الرئيسية » تحقيقات » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 18 كانون الثاني 2022

"العمالة المبكرة تنهش أجساد أطفالنا وتقتل براءتهم..

دافعها العوز.. وضحيتها "طفولة" مع وقف التنفيذ وأحلام تضيع بين أزقة الفقر

 عبير البرغوثي 

حين يصبح ثمن لقمة العيش حياة، وليس أية حياة، حياة أطفال قهروا الليل بحثًا عن بصيص أمل، حياة 9 أطفال كانوا حتى الأمس القريب بسمة وأمل أُسر انتظرت عودتهم حاملين عونًا لهم، لا أن يعودوا محمولين قطع لحم بعثرتها حادثة قادهم لها سمسار في مخالفة لكل قوانين وقواعد العمل، مخالفة ليس لقانون وأخلاق العمل الفلسطيني، بل انتهاك واستغلال وضرب بالحائط لكل قواعد الإنسانية مقابل سرقة عرق وحياة مجموعة من مستقبل هذا الوطن.

مشهد اصطفاف جثامين شهداء لقمة العيش يلخص مدى المأساة والفاجعة ليس فقط على بلدة عقربا بآلاف سكانها، وإنما فاجعة على كل فلسطيني بل وكل إنسان، صرخة ألم من أعماق قلوب الأمهات الثكالى اللواتي ودعن فلذات قلوبهن مع صلاة الفجر، ليعودوا محملين على الأكتاف، كم هي قاسية لحظة استقبال النعوش، إنها لحظة تهتز فيها الأرض وتتفجر فيها المواقف في وجه من كان السبب ومن استغل بسمسرته حياة جيل المستقبل.
السماسرة والاحتلال والمستوطنون سواء، هم سبب كل مصيبة وأب كل فاجعة، فلقمة العيش الكريمة حق لكل إنسان، لكن سماسرة الاستيطان حولوها إلى وسيلة لاستغلال وانتهاك أبسط حقوق الانسان، واستغلوا وابتزوا حاجة الأسر المعوزة، وسرقوا أبناءها من مدارسهم ليشبعوا جيوبهم دون حسيب أو رقيب ودون وازع من قيم أو أخلاق.

الحادث المأساوي الأخير قرب أريحا الذي راح ضحيته تسعة أقمار بعمر الورود، تسعة انكسرت أغصانهم قبل أن تزهر وتثمر، أعاد النبش في عدة تساؤلات فلسطينية قديمة متجددة، أولها عمالة الأطفال في فلسطين الى أين وإلى متى؟! وثانيها ما الذي يجبر أطفالًا على العمل في هكذا ظروف، كان الأولى ان يستمتعوا بالعطلة النصف سنوية، ليعودوا إلى مقاعد الدراسة في قمة النشاط، لا أن يعودوا جثامين؟ متى ندرك شعبًا وصناعَ قرار أن صفحاتِ حكاية عمالة الأطفال هي صرخات جيل؟! هل هذه هي الحياة التي ننشدها كشعب رازح تحت الاحتلال منذ سبعة عقود وأكثر؟! حتى "إشارات المرور في الوطن صارت ساحة منافسة لأطفال باحثين عن بضعة شواقل لا تسمن ولا تغني من جوع؟ إلى متى؟!

هذا الحادث، يعيد فتح الملف المؤلم في حياة شعبنا "ملف عمالة الأطفال"، هذا الملف الذي يدور بين الواقع والحلول والقوانين وما هو مطلوب، ومن هو المسؤول عن إدارته وأين وصل حتى اليوم، "الحياة الجديدة" تعود من جديد لتسليط الضوء على ظاهرة عمالة الأطفال، علَّها تجد آذانًا صاغية لإبطال مفعول هذه القنبلة الموقوتة.

 

4.2% نسبة الاطفال العاملين ضمن الفئة العمرية 15-17 سنة بفلسطين

كشفت هذه الفاجعة واقعًا مريرًا، أغفلناه في زحمة ملاحقتنا لقضايا تعج بها أجندات مؤسساتنا المعنية، فظاهرة تسرب الأطفال من المدارس واستغلالهم للعمل مقابل أجور زهيدة، تتفشى في مجتمعنا يومًا بعد يوم، فوفق بيانات الإحصاء الرسمية بلغت نسبة الأطفال العاملين ضمن الفئة العمرية (15-17 سنة) 4.2% على مستوى الأراضي الفلسطينية، توزعت بواقع 6.2% في الضفة الغربية و1.3% في قطاع غزة لعام 2020.

