الرئيسية » تحقيقات »
تاريخ النشر: 06 آذار 2022

الابتزاز الإلكتروني.. يصطادون فريستهم عبر شباك "الغرام الافتراضي"

أرقام صادمة حول قضايا الابتزاز الإلكتروني المسجلة رسمياً

ضحايا يعضون أصابعهم ندماً يروون لـ"الحياة الجديدة" تفاصيل "السقوط المرعب"

  •  أهداف "المبتزين" غالبا مادية وأحيانا تكون بهدف اسقاط أشخاص في وحل العمالة 
  • يلجأون لـ""هاكرز أخلاقي" للتخلص من الكابوس بعد أن وقعوا في المحظور
  • الضحايا من فئات مختلفة منهم متزوجون وأثرياء ورؤساء مؤسسات
  • عوامل وأمراض نفسية للمبتزين تحاصر الضحايا
  • زيادة بنسبة 11% في الجرائم الإلكترونية خلال عام
  • نصيحة من مختص: لا تتصفحوا المواقع "الإباحية" فهي تسرق بياناتكم

*صفحات وحسابات وهمية توقع مواطنين في مستنقع "السحر والشعوذة"

* طفل وقع ضحية لمجرم استغل رغبته بالفوز في إحدى الألعاب الإلكترونية وأجبره على القيام بأمور خادشة للحياء

* الابتزاز باستخدام الفيروسات والبرمجيات أخطر الجرائم الإلكترونية

*الغالبية العظمى من الضحايا رجال تعرضوا لعمليات ابتزاز بعد تسجيل مقاطع جنسية لهم

* غياب الوعي الكافي بكيفية استعمال مواقع التواصل الاجتماعي يضع البعض أمام حفرة الابتزاز

 

(تحقيق: بشار دراغمة ورومل السويطي/ سعيد شلو)

ظن نفسه يعيش قصة غرام واقعية، لكن في نهاية المطاف اكتشف هول مصيبته التي قادته إلى ليالٍ مرعبة من الضغط النفسي والابتزاز، وكل تفاصيل حياته تحولت إلى عالم من القلق المتزايد، ولا حول له ولا قوة إلا الخضوع لمطالب المبتزين أو مواجهة الفضيحة أمام المجتمع.

اضطر "م" للخضوع لأكثر من ستة أشهر لمطالب المبتزين، وتحويل مبالغ مالية طائلة لهم، لعله يواجه الخلاص من الابتزاز الذي بات يخنقه.

بدأت الحكاية عندما تلقى "م" وهو من سكان احدى قرى شمالي الضفة، طلب صداقة من فتاة عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، في البداية كان كل شيء عاديا، علاقة طبيعية بين أصدقاء، لكن مع مضي الأيام تطورت العلاقة وأصبحت تذهب نحو الجانب العاطفي، إلى أن وقع الضحية في حب الفتاة الافتراضية.

يقول "م"، "كنت انتظر بشغف الحديث مع تلك الفتاة، كانت تستمع لهمومي واخبرها عن كل تفاصيل حياتي، وهي تشاركني ذات الأمر، حتى صارحتها في ذات يوم أنني احبها وأريد الزواج منها".

يضيف "م": بدأت الفتاة تلمح لي برغبتها في علاقة افتراضية غير شرعية، أحببت الفكرة وقررت مجاراتها، واتفقنا على التواصل عبر الفيديو هذه المرة بعد أن كانت كل المحادثات السابقة كتابية فقط، للأسف وقعت في المحظور، تجردت من كل ملابسي، بناء على طلبها، كنت أفعل كل شيء ولا أدري ما الذي أقوم به وهي كانت تفعل مثلي تماما، انتهت تلك الليلة التي ظننتها جميلة وكنت متشوقا لتكرار التجربة في اليوم التالي".

وتابع "انتظرت موعدنا في اليوم التالي، وبالفعل كانت على الموعد، وارسلت لي فيديو مسجلا لكل ما كنت أقوم به، لم استوعب ما ارسلته لي في البداية، وشعرت بحالة من الارتباك، حتى وصلتني رسالة نصها "أنا علام من المغرب، مطلوب منك دفع ألف دولار مقابل عدم ارسال هذا الفيديو إلى اصدقائك على الفيس ونشره على نطاق واسع"، تمنيت في تلك اللحظة لو أنني أموت على الفور ولا أعيش هذه الأوقات العصيبة، فأنا معروف بأخلاقي لدى عامة الناس، وفضيحة مثل هذه سأخسر مقابلها الكثير فقررت الاستجابة لمطلب الفتاة "المزعومة" التي تبين لاحقا أنها مجرد شاب يستخدم تقنيات، عرفت فيما بعد أن اسمها "الزيف العميق" للإيقاع بالضحايا.

