة زجاجية، نظرت إلى الأعلى صوب المكان الذي بدأت منه مسيري، فاكتشفت أنه استحال زجاجا بدوره. انعكست أشعة شمس ما على أشجار كريستالية خضراء وحمراء وزرقاء".

تبدو الأحلام والاستبصارات والخيالات والومضات والذكريات، أطلس بديلا يمضي مراد في التجول بين بساتينه، وكوابيسه كذلك، وتظهر في الخلفية حكايات الجدة التي تمنحنا خلفية عن التركيبة الحكائية والخيالية التي شب عليها مراد في طفولته، كحكاياتها عن جنيات النيل، وهي الجدة التي يبدو أن صوتها بات ينبعث من المستقبل لا الماضي، كما يقترب من القرية التي نشأ بها، ورائحة العزلة التي سيجتها، وسيجته معها.

لكن استسلام مراد لرحلته الذهنية الحرة والشاحذة لخيالاته تجاه العالم، لا يبدو أنها استطاعت أن تحرره من عزلته وغربته، فهو يحن إلى عمله الذي تقاعد منه، وطريقه اليومي الذي يقطعه إليه وهو يشاهد العالم والناس، ولو من وراء حائطه الزجاجي المنيع، وكأن طنينا مكتوما يغلف عالمه، فيبحث في الفضاء المفتوح ووجوه الناس، عن نقطة اتزان يبدأ في فقدها كلما لامس في تدويناته ذكريات ألمه المقيم، الذي لم يستطع التحرر من قبضته، كحادث ضياع أخته وموتها، ليتركه في جحيم تأويلات الغياب، والفقد والغربة الكاملة.