//////293739//////////

رحيل المعلم الفلاح...!

بيت لحم- الحياة الجديدة- اسامة العيسة- وري الثرى في قرية بتير، جنوب القدس، جثمان المعلم محمد مصطفى أبو حسن (أبو عصام)، الذي درّس في مدارس وكالة الغوث، وأمضى نحو 30 عاما مدرسًا في مدرسة ذكور مخيم الدهيشة، ونسج مع أهله علاقات وثيقة.
تميز أبو عصام، بارتدائه الكوفية الفلسطينية، وأسلوبه التربوي، المنطلق من مصالحة التلاميذ الفقراء مع واقعهم. ولطالما تفاخر بأن الأيام التي غابها عن الدوام معدودة، وعندما كان يموت قريب له كان يشارك في الدفن ويسرع عائدا إلى مدرسته وتلاميذه.
ومن مآثر الراحل عن نحو 80 عاما، تبسيطه تدريس الرياضيات، ولجوئه إلى استخدام أمثلة من واقعهم المحلي، ومفردات مجتمعهم، وكذلك سعيه للمعرفة وتطوير ذاته، فالتحق بجامعة بيت لحم في سن متقدمة ليحصل على درجة البكالوريوس.
وعندما تقاعد، وجدها فرصة للعودة إلى العمل في أرضه فلاحا، يستخدم الحمير، ويحرث الأرض، ويقلع ويزرع. ونعته مدرسة ذكور الدهيشة، ومؤسسات أخرى، وذكر مركز حسن مصطفى الثقافي في بتير انه: "ينعى أحد أركان المركز الثقافي الأستاذ والمربي الفاضل الذي ترك بصمة كبيرة في حياته المهنية والتعليمية والتربوية مع أبناء اللاجئين أينما عمل فقد علم الآباء والأبناء والأحفاد في مخيم الدهيشة وكان أستاذ رياضيات المادة الصعبة على الطلاب في ظروف عدم انتظام الدراسة وكان له أسلوب مميز يبسط القضايا ويضرب الأمثال الواقعية ويتعامل مع الطلاب بأبوة وانتماء، كان أبو عصام وطنيا مثقفا".
وذكر المركز آخر الذكريات مع أبي عصام: "المشهد الأخير والحدث المهم كان يوم الجمعة 6/1/2017 حيث حضر مبكرا لاستقبال عضو البرلمان البريطاني في مركز حسن مصطفى الثقافي، من الساعة الثانية بعد الظهر حتى الساعة 10 مساء رغم كبر السن وسوء الصحة وصعوبة نزول الدرج وطول الوقت جالسا حتى انتهى البرنامج".
وعبر العديد من تلاميذه القدامى عن حزنهم بفقدانه، وقال جمال عليان: "بصوت جهوري، كان يقف شامخًا، أمام طابور المدرسة الصباحي، صباح يوم الأحد، ليلقي (موعظته) الأسبوعية، التي لا تتعدى ثلاث دقائق كان يقدم من خلالها، التحليل السياسي تارة، والنصح والإرشاد تارة، ناقدا لسلوك جمعي أو فردي لا يخشى لومة لائم، حاضا على نهل العلم والثقافة". ويضيف عليان: "بصوته الأجش، سمعنا قصائد معين بسيسو، ومحمود درويش والطوقانين (إبراهبم وفدوى)، وسرد لنا بعضا من قصص غسان كنفاني، وبطولات الثوار، أنشدنا معه نشيد الجزائر، ونشيد حماة الديار، وعلى يديه تعلمنا ألف باء الوطن، كما تعلمنا ألف باء العربية، واتقنا جدول الضرب كما أتقنا جدول الحرية، وفهمنا معادلات الرياضيات كما معادلات التحرير، لقد صنع من أولاد المخيم جيلا لا بل أجيال، لتكمل طريق النضال الطويل".
وقال جودت مناع: "لقد فقدت إنسانا عزيزا، ما زلت أتذكر ذلك المعلم في مدرسة المخيم والمزارع في أرضه على خط النار مع العدو الإسرائيلي عندما دخل غرفة الصف الثالث الابتدائي في مخيم الدهيشة للاجئين في بيت لحم، ونادى اسمي فأجبته: نعم. فأخبرني بالإفراج عن أبي من السجن بعد اعتقال دام 6 أعوام.. وقال: "يلا روح عالبيت سلم على ابوك"، وعندما غادرت بقلب طفح بالفرح مقعد الدراسة اتجهت إلى البوابة الخاصة بدخول وخروج الطلبة. فصرخ مشيرا إلى بوابة المعلمين كي أخرج منها برغم الحظر المفروض على الطلبة لاستخدامها".