 

الاستجابة لمطالب المبتزين

"م" دفع للمبتزين مبلغ ألف دولار من حوالة مالية، واعتقد انه تخلص من هذا الكابوس المرعب، ولم يمر سوى 20 يوما حتى عاد إليه ذات الشخص وأرسل له الفيديو مجددا وطلب منه ألف دولار أخرى، أيقن "م" حينها أن الامر لم ينته، وأنه أمام دوامة ستطول من الابتزاز، لكن الخوف من المواجهة والفضيحة دفعه دائما إلى الاستجابة لمطالب المبتزين ودفع نحو 6 آلاف دولار على دفعات مختلفة لهم.

كان "م" خلال تلك الفترة يبحث عن آلية للخلاص من هذا الكابوس الذي أصبح يرافقه في كل تفاصيل حياته التي تحولت إلى جحيم مضيفا "لم أعد اعرف طعم النوم، خسرت من وزني الكثير لانني لم اعد قادرا على تناول الطعام والشراب، دائما في حالة قلق وخوف من الفضيحة التي قد تُنشر تفاصيلها في أي لحظة، كنت أبحث عن طرق الخلاص من هذا الكابوس، وفي النهاية قررت رفض دفع أي مبالغ ظنا مني أن المبتز لن يستفيد شيئا من نشر الفيديو، وأن كل هدفه هو مالي فقط، وفي المرة الأخيرة عندما جاء المبتز وطلب مني حوالة مالية أخبرته أنني لن أدفع شيئا بعد اليوم، لكن بعد دقائق تفاجأت أنه قام بانشاء حساب باسمي على الفيس بوك وبدأ يضيف أصدقاء على الحساب وأرسل إلى عدد منهم الفيديو، وبدأ أصدقائي يتصلون بي لمعرفة ماذا يحدث فوقعت حينها في المحظور، وعشت أياما من أسوأ لحظات حياتي".

قصة "م" الذي وقع ضحية الابتزاز، لم تكن الوحيدة، فالكثير من القصص المشابهة وقع ضحيتها مواطنون من كافة أنحاء المحافظات ومن مختلف شرائح المجتمع، وبخاصة الشباب وكذلك الشيّاب، حتى أصبحت الفئة الأخيرة هدفا جديدا للمبتزين، كونها فئة متزوجة وتحرص أكثر على مكانتها الاجتماعية.

الشرطة.. الأرقام كبيرة والظاهرة في تزايد

سجلات الشرطة الفلسطينية حافلة بقضايا الابتزاز، ووحدة الجرائم الإلكترونية باتت تتلقى يوميا قضايا جديدة من فئات عمرية مختلفة محورها الابتزاز الإلكتروني، في ظروف وأهداف مختلفة.

ووفق أحدث إحصائية متوفرة لدى دائرة الجرائم الإلكترونية في الجهاز العام للشرطة فإن 2420 قضية تم تلقيها في العام 2020، بينما يتم تحديث البيانات في الفترة الحالية بشأن العام 2021.

وقال العقيد لؤي ارزيقات المتحدث باسم الشرطة لـ"الحياة الجديدة"، أنه تم انجاز 1246 قضية أي أكثر من نصف قضايا الابتزاز التي تلقتها دائرة الجرائم الإلكترونية، ومنها ما تم انجازه محليا ومنه ما تم إنجازه دوليا من خلال الانتربول بنسبة وصلت إلى 11% من مجمل القضايا، مشيرا إلى أن ارتفاع نسبة الجرائم الإلكترونية ومنها بشكل رئيسي الابتزاز الإلكتروني مرتبط بشكل رئيسي بزيادة استخدام الانترنت في فلسطين.