النسبة الأكبر من عمالة الاطفال ضمن الأنشطة الاكثر خطورة 

تشغيل الاطفال يخالف القوانين والتشريعات الوطنية والدولية وهذا مجال مهم للبحث والمراجعة، وما يثير القلق أيضًا أن النسبة الأكبر من الأطفال ينخرطون في أنشطة لا تتوفر فيها الحماية من أي جانب، فوفق بيانات نفس المصدر يتركز نحو 63% من الاطفال العاملين ضمن الفئة العمرية (10-17 سنة) في أنشطة التعدين والتشييد والبناء والزراعة، ما يعني أن المخاطر عالية، وهذه معلومات تعود لعام 2020، ما يدق ناقوس خطر كبير يتسع تحت جنح الليل بفعل استغلال حاجة الأسر لمصدر دخل، واستغلال تجار الظلام لتلك الحاجة بسرقة حياة أطفال.

في هذا الجانب، يقول رامي مهداوي المتحدث الرسمي باسم وزارة العمل: "تحظر المادة 14 والمادة 93 من قانون العمل الفلسطيني تشغيل الأطفال دون سن 15 عامًا، ويُسمح بعمل الأطفال من عمر 15–17 لكن بشروط معينة من أبرزها ألا تكون هذه الأعمال خطرة وأن تكون ساعات العمل قصيرة، إلى جانب توفير الكشف الطبي للأطفال كل ستة أشهر".

ويضيف: "تنفذ وزارة العمل من خلال الإدارة العامة للتفتيش عددًا من الحملات التفتيشية لمواجهة عمالة الاطفال من خلال الزيارات الميدانية في كافة محافظات الوطن، كما تقوم بحملات موسمية في فترة الإجازات الصيفية التي يعمل فيها بعض الأطفال، والتوجه لأصحاب العمل واتخاذ عدد من الإجراءات المتمثلة في الإرشاد والتوعية، وتوجيه الإنذارات للمخالفين لقانون العمل فيما يخص شروط تشغيل الأطفال والتوجه للمحاكم واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين".

"وفيما يخص عمالة الأطفال في المستوطنات، فنحن كحكومة ضد العمل في المستوطنات بشكل أساسي، حيث يعمل العامل الفلسطيني في ظروف صعبة ورقابة قليلة حتى من قبل مفتشي العمل في الجهات الإسرائيلية المختصة، وتحديدًا عدم وجود رقابة على عمالة الأطفال الفلسطينيين، وحسب اتفاقية حقوق الطفل، التي تعتبر القانون الدولي الأول الذي يلزم الدول الأطراف من ناحية قانونية بالحقوق المدنية ودولة الاحتلال من الدول الموقعة على هذه الاتفاقية الا انها لم تلتزم بما جاء في هذه الاتفاقية حيث تستغل الاطفال الفلسطينيين في العمل بأجور زهيدة وفي ظروف عمل قاسية جدًّا في المستوطنات، وإلى جانب الانتهاك الاحتلالي في بناء المستوطنات فإنه يرتكب جريمة دولية ضد حقوق الطفل فيها"، يقول مهداوي.

ويتابع: "تنص المادة 37 من قانون الطفل الفلسطيني أن لكل طفل الحق في التعليم حتى المرحلة الثانوية، وعلى الحكومة اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تسرب الأطفال من المدارس، إلا أن الكثير من الأطفال وخصوصًا عندما يكون تحصيلهم الدراسي متدنيًا، يميلون للتسرب من المدارس، ويصبح من الصعب الإحاطة بمدى تفشي هذه الظاهرة في فلسطين".

ويختتم مهداوي حديثه: "تقوم وزارة العمل بتعزيز عملها في ملاحقة سماسرة التصاريح، كما سيتم تحويل السماسرة ومهربي الأطفال بشكل مباشر للمحاكم الفلسطينية لاتخاذ الاجراءات القانونية".

