هذه ليست انتفاضة

اسرائيل اليوم – يعقوب عميدرور

الأحداث التي شهدتها اسرائيل في الشهر الأخير صعبة ومحبطة. التظاهرات العنيفة، بالذات تلك التي داخل اسرائيل، تضع التعايش في موضع الشك مع العرب من مواطني الدولة. أنا اريد احداث بعض النظام ووضع الامور في نصابها الصحيح لأن التحليلات انفعالية وعناوين الصحف تزيد من ذلك. نحن نقف أمام خمسة انواع من الاحداث:

الأول، خلايا "ارهابية" تستخدم السلاح الحي. العملية التي قتل فيها ايتان ونعماه هنكن في 1 تشرين الأول والعملية في الحافلة في القدس حيث قتل هذا الأسبوع حفيف حاييم والون غوبابرغ في 13 تشرين الأول، كانتا ذروة هذا الجهد.

الثاني، عمليات فردية بالسلاح الأبيض. حدثت اغلبيتها في القدس أو على أيدي مقدسيين في انحاء دولة اسرائيل، من العفولة حتى كريات غات. وحدثت حتى الآن عشرات الأحداث التي انتهت بالاصابات، لكن ستة ممن قاموا بالطعن قتلوا. جميعهم في القدس.

الثالث، تظاهرات من قبل المئات، معظمهم شباب، في "يهودا والسامرة" وداخل اسرائيل، واستخدام الزجاجات الحارقة والعبوات المحلية، والشعارات الصعبة وحرق اعلام اسرائيل. في "يهودا والسامرة" تحاول السلطة استيعاب بعض هذه الأحداث.

الرابع، القاء الحجارة والزجاجات الحارقة في الشوارع، لا سيما في "يهودا والسامرة"، معظمها من قبل اولاد (بأعداد كبيرة لكنها لا تذكر في الاعلام)، وايضا في احياء وقرى عربية داخل اسرائيل (بأعداد أقل كثيرا).

الخامس، محاولات عشرات الفلسطينيين تجاوز الحدود في غزة. معظم هذه الأحداث تقوم باستيعابها حماس.

لا يوجد سبب واحد واضح لاندلاع هذه الموجة الآن، ويبدو انه التقاء عدة عناصر كان من الصعب توقعها. بدأت الاشارات حول سخونة الأجواء قبل وقت طويل والتي كان التعبير عنها الارتفاع الحقيقي في القاء الحجارة والزجاجات الحارقة في "يهودا والسامرة" والقدس، والتي تحولت الى موجة محاولات القتل فقط في الاسابيع الأخيرة. واضح أن شعار "الأقصى في خطر" هو احد العناصر الاساسية لهذه الموجة. وكان هذا نتيجة "للتحريض" الذي يقوم به الجناح الشمالي للحركة الاسلامية في اسرائيل وبتشجيع من حماس. وتساهم في ذلك السلطة الفلسطينية ايضا. إلا أنه من الخطأ اعتبار الأحداث نتيجة للتحريض فقط. يجب فهم ذلك ايضا على خلفية الأجواء السائدة في الشرق الأوسط حيث توجد حركات سنية متطرفة وعلى رأسها داعش التي تزداد قوة وتتسع وتأسر خيال الشباب.

الاحتكاك المتصاعد مع المستوطنين، حرق عائلة دوابشة في قرية دوما، وحقيقة أن منفذي القتل الفظيع لم يحاكموا، وتصريحات السياسيين في اسرائيل حول تغيير الوضع القائم في الحرم – كل ذلك له تأثيره على مشاعر الاحباط الفلسطينية. يبدو ان خطاب "نهاية اوسلو" لأبو مازن في الأمم المتحدة قد ساهم هو ايضا في اليأس. ويشعر المجتمع الفلسطيني بالاهمال، الأمر الذي يجذب مجموعات تفرح لوجود العنف والفوضى دون أي صلة بالايديولوجيا أو التفكير المعمق. هذه الأجواء سائدة في القدس، وقد يكون السبب عدم شعور الفلسطينيين هناك بسلطة السلطة الفلسطينية من جهة وفاعلية السلطة الاسرائيلية من جهة اخرى.