 

الضحايا يلجأون للهاكر

القصص تختلف تفاصيل حدوثها وأهدافها، وفق ما يؤكده المختص في "الهاكر" "س.س"، والذي فضّل عدم الافصاح عن اسمه، بأنه يتلقى في كثير من الأحيان رسائل من أشخاص وقعوا ضحية الابتزاز الإلكتروني، ويطلبون المساعدة للخلاص من الكابوس الذي يلاحقهم.

وأوضح "س" أن الضحايا من فئات عمرية مختلفة ومكانة اجتماعية مختلفة، ومنهم أشخاص متزوجون، وأثرياء، بل ومنهم على رأس مؤسسات، مضيفا "يلجأ إلينا الأشخاص بعد نشر فيديوهات لهم بشكل أولي على منصة اليوتيوب، ويطلبون منا حذفها قبل أن تصل إلى فئات أوسع".

وأشار "س.س" إلى أن الأهداف في الغالب مادية، وأحيانا تكون الاسقاط في وحل العمالة من الاحتلال، وفي حين آخر تكون بهدف استمرار العلاقة بين شاب وفتاة وتطورها إلى حد بعيد، حيث يلجأ الشاب في هذه الحالة إلى تهديد الفتاة بنشر ما حصل عليه من صور وفيديوهات إذا ما قررت الفتاة قطع العلاقة معه، أو عدم الاستجابة لرغباته التي قد تصل إلى طلب علاقات اللقاء في مكان ما وغيرها من الأهداف.

وينصح "س" بضرورة توجه أي شخص يتعرض للابتزاز إلى دائرة الجرائم الإلكترونية في الشرطة، حيث يشهد عملها تطورا لافتا في ضبط المبتزين ومحاصرة تلك القضايا، وكل شيء يجري بسرية تامة.

الخلاص من الكابوس

الفتاة "ع" وهي من سكان احدى المدن، تعرضت لقضية ابتزاز روت شيئا من تفاصيل ما تعرضت له، وكيف نجحت في الخلاص من الكابوس المرعب الذي لاحقها لأشهر طويلة.

وقالت "ع": تعرفت على شاب عبر موقع فيس بوك، ظلت العلاقة عادية، حتى وقعت في حبه، كان يطلب مني صورا عادية لي، وبعد فترة يطلب صورا بدون حجاب، ويزداد الأمر لطلب صور أكثر جرأة، وللأسف كنت أجاريه في مطالبه في بعض الأحيان، إلى أن وصل الأمر به إلى طلب علاقة مباشرة، حينها شعرت بالصدمة، فكيف يتحول الحبيب إلى كابوس مرعب".

تضيف "ع" "عرضت مشكلتي على إحدى صديقاتي، ولم أجرؤ أن أطرحها على عائلتي، بعد أيام اقتنعت برأي صديقتي بضرورة التوجه إلى الشرطة وإبلاغهم بما حدث معي، وبالفعل ذهبت إلى هناك وطرحت قضيتي بالكامل، وتعهدوا لي أن يعالجوا الأمر بسرية تامة، وطلبوا مني تفاصيل عن الشاب، لمعرفة إن كان حسابا حقيقيا أم وهميا، وبعد أيام قليلة تم توقيف ذلك الشاب، ومحاسبته على جريمته بحقي".

ابتزاز وتهديد وتشهير

ويؤكد العقيد لؤي ارزيقات أن الجريمة الإلكترونية في فلسطين تنوعت أشكالها بين الابتزاز والتهديد والتشهير والقرصنة والاحتيال المالي وإفساد الرابطة الزوجية وانتحال الشخصية والسب والشتم وسرقة حسابات مواقع التواصل والبريد الالكتروني، موضحا أن دائرة الجرائم الإلكترونية في الشرطة طورت من آليات عملها بشكل يتناسب مع طبيعة هذه الجريمة ووضعت الآليات العملية والأمنية لمواجهتها بالتنسيق مع النيابة العامة والتي أسست وحدة لمتابعة هذه الجريمة.

وأشار ارزيقات إلى أن هناك ازديادا في نسبة الجرائم الإلكترونية حيث تظهر الإحصائيات المتوفرة على سبيل المثال زيادة بنسبة 11% في العام 2020 عن العام 2019.