المؤشرات توضح انتهاك واستغلال الاطفال من قبل السماسرة

لقمة العيش واستغلال براءة الاطفال هي المدخل لسرقة جهدهم والتجارة بطاقة أجسادهم، وتعريضهم للمخاطر من لحظة مغادرة المنزل تحت جنح الليل لتهريبهم للعمل في أماكن محظور العمل فيها، والامعان في استغلالهم اثناء العمل في المستوطنات دون حقوق ودون حماية، وصولاً لتعريضهم للحوادث في طرق العودة كما هو الحال مع فاجعة أطفال بلدة عقربا، سلسلة من المخالفات والاعتداءات التي يرتكبها سماسرة التشغيل والنقل وتجار تزوير تصاريح العمل، فوفق بيانات الاحصاء فإن نحو 51% من الأطفال الذين يتم تشغيلهم هم من فئة العاملين بأجر، الأمر الذي يكشف طبيعة الاستغلال الذي يتعرض له هؤلاء الأطفال خاصة وأنه لا يوجد لديهم أية جهة يمكنهم الاحتماء بها من بطش واستغلال السماسرة لأن كل هذا النشاط يخالف كل القوانين المعتمدة في فلسطين، لكنها تتطلب تفعيلا.

ولتوضيح الإطار القانوني بهذا الشأن يقول اسلام التميمي/ دائرة التوعية والمناصرة/ الهيئة المستقلة لحقوق المواطنين (ديوان المظالم): "من خلال الاطلاع على الاتفاقيات الدولية وبخاصة اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 والاتفاقيات المتخصصة والمتعلقة بالعمل وتشغيل الأطفال، نلاحـظ أن التوجـه القانوني الدولي حول حماية الأطفال العاملين، انصب علـى أولاً،  على تحديد السن الأدنى للعمل، وحماية الأطفال من الأعمال الخطيرة ومنع عمل الأطفال ليلاً، وتحديد ساعات العمل والالتزام بإجراء الفحص الطبي، لمعرفة مدى أهلية الطفـل لأداء العمل المطلوب منه، والملاحظ أيضا أن هذه الاتفاقيات عالجت كل موضوع أو كـل نوع عمل على حدة، وفي اتفاقية مستقلة. ما حدا بمنظمة العمل الدولية إصدار الاتفاقيـة رقم (138)  لسنة 1973 بشأن الحد الأدنـى لسـن تشـغيل الأحـداث، ووضعت في هذه الاتفاقية أحكامًا تشمل جميع أنواع الأعمال التي سـبق وعولجت في اتفاقيات مستقلة. وفي عـام 1999 أصـدرت المنظمـة الاتفاقية رقم (182)، التي تحظـر أسـوأ أشـكال عمـل الأطفـال". 

وبالنسبة لموقف قانون العمل الفلسطيني لعام 2000 من تشغيل الأحداث، يوضح التميمي: "عرّفت المادة الأولـى من قانون العمل الفلسطيني الحدث بأنه كل من بلغ الخامسة عشرة من عمره ولم يتجـاوز الثامنـة عشرة. كما حظرت المادة 93 منه تشغيل الأطفال قبل بلوغهم سن الخامسـة عشرة، ووضع القانون عددا من القواعد الملزمـة فـي حـال تشـغيل الأحداث، وهي: الكشف الطبي، حيث ألزمت المادة 94 بإجراء الكشف الطبي على الأحداث قبل التحاقهم بالعمل للتأكد من ملاءمتهم الصحية له، على أن يعاد الكشف كل ستة أشهر، كما حدد القانون الأعمال الممنوعة وهي: الصناعات الخطيرة والضارة بالصحة التي يحددها الوزير، الأعمال الليلية، أو العمل في الأعياد الرسمية أو الدينيـة أو أيـام العطل، ساعات عمل إضافية، أو على أساس وحدة الإنتاج، العمل في الأماكن النائية أو البعيدة عن العمران، كما نصت المادة 96 على تخفيض ساعات العمـل اليومي للأحداث بما لا يقل عن ساعة عمل واحدة يوميًّا، علـى أن تتخلل ساعات العمل اليومي فترة راحة أو أكثر، لا تقل في مجملهـا عن ساعة، بحيث لا يعمل الحدث أكثر من أربع ساعات متواصلة".

