الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 كانون الثاني 2022

خبر بهيج..!

تغريدة الصباح - حسـن حميد*

يا إلهي .. أي خبر هذا (منح جائزة دولة فلسطين التقديرية للشاعر الدكتور المتوكل طه، ولي)، بهيج في معناه، مطير بنداه، فأهلي، وبعد أن كرت السنوات، وتعددت القولات، وتكاثرت الكتب، ينادون قلبي إلى موسم الحصاد!

ها هم يكرمون الورق، والحبر، والوقت، والمعنى، والسهر في المنافي طي الخيام التي عددنا بيوتا، ومدارس، ومعابد كي نعرف هذه الفلسطين الطويلة الناحلة، فلسطين البيارات، والأنهار والطيور، والطرق، والشواطئ، والحقول والبراري، فلسطين دارة عناة وبعل والبساتين، ومعجزات الولادة في المذود، والنطق جهرا قبل معرفة طعم حليب الأمهات، والعروج نحو الغيم، نحو السماوات، نحو الدنى التي لم تعرفها قبلا روح، ولا خطا، ولا خيالات، نحو المرتجى الحميم!

هاهم أهلي يمدون يدهم الرابتة، من بين الأسلاك المكهربة والممغنطة التي صنعها عدونا البغيض، نحو كتفي التي ناءت بما حملت وحملت، يمدون يدهم الندية بالأبوة التامة، والقول التميم: إنك ابن البلاد، الطفل الراكض فرحا فوق جسر بنات يعقوب، والحاضن لأغمار القمح، والوقاد لهويس مواسمها، الطفل الذي عمر قهاقير الحجارة الصغيرة قرب أعشاش العصافير، والحالم ليلا بأن يسقط عش السنونو الطيني المعلق في سقف البيت في حضنه ليصير فرخا من أفراخ السنونو النادهة بالزقزقة!

هاهم أهلي، وبعيونهم اليواقظ، ورغم شواغلهم الناهبة لجمال حياتهم، يلتفتون نحوي، نحو الطفل الذي عرف شميم الأرض كلما مد سطوره الباكيات الحزانى، وهو يتحدث عن حيفا، ويافا، والقدس، وطبريا، وبيت لحم، والناصرة، وعرف طريق فلسطين المشتق من الطريق الذاهب من البيوت إلى مقبرة الشهداء، والذي عرف القوة من اجتماع أبيه برفاقه في القاعدة الفدائية، ثم اجتماعهم تباعا في مقبرة الشهداء! والذي عرف أن لا كرامة في المنفى، لأن المنفى ليس الوطن، وأن لا كبرياء للمنفي وبكاء القرى والمدن والمغر والبراري والنساء والمقابر، يملأ الأسماع، وأن لا تاريخ يكتب سوى التاريخ الذي يتحدث عن قصر المسافة ما بين الظلموت والعدالة، وما بين غاصب الحق وطالب الحق، وأن لا فرح جديرا بالإشهار سوى فرح صلصة الأجراس في الكنائس والتكبيرات في المساجد التي تكاد لولا الحياء تصير طيورا ناطقات بأن البلاد عادت لأهلها، وأن أهلها عادوا إليها! الأجراس والتكبيرات التي تضمر في ساعة الفرح، أن أرواحا وأحزانا وانتظارات مرة كانت هي الجسر الذي عبرته البلاد إلى حلمها، والجسر الذي عبره الحالمون وهم يهتفون: بلادي، بلادي!

يا إلهي..       

أي عين رائية هذه التي رأت فيما كتبته، ما يليق بتتميم نشيد أهل الحبر والوارقة والألوان كيما يتوهج اسم فلسطين  فيضيء من بين عتمات الحزن والبكاء والفقد، وكيما يفتك نفسه من الواقعية الضريرة لأنه مسمى أبدعته السماء، وكتبته الأرض، وبكته، طوال أعوام الغربة والتشرد، الغيوم السابحات في رحابة الفضاء، ولم تكن البروق والرعود السنوية سوى الوعود القاطعات  بأن الأرض عائدة لأهلها الذين جعلوا من  الوعر مرجا عامرا، ومن النهر العنيد المعربد الساقط من يد الجبل الكبير نهرا يواقف المخاضات للتأمل والسؤال.

ومن الغابات الوارفة بيارات عابقات بالشميم، ومن أشجار السدر والجميز علامات راشدة للقرى والدروب، ومن أشجار الزيتون كائنات  ناطقة بالتاريخ التليد المجيد، أهلي الذين جعلوا أعمدة المساجد والكنائس وزواياها وتكاياها مدارس للعلم المنيف، مثلما جعلوا أفياء شجر الجميز والخروب كتبا للحكايات الباقيات وشوما وقصصا تدور حول أنسنة عتمات الليل، والأودية، والمغر، والكهوف، والتلال، والجبال، والطرق، ونورتها  بالمعاني الخالدات..

بلى، قلبي ينبض بالفرح، ويفتح شباكه الناحل، ليقول لأهلي، أهل الفضل العميم، لقد باركتم فعلي وأيدتموه، وهذا ما حلمت به، بارككم الباري الخالق النعم والطيبات الزواكي!

-------------

* كاتب فلسطيني في دمشق

[email protected]