ولا يتوقف الابتزاز على جنس معين، فالذكور والإناث مستهدفون في هذه القضايا وفق ما يؤكد المتحدث باسم الشرطة، وتشير الإحصائيات الأخيرة إلى أن نسبة الذكور شكلت 51%من مجموع القضايا بينما شكلت قضايا النساء ما نسبته 42% بعدد قضايا 1130 شكوى وكانت نسبة 7% قضايا مشتركة، وتشكل قضايا التهديد الهدف الأول في عالم الجريمة الإلكترونية و بلغ عدد هذا النوع من القضايا 599 قضية ومن ثم جاءت القرصنة وبلغ عددها 475 وكان الابتزاز في المرتبة الثالثة وبلغ عدد قضاياه 414 شكوى وكانت قضية إفساد الرابطة الزوجية في المرتبة الأخيرة وبلغت 57 قضية.

 

أسباب متنوعة ومخاطر متزايدة

المختصون في علم الاجتماع يرجعون تزايد ظاهرة الابتزاز الإلكتروني على مجموعة من العوامل والأسباب فمنها أسباب سياسية وأمنية ومادية واجتماعية ونفسية.. وجميع هذه الأسباب تصنف ضمن الجرائم الإلكترونية يعاقب عليها القانون.

وقال الدكتور ماهر أبو زنط، أخصائي علم الاجتماع في جامعة النجاح الوطنية، أن الاسباب النفسية تكون عندما يعاني الشخص من مرض نفسي او عقلي مثل انفصام الشخصية او الاكتئاب او الكبت والنرجسية وحب السيطرة والهيمنة.

بينما تأتي الأسباب الاجتماعية بحسب أبو زنط عندما يكون لدى الشخص المبتز فشلا في الحياة ووجود مشاكل اسرية ومجتمعية مضيفا "أما الدوافع الاقتصادية مثل البطالة والفقر فهي أيضا عامل مؤثر في رفع نسبة قضايا الابتزاز خاصة إذا ما كانت الدوافع مالية".

وأضاف الدكتور أبو زنط "لكن أخطر الدوافع هي اذا كان الهاكرز منظما تسيطر عليه عصابات لإسقاط الشباب وخاصة الفتيات والنساء والأطفال لأسباب أمنية".

نصائح للإفلات من المتربصين

ويرى د. محمد بشارات، الخبير والاستشاري في التنمية البشرية، أن موضوع الابتزاز الإلكتروني وصل إلى مراحل في غاية الخطورة،  مضيفا "الغاية والهدف مفهوم وهو تهديد المبتز لضحيته إما من أجل المال أو الجنس أو فعل أشياء محرمة دينيا وقانونيا، أما عن كيفية الوصول إلى المبتَز فهو أمر يمكن حصره في محاولة سرقة الحسابات الخاصة بالمبتَز سواء من خلال إرسال بعض الروابط الاحتيالية على البريد الإلكتروني الخاص به أو موقع التواصل الاجتماعي من خلال الرسائل إرسال بعض المواقع المجهولة التي تثير فضول المبتَز من أجل سرقة البيانات الخاصة بك من خلالها، وكذلك محاولة الوصول إلى الصور والفيديوهات الشخصية من خلال المراسلة أو سرقتها من خلال حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي".

وتابع د.بشارات "قد يطلب من يقوم بالابتزاز التحدث للضحية عبر سكايب أو أي برنامج محادثات فيديو آخر من أجل محاولة اجترارك للابتزاز من خلال عرض فيديو يخيل للمستخدم أنه مباشر بل هو فيديو مسجل مسبقا، وهذا الاجترار من خلال فتح الكاميرا الخاصة بالمبتَز وبالتالي محاولة التقاط الفيديوهات والصور له دون علم منه، ويحصل على قدر كبير من المعلومات والبيانات الشخصية الخاصة بك وبعائلتك واصدقائك ومن تتعامل معهم في محاولة للضغط عليك أو ابتزاز المال منك وغيرها من الأمور".

وأوضح بشارات أن ما يحدث في عالم الابتزاز الإلكتروني يحتاج من الجميع إلى وعي كبير جدا بمن فيهم الكبار وليس فقط المراهقون والشباب.