 وفيما يخص حادثة مقتل أطفال فصايل، يقول التميمي: "بالنظر لتفاصيل ما حصل بوفاة الأطفال التسعة في حادث فصايل الذي يضعنا اليوم أمام سؤال جوهري يتعلق بعمالة الأطفال وما يتصل بذلك من مشروعية حقوقية هذا أولاً وثانيًا ومن ضمان اتخاذ إجراءات سلامتهم المهنية وهو ما يستوجب فتح هذا الملف ومعرفة ظروف العمل التي يعملون بها في ظل معطيات تشير الى وجود انتهاكات وثقتها المؤسسات الحقوقية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى واقع السلامة المرورية التي كانت الفاعل المباشر في هذا الحادث، ومدى تقيد السائقين بتعليمات وقواعد السير والمرور وهو ما أصبح اليوم جزءًا من الحق في الصحة".

ويضيف: "الحديث أيضًا عن هذه الحالة يفتح واقعًا عليه ألف سؤال حول عمالة الأطفال في المستوطنات ولدى الطرف الإسرائيلي في ظل واقع اقتصادي فلسطيني يعاني الأمرين وتحديدًا في منطقة الاغوار والمناطق المجاورة الامر الذي يدفع بالعائلات والاسر الفقيرة لإرسال أبنائهم للعمل، واستغلال إسرائيل لحاجة العائلات والأسر الفلسطينية التي تعاني الفقر والعوز في ظل غياب أدنى ضمانات ومتطلبات احترام معايير العمل وتحديدًا تلك المتعلقة بتشغيل الأطفال".  

وبخصوص التوجهات الرسمية بخصوص هذا الحادث، يوضح التميمي: "يتضح عدم وجود استراتيجيات ثابتة وواضحة ومعلنة لمواجهة ظاهرة عمالة الأطفال في المستوطنات رغم التوجهات الرسمية الفلسطينية لحظر العمل بشكل عام في المستوطنات، لكن في المقابل نتساءل عن الخطط البديلة وهذا سؤال موجه للحكومة ما هي الاستراتيجيات التي اتخذتها الحكومة ووزارة العمل وكذلك وزارة التنمية الاجتماعية للتصدي لظاهرة عمالة الأطفال وتوفير الحماية الاجتماعية للأسر الفقيرة وكذلك سياسات التعليم؟ وما هي التوجهات الحكومية لخلق برامج تنموية مخصصة للأطفال والشباب والنساء بدلاً من دفعهم للعمل في المستوطنات، وأيضا ضرورة وجود برامج توعية حول مخاطر العمل في المستوطنات" .

"وعلى صعيد الهيئة تتابع ضمن مجال اختصاصها في الرقابة على التشريعات والسياسات الوطنية فإنها تتابع مع الأطراف ذات العلاقة وجود منظومة حماية اجتماعية وقانونية شاملة لعمالة الأطفال وكذلك توثيق أثر الإجراءات الاسرائيلية في هذا السياق"، يؤكد التميمي.

"من أمن العقوبة أساء الأدب"

القضاء على السماسرة ليس لحظة غضب أو انفعال بسبب الفاجعة، بل هي استراتيجية وطنية تدرك أن هذه الظاهرة تستمد بقاءها بسبب بقاء الاحتلال وبقاء المستوطنات، ولأن السماسرة لا يحاسبون، واصلوا تجارتهم الممنوعة والتستر عليها  بكافة الأشكال، هذه الفاجعة تفرض من جديد تشغيل الرقابة الوطنية، اتخاذ الإجراءات، تفعيل القوانين، وتغليظ العقوبات لكل من تسول له نفسه استغلال الأطفال كما هو حال تجار التصاريح وسارقي حياة أطفال فلسطين .

