علامات على الطريق
الصعود إلى العتبة الأعلى
يحيى رباح

جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، التي أخذت اسم المجمع الإسلامي الذي كان مقره في حي الزيتون في غزة، والذي أخذت اسم حماس اختراقاً للانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، تأخرت قرابة ربع قرن من الهروب والمماطلة حتى لا تندرج تحت اسم فلسطيني، وهذه السنوات الطويلة التي كانت فيها جماعة الإخوان المسلمين خارج الوعي الفلسطيني وخارج الفعل الفلسطيني لم تمر هادئة أو محايدة، بل انحرف فيها تنظيم الإخوان المسلمين الفلسطيني الذي لم يعترف به التنظيم الدولي للإخوان أبداً كطرف مستقل له خصوصية، بل كانت عضويته مهيضة الجناح، وكانت هذه العضوية منغصة لأي عمل فلسطيني سواء في مرحلة التبعية للإخوان المسلمين إلى مصر عام قبل 1967، أو في مرحلة التبعية للإخوان المسلمين في الأردن بعد عام 1967، وحتى بعد نشوء أول إرهاصات للعمل الفدائي في قطاع غزة في منتصف الخمسينيات أثناء فترة العدوان الثلاثي الذي كانت إسرائيل– العدو الرئيسي للشعب الفلسطيني– طرفاً فيه مع بريطانيا وفرنسا، فإن الإخوان المسلمون الفلسطينيين لم يشاركوا في تلك الإرهاصات، حتى أن بعض الذين كانوا محسوبين على الإخوان مارس العمل الفلسطيني بعد أن خرج من التنظيم الإخواني، فحقد الإخوان على هؤلاء، واعتبروهم مرتدين، وناصبوهم العداء وشهروا بهم أشد التشهير، وهكذا فعلوا بكل عضو منهم فكر في الانضمام إلى حالة الكفاح، كما فعلوا مع ذلك القائد الشاب يتفجر وطنية الدكتور فتحي الشقاقي الذي تركهم بعد اقتناعه بأنهم لم يخلقوا لذلك بل خلقوا ليكونوا عبئاً على النضال الفلسطيني بوجه عام.
وقد تأكد ذلك من كثرة ما هاجموا الدكتور فتحي الشقاقي الذي اغتاله إسرائيل بعد ذلك مثل غيره كثيرون من القادة الفلسطينية، ولكن ذاكره مستمرة في حياة فلسطين إلى الأبد.
ومنذ اللحظة الأولى لتأسيس اسم حماس في عام 1987، وضعت حماس حجر الأساس لانقسامها وانشقاقها ولانقلابها على الشرعية الفلسطينية، سواء الشرعية الثورية أو الشرعية الدستورية، فقد رفضت العمل تحت يافطة القيادة الموحدة للانتفاضة، وعارضت بكل الوسائل التسليم بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وكل تركيز وقوة واعتراف تحصل عليه المنظمة كان ينزل على حماس كالغصة، وحاربت بالعصي والجنازير والبنادق أخوة النضال الذين اعتبرتهم أعداء لها، وحرضت عليهم في كل المراحل واستهدفتهم بالشر في كل الظروف، حتى حاربت بعض أعضائها الكبار الذين يتمتعون بعلاقات مميزة مع فتح وبقية أجنحة النضال الفلسطيني، مثل المناضل الكبير أسعد الصفطاوي، واعتدت بالتخريب والحرق على الجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني التي كان على رأسها الوطني العملاق الدكتور حيدر عبد الشافي، واعتداءات ومخازي كثيرة يضيق هذا المقال السريع بها لو أردنا أن نرصدها جميعاً، وقد تطور هذا العداء العميق للوطنية الفلسطينية إلى إحداث الانقلاب الدموي والانقسام في 2007، الذي أنتج هذه الحالة من سرعة الانحدار التي وصلت إليها حماس في الوقوع المتعمد في الشرك الإسرائيلي الأميركي الذي اسمه صفقة القرن الموؤودة، فقدمت حماس نفسها لإسرائيل نتنياهو وأميركا ترامب على أنها الأداة المناسبة والقادرة على اختراق الصف الفلسطيني، وكان ذلك نوعاً من ضيق الأفق الذي تقع حماس ضحيته دائماً نتيجة هامشية الوعي ونتيجة الجشع الأعمى، فلم تدرك أن نتنياهو أصبح مسلماً بالسقوط إن آجلاً أو عاجلاً، وأن ترامب أصبح متداولاً بكثرة في العروض التي يقدمها الكوميديون الأميركيون على شاشات التلفزة الأميركية وفي صالات العرض المسرحية.
لماذا فشلت حماس في تخطي العتبة التي تجمدت عندها مثل تمثال من الحجارة؟؟؟ والجواب أن حماس فشلت بكل كيانها أن تتخطى العتبة، وأن تصعد إلى عتبة أعلى، لأنها ما زالت منتمية إلى نطفتها الأولى، نطفة الهزيمة التي رد عليها الإخوان المسلمين بضعف أفدح من الهزيمة، الإسلام هو الحل، وكان ذلك قمة العجز، والعاجز يسهل استخدامه، وهكذا هي حماس، تعرض نفسها للاستخدام ضد شعبها بأبخس الأثمان، هذا العجز إن استمر وجوده وسط حالة النهوض الفلسطينة الذي وصل ذروته لإسقاط موضوع وفلسفة وأطراف صفقة القرن، فسيؤدي إلى مشكلة وجودية لشعبنا، ومن هنا جاء قرار الدستورية الفلسطينية بحل المجلس التشريعي الذي فقد ذاته منذ الانقسام، ووقف القرار الحوار مع حماس، وإخراج موظفي السلطة الشرعية من المعبر، حتى لا يبقى لهذا العجز أية مساحات يتنفس منها، ويصبح الخيار واضحاً، إما الإذعان للأولويات والمصالح، والمكتسبات الفلسطينية وإما ترك حماس تعبث في ذاتها، وتندفع أسرع وأسرع إلى الهزيمة المحتومة.
Yhya_rabahpress@yahoo.com