ويقدم بشارات مجموعة من النصائح لعدم وقوع أي شخص ضحية للابتزاز الإلكتروني ومنهاعدم تصفح المواقع مجهولة المصدر أو غير المشهورة التي يمكن أن تكون مرتبطة ببعض البرامج التي تفتح الكاميرا الخاصة بك من أجل التقاط الصور، أو تكون مرتبطة ببعض الروابط المجهولة التي تسرق البيانات، وعدم تصفح المواقع الإباحية لأن كثيرا من هذه المواقع تسرق بيانات ومعلومات المستخدمين وتجعلهم عرضة للابتزاز الإلكتروني.

ومن النصائح الأخرى عدم مراسلة الأشخاص الذين لا تعرفهم نهائياً سواء كانت مكالمة صوتية أو نصية، بالإضافة إلى ضرورة حماية الهاتف المحمول من خلال وضع برامج تظهر أرقام المتصلين المجهولة حتى يكون لك إثبات على من يتحدث إليك من المجهولين.

وينصح بشارات بعدم وضع بياناتك ومعلوماتك وصورك الشخصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام دون عمل أداة الخصوصية التي تتيح للأصدقاء الذين تثق بهم أو من تختارهم الدخول لهذه المعلومات دون غيرهم.

أرقام صادمة حول قضايا الابتزاز الإلكتروني المسجلة رسميا

تشير الإحصائيات الصادرة عن الشرطة إلى أنها تلقت خلال عام 2021 (358) شكوى منها 252 شكوى لذكور، و106 شكاوى لإناث، أما في عام 2020 فقد بلغت الشكاوى المقدمة 414 شكوى (الذكور 257، الإناث 157 شكوى)، بينما في عام 2019 فقد قُدمت 213 شكوى ابتزاز إلكتروني.

كما تشير إحصائيات النيابة العامة لعام 2020 إلى أنه بلغ عدد قضايا الابتزاز الإلكتروني 136 قضية، وبلغ عدد قضايا التهديد أو الإهانة باستخدام الشبكة الإلكترونية 257 قضة، أما قضايا استعمال الشبكة الإلكترونية أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات في التهديد بارتكاب جناية أو بإسناد أمورٍ خادشةٍ للشرف أو الاعتبار فقد بلغت 51 قضية، بينما قضايا الدخول عمداً دون وجه حق بأي وسيلة موقعاً إلكترونياً أو نظاماً أو شبكة إلكترونية أو وسيلة تكنولوجيا معلومات أو جزءا منها أو تجاوز الدخول المصرح به أو استمر في التواجد بها بعد علمه بذلك فقد بلغت 27 قضية.

جريمة الابتزاز الإلكتروني في ازدياد

وأوضح رئيس نيابة مكافحة الجرائم الالكترونية أن جريمة الابتزاز مجرمة بشكل عام وفقا لقانون العقوبات النافذ رقم (16) لسنة 1960 وبالتحديد المادة (415)، وهي كل من هدد شخصاً بفضح أمره أو إفشائه بهدف أن ينال من شرفه أو قدره أو قدر أحد أقربائه للحصول على منفعة غير مشروعة سواء له أو لغيره، وفي ظل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وانعكاسها على شكل الجرائم المرتكبة وأنواعها كان لا بد من مواكبة انعكاس هذا التطور وإصدار قوانين تتناسب والواقع الجرمي الحالي سواء من ناحية وسيلة ارتكاب الجريمة أو الأدلة الجرمية المصاحبة لها، فتم إصدار قرار بقانون الجرائم الإلكترونية وجرائم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رقم (10) لسنة 2018 وتعديلاته، والتي أفردت بشكل واضح تعريفا لجريمة الابتزاز الإلكتروني وفقا للمادة (15) التي نصت على أن كل من استعمل الشبكة الإلكترونية أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات في تهديد شخص آخر أو ابتزازه لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه حتى لو كان هذا الفعل أو الامتناع عنه مشروعاً، وحملت المادة (15) أيضا تغليظاً لعقوبة ارتكاب جريمة الابتزاز الإلكتروني في حال كان هذا التهديد بارتكاب جناية أو بإسناد أمور خادشة للشرف والاعتبار.

ويقول رئيس وحدة الجرائم الإلكترونية في جهاز الشرطة العقيد سامر الهندي، إنه منذ تأسيس وحدة الجرائم الإلكترونية منذ عام 2013 وحتى اليوم شهدت جريمة الابتزاز الإلكتروني ازديادا مستمرا، باستثناء عام 2020 الذي ارتفعت خلاله شكاوى الابتزاز الإلكتروني؛ بسبب الاستخدام الكبير للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي؛ بالإضافة إلى إجراءات الحكومة نتيجة جائحة كورونا التي ساهمت في زيادة اعتماد المواطنين على الإنترنت أكثر من قبل.