ثائر خليل/ رئيس نيابة حماية الأحداث، يقول: "الحادث الذي أودى بحياة تسعة من أطفالنا تتراوح أعمارهم بين 14-17 عاما، يؤكد أن تشغيل الأطفال من قبل التجار والسماسرة بشكل غير قانوني فيما يخص ما هو دون سن 15 والأعمال الخطرة ما فوق سن 15، حيث تباشر نيابة حماية عملها واختصاصاتها كنيابة متخصصة بما يحال اليها من وزارة العمل، ووزارة التنمية الاجتماعية وجهاز الشرطة الفلسطينية، وفي حال وصول حالة تتعلق بشأن طفل يتم تشغيله في أعمال خطرة وأعمال مخالفة للقانون والتشغيل القسري (عمالة الأطفال) تقوم نيابة حماية الأحداث بإجراءاتها لتنفيذ الحماية المطلوبة للطفل وإحالة الذين قاموا باستغلال الأطفال وتشغيلهم إلى النيابة العامة الجزئية المختصة بالتحقيق معهم كونهم متهمين بالغين، حيث تستند الحماية التي تقوم بها نيابة عن العديد من التشريعات وبما يتفق مع نص المادة (14) من قانون الطفل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2004 وتعديلاته لسنة 2012، بالإضافة الى قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000 وتعديلاته، من خلال نصوص المواد (93) و(95)، كما يفرض ذات القانون العقوبات على الأشخاص البالغين مرتكبي أفعالهم المجرمة بحق الأطفال من استغلال وفق نص المادة ( 134)".

ويضيف خليل: "تعمل نيابة حماية الأحداث على تجنيب الأطفال محتاجي الحماية (عمالة أطفال) لإجراءات التحقيق وتسجيل القضايا وإحضارهم إلى مكاتب النيابة العامة، حيث إنه يجب علينا مراعاة التعامل معهم وفق ما نصت عليه الاتفاقيات الدولية والتشريعات المحلية بمعنى واضح لكافة أعضاء نيابة حماية الأحداث بألا يُخضعوا الأطفال المحتاجين للحماية لأية إجراءات سوى تقديم الحماية لهم وإبعادهم عن كافة المخاطر وألا يكونوا في أية بيئة تشكل الخطر عليهم، كما تتبع نيابة حماية الأحداث تسجيل قيود حماية لديها في سجلاتها، وبذلك يكون لنيابة حماية الأحداث الاختصاص بمتابعة حماية الأطفال المعرضين للخطر، حيث تعمل نيابة حماية الأحداث على توفير كافة الامكانيات والاحتياجات اللازمة لها في هذا الاطار بما يخدم المصلحة الفضلى للأطفال".

وفيما يخص الإحصائيات ممن تم توفير الحماية لهم من قبل نيابة حماية الاحداث لعام 2021، يوضح خليل: "بلغ العدد الإجمالي على صعيد حماية الأطفال من المخاطر (136) طفلا، (26) من الإناث و(115) من الذكور، وفي جميع الحالات كان أعمار الأطفال تتراوح من سن 12 حتى سن 18، كما تم توفير الحماية للأطفال من المخاطر وإعادتهم لمقاعد الدراسة ومنع تشغيلهم في أعمال مخالفة للقانون عن طريق الوساطة الجزائية وكانت على هذا النحو: عدد الوساطة الإجمالي كان (758)، منها حماية (32) من الإناث و(726) من الذكور، وفي جميع الحالات كانت أعمار الأطفال تتراوح من سن 12 حتى سن 18".

 

الحركة العالمية للدفاع عن الاطفال: حادث فصايل كشف ضعف التنسيق الحكومي

الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال أكدت في تعليق على حادثة أطفال فصايل أن المعلومات الأولية التي حصلت عليها تظهر انتهاكات واضحة لحقوق الأطفال المقرة قانونًا، مشيرة إلى أن خمسة من الضحايا وأحد المصابين هم أطفال تحت سن الـ 18 عامًا، اثنان منهم تحت سن الـ 15 عامًا، وتشير أيضًا إلى أن الحادث وقع أثناء عودتهم من العمل في مستوطنة إسرائيلية، الى جانب أن السيارة التي كانت تقلهم كانت تحمل أكثر من العدد المسموح به، كما شددت "الحركة العالمية" على أن حرمان فئة الأطفال من حقوقهم المقرة قانونًا أدى إلى حرمانهم من الحق في الحياة، حيث إن التشريعات الدولية والوطنية تحظر بشكل مطلق تشغيل هذه الفئة في مثل تلك الأماكن وتمنع تشغيل الأطفال دون سن 15 عاما".

