عاجل

الرئيسية » القدس » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 15 كانون الثاني 2022

فن استعماري على أنقاض النكبة

القدس المحتلة- الحياة الجديدة- أسامة العيسة:

في حي المصرارة، الذي قسمته النكبة، عاش الدكتور توفيق حنا شاغورية، الذي أصبح شخصية اجتماعية ووطنية معروفة في القدس وحولها.
عمل شاغورية، الذي يطلق البعض على جزء من حي المصرارة، شارع الشاغورية نسبة له، كطبيب أسنان، بعد تخرجه من باريس، وأصبح منزله منذ حصوله على ممارسة المهنة في عام 1938م، منزلا وعيادة، حتى وفاته التي وصفت بالمفاجأة عام 1943م، ولن يعلم، أن المحتلين، سيستولون على المنزل، الذي ما زال موجودا حتى الآن، وحوله المحتلون إلى معهد لتدريس الموسيقى واللغات باسم (بولس)، وبقيت الرخامة التأسيسية للمنزل التي تحمل اسم شاغورية تشير إليه كطبيب أسنان وجراح، نقشت باللغتين العربية والإنجليزية.

تأثرت الرخامة من تبدل الفصول، وكرور الأعوام، وصدئت مساميرها المثبتة، ولكنها ظلت شاهدة على جريمة الاحتلال، التي لا يخفيها تدريس الموسيقى.
غير المحتلون، اسم الشارع، الذي يضم منزل شاغورية، وآخرين من أبناء عائلته، ومنازل أخرى لشخصيات معروفة، كالدكتور توفيق كنعان، رائد دراسات الفلكلور الفلسطيني، ليصبح شارع (عاين حيط)، لإحياء ذكرى قتلى القافلة الصهيونية، التي كانت متوجهة إلى هداسا على جبل سكوبس، وقتل فيها 78 شخصا، في كمين نصبه الثوار.


وفي مكان أبعد، في القدس الجديدة، بنى أبو شاكر أفندي، بنايتين، في أواخر القرن التاسع عشر، بطراز عثماني مع زخارف أوروبية، سكنا لعائلته، وبعد النكبة، أصبحت البنايتان، مقرا لأشهر معهد فني في دولة الاحتلال المعروف باسم (بتسائليل)، حتى عام 1990م، قبل نقله إلى جبل سكوبس، ولكن فعاليات فنية، ما زالت تقام في المنزلين المسلوبين، كالمعارض، واستضافات الفنانين.
عرف أبو شاكر، بدوره في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في القدس، وله دور في تقديم المساعدة اللوجستية خلال زيارة القيصر الألماني غليوم الثاني للقدس وفلسطين، أواخر القرن التاسع عشر.
في الكولونيالية الألمانية في القدس الجديدة، التي أخذت اسمها من طائفة الهيكليين الألمان، ثمة فيلا ملفتة مبنية بالحجر الفلسطيني المحلي، تعرف باسم دار فرعون، وأخذت تسميتها، لأن أحد أقارب الملك المصري فاروق الأول بناها، تحولت خلال الانتداب البريطاني، إلى محطة شرطة، وبعد النكبة، حيث سيطرت قوات الاحتلال على جميع منازل الكولونيالية الألمانية، التي تعود لفلسطينيين وألمان، كمنازل عائلات المصو، وأبو الفيلات، وجقمان، والقواس وغيرها، حولت الفيلا التي تحيط بها حدائق، إلى مدرسة، ثم، كما هي الآن مدرسة لتعليم الموسيقى.
خلال الحرب العالمية الثانية، اعتقل البريطانيون، الألمان، وطردوهم من الحي، الذي وجدت فيه مكاتب الهيئة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني، لتتسلم لاحقا حكومة الاحتلال، كل شيء.
قد يكون المثل الصارخ على استغلال المنازل العربية المنهوبة، في أغراض فنية استعمارية، ما يخص منزل عائلة عويضة، في حي البقعة التحتا، وهو عبارة عن تجمع لثلاث فلل بناها الإخوة حسن، وعادل، وصبحي عويضة قريبا من سكة قطار القدس-يافا، ومحطة قدس شريف، في أواخر العشرينيات من القرن الماضي، تحيط بالمجمع مساحة من الأراضي، تشهد على وجود حدائق حولها، ما زالت بقاياها موجودة، ولكن جزءا منها، أضحى أرضا جرداء تستغل كمواقف للمركبات بالأجرة.
يرتبط تهجير عائلة عويضة، والاستيلاء على منازلهم، بقصة احتلال حي البقعة المقدسي المأساوية (التحتتا، والفوقا)، الذي بني خارج بلدة القدس القديمة، ضمن موجات البناء خارج أسوار بلدة القدس القديمة، في منتصف القرن التاسع عشر.
تهجر سكان البقعة، ونهبت منازلهم، من قبل الرعاع الصهاينة، الذين خربوا المنازل، وهم ينقلون الأثاث والسجاد، بحثا عن الكنوز كما سموها، في عملية نهب استمرت فترة، بينما جمع المحتلون، من تبقى من الأهالي، ومعظمهم من الحراس والعـاملين في أديرة المنطقـة، في مخيم معزول، مقيدي الحركة، حتى طردوا لاحقا.
حول المحتلون، مجمع منازل عائلة عويضة، بعد اعتقال أفرادها، وطردهم لاحقا، إلى القسم غير المحتل من القدس، ضمن صفقة تبادل للأسرى، إلى: "مؤسسات تعليمية ورفاهية" حسب الرواية الاحتلالية، ثم مدرسة للصم والبكم، بإدارة مؤسسة تدعى (نيف) حتى عام 2005م، وبعد إخضاع المنازل إلى ترميم، حولها المحتلون إلى معارض للفنون. 
أية فنون، هذه، التي تنتج على أنقاض المنازل المنكوبة؟