وحول شكل ونوع جرائم الابتزاز الإلكتروني الواردة لنيابة مكافحة الجرائم الإلكترونية استعرض الأستاذ جرار أكثر أنواع جرائم الابتزاز الإلكتروني وقوعا في فلسطين وأهمها الابتزاز الإلكتروني الجنسي و الابتزاز الإلكتروني المالي، ورغم اختلاف أساليب ارتكابها إلا أن معظمها يحدث نتيجة جهل وقلة وعي الضحية بخطورة الانفتاح ومنح الثقة لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والتعامل معهم على أنهم أشخاص حقيقيون وفعليا قد يكونون مجرمين أو أعضاء في منظمات إجرامية هدفها نيل ثقة الضحية لابتزازه لاحقاً.

وفي سؤاله حول جنس الضحايا المرتكبة بحقهم جريمة الابتزاز الإلكتروني كشف الأستاذ ناصر جرار عن أن أعلى نسبة للضحايا هم من الذكور ومن ثم الإناث والأقل هم الأطفال، ويختلف الأسلوب المستخدم باختلاف الضحية، فقد ينتحل الجاني شخصية ساحر أو مشعوذ، وينفذ الضحية طلباته التي قد تتضمن إرسال صور خاصة جدا ليقوم الجاني بابتزازه بها، أو قد ينتحل الجاني شخصية ودودة ويتقرب بها من الضحية لإنشاء علاقة خاصة قد تصل حد إجراء محادثات فيديو أو تسجيل مقاطع إباحية للضحية وأغلب ضحايا هذا الأسلوب هم الذكور، وفيما يتعلق بجريمة الابتزاز الإلكتروني التي قد يكون ضحيتها أطفالا أورد الأستاذ جرار مثالا واقعيا لطفل كان ضحية لمجرم استغل رغبته بالفوز وأخذ امتيازات أثناء لعبه في إحدى الألعاب الإلكترونية المنتشرة بكثرة حاليا، وأجبره على القيام بأمور خادشة للحياء وتصوير نفسه مقابل أن يقوم المجرم بشحن رصيد الطفل بهذه اللعبة. 

وحول التصدي للابتزاز الإلكتروني يوضح الأستاذ ناصر جرار أن رفع وعي ثقافة المواطنين بالدرجة الأولى هو الجدار الأول لحمايتهم من الوقوع ضحية لجريمة الابتزاز الإلكتروني، وأهمها ضبط إعدادات الخصوصية الخاصة بحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بحدها الأعلى، والامتناع بشكل قطعي عن إرسال الصور الخاصة عبر وسائل الاتصال الحديثة حتى لو كان الطرف الآخر شخصا موثوقا به، فقد تتم قرصنة الحساب والاستيلاء على هذه الصور، وأيضا تقنين إجراء محادثات الفيديو بالحد الضروري لإجرائها، وجدار الحماية الثاني للتصدي لهذه الجريمة هو التصرف السليم في حال التعرض للابتزاز ويكون ذلك بالتوجه فورا لجهات الاختصاص القانوني سواء النيابة العامة أو وحدة الجرائم الإلكترونية في الشرطة، حيث ستتم معالجة المشكلة بالسرعة والسرية اللازمة وفقا للقانون.

وشدد الأستاذ جرار على ضرورة الإسراع بتقديم الشكوى لجهات الاختصاص وعدم محو المحادثات أو الصور كونها أدلة للجريمة، ويصار فور استلام الشكوى إلى تزويد الضحية بتعليمات يتوجب عليه الالتزام بها وأهمها ضبط النفس وعدم الرضوخ لطلبات المُبتز، فجهات الاختصاص ستقوم بتحديد الموقع الجغرافي للمُبتز وعنوانه والتي غالبا ما تكون خارج فلسطين وتتبع لمنظمات عالمية تمتهن جريمة الابتزاز، ويُصار في هذه الحالة التعاون مباشرة مع نيابة التعاون القضائي الدولي لإرسال المعلومات المطلوبة لإدارة التعاون الشرطي الدولي "إنتربول فلسطين" لتحويل القضية لمكتب الإنتربول الدولي واتخاذ المقتضى اللازم وهو القبض على المُبتز وتقديمه للمحاكمة.