وتوضح المحامية سوسن صلاحات/ الحركة العالمية للدفاع عن الاطفال: "كشفت حادثة وفاة الأطفال من بلدة عقربا ضعف الإجراءات الحكومية لحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي ، نظرًا إلى أن القوانين الفلسطينية أكدت على الأدوار والمسؤوليات للجهات الفاعلة ومنها وزارة العمل من خلال مفتشي العمل ووزارة التنمية من خلال مرشدي حماية الطفولة إضافة الى أدوار الشرطة والمحافظين".

وتضيف صلاحات: "وبالاطلاع على التفاصيل التي حصلت عليها الحركة العالمية، من أطفال حادث فصايل كان هناك من يعمل تحت السن القانونية للعمل بموجب القانون الفلسطيني إضافة إلى أن العمل بالمستوطنات يعتبر من أسوأ اشكال العمل التي يتوجب منع الأطفال العمل فيها، كما عكست هذه الحادثة سوء التنسيق المطلوب بين الجهات ذات الاختصاص والعلاقة لغايات تفعيل نص المادة 50 من قانون التربية والتعليم الذي ينص على الزامية التعليم، إضافة الى الدور المهم للمحافظين في محاسبة السماسرة واستغلالهم للأطفال للعمل في المستوطنات والدور الرئيسي للشرطة في التحقق من واقع السيارات التي تقل العمال ومدى قانونيتها".

 

التنمية الاجتماعية: لسنا مقصرين

بعد حادثة فصايل هناك من اتهم  وزارة التنمية الاجتماعية  بالتقصير في متابعة ملف تشغيل الأطفال، سواء العاملين في السوق المحلي أو في المستوطنات الاسرائيلية، وهنا يؤكد محمد القرم/ مدير عام شؤون الأسرة والطفولة – وزارة التنمية الاجتماعية: "أن وزارة التنمية الاجتماعية تقوم بواجبها تجاه حماية ورعاية الاطفال بناء على البلاغات التي تصل لمرشدين حماية الطفولة في المديريات، وبما يتعلق بالأطفال العاملين في المستوطنات فلم يتم اعلام الوزارة عن بيانات محددة لهؤلاء الاطفال حتى تقوم بالتدخل معهم بالتعاون مع الجهات المختصة، ونود الاشارة الى ما يفرضه الاحتلال بهذا الشأن من عدم الإعلام عن هؤلاء الأطفال ويصعب جدًّا رصدهم من طرفنا او رصد المشغلين والمستغلين لهؤلاء الاطفال، ونهيب بالمواطنين التوجه لإبلاغ مرشدي الحماية وشرطة حماية الاسرة عن أي طفل يعمل داخل المستوطنات لنتمكن من التدخل معه ومع اسرته ضمن القانون".

وحول أبرز الآليات التي تقوم بها الوزارة لحماية الاطفال العاملين بشكل عام، يوضح القرم: "تقوم الوزارة بإجراءاتها تجاه الاطفال العاملين بالتعاون مع وزارة العمل وشرطة حماية الأسرة والأحداث ونيابة الأحداث، وتعمل على إعداد دراسة اجتماعية شاملة لجميع الاطفال الذين يتم ضبطهم في سوق العمل، وتحديد احتياجاتهم واحتياجات أسرهم، وتقدم لهم الخدمات ومنهم من يتم رفع الملف للنيابة العامة لاتخاذ المقتضى القانوني بحق اسرهم التي تدفع ابناءها للعمل، وهذا يعتمد على كل حالة بفرديتها، لضمان عدم تكرار الخروج لسوق العمل".

وفيما يتعلق بحملات الرقابة والتفتيش تقوم بها الوزارة لحماية الاطفال العاملين، يؤكد القرم: "الوزارة شريك اساسي مع وزارة العمل بالرقابة والتفتيش على الاطفال العاملين، وتعمل وزارة العمل ضمن نطاق اختصاصها من خلال مفتشي العمل والقيام  بجولات التفتيش بشكل دوري، وتقوم أيضًا شبكات حماية الطفولة بتنفيذ جولات تفتيشية على عمالة الأطفال وتتخذ كافة الإجراءات بحق الأطفال وأسرهم".