لأن الحديث هنا عن تأثير معقد لعوامل منفردة من الصعب توقع الى أين ستذهب الأمور ومن المهم وضعها في اطارها الصحيح. اولا، واضح اننا بعيدون جدا عن احداث الانتفاضة الثانية التي قتل فيها خلال شهر 122 يهوديا. وفي الموجة الحالية بعد اكثر من اسبوعين يوجد 7 قتلى وهذا فرق كبير في العدد.

ثانيا، قبل 15 سنة كان عشرات "الانتحاريين". اما في الوضع الحالي فان اعدادا قليلة تقوم بالعمليات من خلال السلاح الأبيض وهذا دليل واضح على سيطرة "الشاباك" على "يهودا والسامرة" الأمر الذي يسمح باحباط "الارهاب" المنظم. من الجدير الاشارة الى أن التظاهرات ايضا تختلف عن تلك التي حدثت في 2000 حيث استخدم الجيش في حينه مليون رصاصة من اجل تفريق آلاف الفلسطينيين. اما التظاهرات الأخيرة فقد شارك فيها 500 شخص في تظاهرة واحدة معظمهم من الشباب.

يمكن قول امور مشابهة حول التظاهرات في اسرائيل بغض النظر عن خطورتها، فهي أقل خطورة من الأحداث التي حدثت في تشرين الأول 2000. ما يميز موجة "الارهاب" الحالية هو ان 95 بالمئة من العمليات استخدم فيها السلاح الأبيض، في حين ان 90 بالمئة من المنفذين هم من سكان القدس ومحيطها.

بين استخدام القوة وضبط النفس

من المهم ان تنتهي الأحداث دون انجاز فلسطيني، خصوصا في الحرم. محظور تأجيج النار هناك لذلك فان ما تقوم به الشرطة والحكومة صحيح عند تقييد عدد الداخلين الى الحرم. ومع ذلك عندما يعود النظام تكون حاجة الى العودة الى الوضع القائم الذي ساد قبل الأحداث. يجب القول ان العنف لن يحقق انجازا. هذا الخط الذي يجب ان توضع استراتيجية اسرائيل عليه.

خلافا للانتفاضة الثانية لا حاجة الى عملية عسكرية ويجب التقليل قدر الامكان من الحاق الضرر بالفلسطينيين الذين لا ينفذون العمليات. سفك دماء الفلسطينيين "المحرضين" الذين لا يمارسون "الارهاب" سيضر اسرائيل ولن يفيدها وسيؤجج الوضع. هذا الأمر ليس سهلا لكن يجب احداث التوازن بين استخدام القوة وبين ضبط النفس اثناء التظاهرات. يجب الميل باتجاه ضبط النفس. في المقابل يجب ان تكون يد صارمة ضد منفذي "الارهاب". وأي قتل لمنفذ "ارهاب"، حتى لو استخدم السلاح الأبيض، يجب أن يحظى بتأييد كل المستويات.

إنها موجة غير سهلة لأن المبادرين اليها فرادى دون قيادة. لكن الشبكات الاجتماعية ووسائل الاعلام في غزة تدفعهم الى ذلك. لذلك مطلوب تصميم في الرد على العمليات "الارهابية" في مكان الحادث، ومطلوب اعصاب قوية – لمنع خطوات ضارة بسبب الضغط الطبيعي في ظروف كهذه. يجب الحفاظ على التوازن والامتناع عن الخطوات التي ستدخل فلسطينيين اكثر الى داخل العنف، مثل الاغلاق. هذا التهيج حول الموضوع زائد بل ويلحق الضرر.