وأكد الأستاذ ناصر جرار أن عملية تحديد موقع المتهم وإيقاف عملية الابتزاز تتم بسرعة، حتى لو كان المُبتز خارج فلسطين فبالإضافة إلى التعاون مع الإنتربول، تمتلك النيابة العامة الفلسطينة مذكرات تفاهم مع ما يقارب 21 دولة حول العالم وبالتالي هناك جهة تقوم بحمايتك من الابتزاز في حال تعرض أي شخص له، ما يشكل رادعًا للجاني يمنع من القيام بأي عملية ابتزاز.

ويضيف جرار أن عدد قضايا الابتزاز الإلكتروني بازدياد ملحوظ مقارنة مع السنوات السابقة؛ ويعود ذلك إلى سهولة الوصول لمواقع التواصل الاجتماعي وإنشاء حسابات عليها، باختلاف الجنس والفئة العمرية، وفي ظل غياب الوعي اللازم  بكيفية استعمال مواقع التواصل الاجتماعي بحذر ما  يضعهم أمام حفرة الابتزاز.

ولفت ناصر جرار إلى أن أكثر الجرائم الإلكترونية شيوعًا جريمة الابتزاز الإلكتروني، وهي تحدث عن طريق إرسال صور سواء كانت فاضحة أو غير فاضحة، حيث يوجد أفراد من داخل المجتمع يعتبرون صورة المرأة بدون حجاب كارثة.

وحول أهمية الوعي عند التعرض للابتزاز الإلكتروني يوضح جرار أنه من الضروري القيام بتقديم شكوى لدى جهاز الشرطة أو نيابة مكافحة الجرائم الإلكترونية، وعدم الخوف من الفضائح لأنه توجد اتفاقيات موقعة مع الدول من خلال الإنتربول يمكن الوصول إلى الجاني بسرعة وإيقاف عملية الابتزاز،  وبالتالي هناك جهة تقوم بحمايتك من الابتزاز في حال تعرض أي شخص له، ما يشكل رادعًا للجاني يمنع من القيام بأي عملية ابتزاز.

ماذا يقول القانون؟

تنص المادة (15) من القرار بقانون 10 لعام 2018 وتعديلاته على:

1. كل من استعمل الشبكة الإلكترونية أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات في تهديد شخص آخر أو ابتزازه لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، ولو كان هذا الفعل أو الامتناع مشروعًا، يعاقب بالحبس أو بغرامة لا تقل عن مئتي دينار أردني، ولا تزيد على ألف دينار أردني، أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانونًا، أو بكلتا العقوبتين.

2. إذا كان التهديد بارتكاب جناية أو بإسناد أمور خادشة  للشرف أو الاعتبار، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة، أو بغرامة لا تقل عن ألف دينار أردني، ولا تزيد على ثلاثة آلاف دينار أردني، أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانونًا.

ويقول الهندي: قبل عام 2017 لم يكن هناك قانون يُجرّم بشكل خاص جريمة الابتزاز الإلكتروني، وإنما كان التجريم هو الابتزاز بموجب نصوص قانون العقوبات الأردني (16) لعام 1960، حتى صدر أول قرار بقانون لعام 2017 ويحمل رقم 16 وما تلاه من تعديلات على هذا القرار بقانون، حيث صدر قرار بقانون رقم 10 لعام 2018 ولاحقًا بسبب زيادة الشكاوى بموضوع الابتزاز الإلكتروني خلال عام 2020، صدر قرار بقانون رقم 28 الذي غلّظ جريمة الابتزاز الإلكتروني.

صفحات وحسابات وهمية

 ولفت الأستاذ ناصر جرار إلى معضلة  انتشار صفحات وحسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي تستخدم لارتكاب جريمة الابتزاز الإلكتروني، وتوهم الناس بأنها تساعدهم وتحل مشاكلهم من خلال الشعوذة والسحر، حيث تبدأ بالتعارف وبناء الثقة بين الجاني والضحية، وتتكون لدى الضحية فكرة بأن صاحب هذا الحساب قادر على حل مشاكله ومن الممكن أن يقوم الجاني بطلب صور من ضحيته لمساعدته، وإذا كانت الضحية (امرأة) يطلب منها نزع الحجاب أو الملابس وصورا خاصة ومن ثم يقوم بأخذ المعلومات عنها وعن زوجها وتستخدم هذه المعلومات لابتزازها لاحقًا، ومن أحد هذه الحسابات الشيخة أم عبدالله.