وفي سؤال إذا ما كانت هناك أية  اجراءات جديدة ستتخذها وزارة التنمية الاجتماعية بعد مقتل 9 أطفال في حادث فصايل الأخير، يقول القرم: "اتخذت الوزارة أكثر من إجراء بهذا الخصوص منها توعية المواطنين بخطورة العمل في المستوطنات أو في أي مكان، لأن المكان الطبيعي للأطفال هو الأسرة والمدرسة، وستنظم الوزارة لقاءات توعوية عديدة من خلال شبكات الحماية بهدف توعية المواطنين وتفعيل نظام التحويل الوطني للإبلاغ عن أي حالة طفل يثبت انه يعمل في المستوطنات، كما طلبت الوزارة المساعدة من جهات الاختصاص وخاصة وزارة العمل من اجل تكثيف الجهود لرصد هؤلاء الاطفال والتدخل معهم ومع اسرهم حفاظا على سلامتهم".

 

بعد فاجعة فصايل،، ما الحلول والاجراءات المطلوب تنفيذها 

ما هو المطلوب وما هي الإجراءات التي يجب اتخاذها أو حتى تحديثها ومتابعتها بعد حادث فصايل، يقول رابح مرار/ معهد ماس: "معظم الأطفال يتبعون لأسر ومناطق مهمشة وفقيرة، لذا لا بد من نظام حماية اجتماعية كامل تطبقه الحكومة لهذه الأسر حتى لا تضطر إلى تشغيل أطفالها من أجل توفير مصادر الدخل، وخاصة الأسر التي ترأسها نساء وذوو احتياجات خاصة. علما أن وزارة التنمية الاجتماعية لم تدفع الى الآن إلا دفعة واحدة من 4 دفعات مخصصة لبرنامج التحويلات النقدية لأكثر من 150 ألف اسرة فقيرة لعام 2021. كما أن وزارة التنمية الاجتماعية بحاجة لتحديث سجل البيانات الخاص بالأسر الفقيرة لتتضمن الفقراء الجدد بعد جائحة كورونا الذين تقدر أعداداهم بعشرات الآلاف في الضفة وغزة.".

ويضيف مرار: "يجب على وزارة التربية والتعليم ان تقوم بدورها الإشرافي والتوعوي لطلبة المدارس لتحذيرهم من سماسرة عمالة الأطفال وإمكانية استغلالهم للعمل في المستوطنات وبأجور متدنية جدًّا، وأيضًا للحد من تسرب الأطفال من المدارس للعمل، إلى جانب التنسيق بين وزارة التربية والتعليم والتنمية الاجتماعية في تحديد الأسر التي فيها عمالة أطفال من أجل دراسة ظروفهم وشملهم في برامج المساعدات النقدية".

ويؤكد مرار على "ضرورة  إيجاد نظام رقابة صارم وفعال من وزارة العمل على المنشآت التي تشغل أطفالاً وفرض غرامات على المخالفين خاصة في المنشآت، بما يتطلب أيضًا توظيف أعداد كافية من المراقبين في وزارة العمل فالأعداد الحالية غير كافية على الاطلاق. كما يجب على طواقم وزارة العمل الإشراف على المنشآت التي تعمل في القطاع غير المنظم وخاصة في المناطق المصنفة "ج" وفي الاغوار والمخيمات، وبالتالي مطلوب من الحكومة تبني إجراءات فعالة للحد من عمالة الأطفال في المستوطنات خاصة في قطاع الزراعة، حيث إن العمل في المستوطنات لا يخدم على الاطلاق توجهات الحكومة للانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل".

 

اخيراً،، 

نحن بحاجة لتكاتف وطني ومؤسساتي واسع لمواجهة عمالة الاطفال بشكل عام وفي المستوطنات بشكل خاص، ومحاربة كل المنخرطين فيها، لأن حياة أطفالنا أهم من جيوبهم وأهم من تلك المزارع والمستوطنات، لأن معاناة شعبنا وتضحياته هي من أجل حياة كريمة، من أجل لقمة عيش دون قهر أو ذل أو تهديد، وهذه من أبسط حقوق الانسان، ومن حقنا التخلص من الاحتلال لأنه أساس كل الشرور ومستنقع تجار الموت مهما اختلفت أدوارهم.