وبين الهندي أنه من طرق الوقاية من الابتزاز الإلكتروني، تقوم الشرطة بحملات توعية حول الابتزاز الإلكتروني وإنفاذ القانون من خلال الإنتربول، ويتم استهداف المواقع والخوادم بجهود دولية وتنسيق بين الدول ذوات العلاقة، قبل أن يقع عدد أكبر من الضحايا.

الأثر النفسي

أما فيما يتعلق بالأثر النفسي للابتزاز على الضحية يقول الأستاذ ناصر جرار: نحاول  معالجة هذه القضايا بالسرعة اللازمة لضمان حصر أثرها النفسي بأضيق حد، فنحن نكرر دائما أن التصرف الصحيح والسريع بإبلاغ جهات الاختصاص سيساهم في معالجة القضية بما يضمن حقوق الضحية وإيقاع العقوبة اللازمة بحق المُبتز، وإيمان الضحية بأن كل مشكلة لها حل ودورنا بالشراكة معكم كوسائل إعلام مهنية بتقديم التوعية اللازمة وعرض قصص نجاح لقضايا ابتزاز صدر بها حكم نهائي من المحكمة المختصة، سيقلل من الأثر النفسي السلبي على الضحية والتي  قد تصل إلى مرحلة الانتحار أو ارتكاب جريمة، وحاليا هناك تعاون وثيق بين نيابة مكافحة الجرائم الإلكترونية ونيابة حماية الأسرة خصوصًا إذا كانت الضحية امرأة، حيث قامت النيابة بتأمين أكثر من امرأة في مراكز الإيواء التابعة للشؤون الاجتماعية من خلال نيابة حماية الأسرة. 

ويقول الهندي إن الابتزاز ليس بالضرورة أن يكون فيديو مصورًا، حيث إن من أخطر الجرائم الإلكترونية التي يواجهها العالم هي الابتزاز باستخدام الفيروسات والبرمجيات وخاصة ما يعرف بفيروس (run somewhere)، حيث يعمل هذا الفيروس بعد تنصيبه على الجهاز بتشفير البيانات ولاحقا بعد التشفير تتواصل الجهة مع الضحية ويبدأ بعملية الابتزاز للقيام بدفع مبلغ مالي بواسطة العملات المشفرة مقابل فك التشفير وتعتبر الهجمات السيبرانية التي تستخدم الفيروسات الفردية من أكبر التحديات التي تواجه العالم بشكل عام.

أما النوع الآخر فهو ابتزاز الأفراد وهذا الابتزاز يتم من خلال إرسال طلبات صداقة إلى الضحايا من خلال حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات التعارف، وعادةً ما تكون هذه الحسابات بأسماء تجذب الضحايا ومن ثم تبدأ مرحلة توثيق العلاقة بين الحساب الوهمي والضحية وتنتقل لاحقًا لمرحلة التواصل عبر برامج المحادثات المرئية واستدراج الضحية للحصول على معلومات خاصة أو صور أو تسجيل محتوى فاضح (إباحي)، وبعد الحصول على هذا المحتوى يحصل الابتزاز، بحيث يهدد المُبتزّ ضحيته مقابل عدم النشر، إما بدفع مبالغ مالية أو القيام بأعمال لا ترغب الضحية بالقيام بها سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة بحسب القانون.

ويوضح الهندي أن هنالك نوعًا آخر من الابتزاز يُسمى "الابتزاز العاطفي" الذي من خلاله يوهم الجاني الضحية بالحب والقصة العاطفية والرومانسية، ومباشرة تنتقل المشاعر إلى تطبيقات المحادثات المرئية للحصول على الفيديو يظهر الضحية عارية أو بممارسة جنسية عبر الكاميرا، حيث يقوم باستخدام الفيديو لابتزاز ضحيته، وتتسم قضايا الابتزاز العاطفي بأنها سريعة بين مرتكب الجريمة والضحية بحيث تحدث خلال وقت قصير.