اللغة الشعرية في ديوان "ما لم يأت به الهدهد"

بقلم الناقد الأدبي: أمجد مجدوب رشيد

عرف الشعر منذ أنتجه الشعراء وتفاعل معه السامعون والقراء وتداوله الناس في مجالسهم ومفاكهاتهم وجدهم وهزلهم، وتدارسوه وتعلموا منه ما حفظ فيه من قيم وتذوقوا ما اغتنى به من جمال، عرف على أنه لغة منزاحة، وهذا الانزياح هو ما يحقق شعريته، إما على مستوى اللغة أو الإيقاع أو الصورة أو المعمار فضلا على الانزياح  الأعظم وهو انزياح الرؤيا.
وإذا كان الانزياح أخص خصائص الشعرية في الشعر، فهذا التكوين الجمالي لا يتم دون الوعي بذاكرة الثقافة وذاكرة المجتمع، بالتفاعل النصي معها، ومع السياق في بعده  الاجتماعي وكذا في أبعاده الأخرى:
1- الأبعاد التناصية للعنوان:
تتأسس الرسالة الجمالية للعنوان الذي اختاره مولاي رشيد العلوي لديوانه الجديد على القوة السياقية التناصية، فالعنوان  جملة منفية وهي اسمية المبتدأ فيها محذوف، وتقدير الكلام:
هذا ما لم يأت به الهدهد. (ما موصولية) هذا الذي لم يأت به الهدهد.. فمجرد ذكر طائر الهدهد يستحضر ذهن المتلقي  قصة النبي سليمان (ع):
قال الله تعالى في سورة النمل الآية  20 و21و22:
(تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ 20 لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ 21فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22
لنتأمل نسق الجملة كما في الآية ونسقها كما في عنوان الديوان:
أحطت بما لم تحط به (القرآن)
ما لم يأت به الهدهد (الديوان)
فقد تم الحفاظ على ترتيب المكونات اللغوية:
ما + لم + تحط + به (القرآن)
ما + لم+ يأت + به (الديوان)
غير أن اللغة نقلت من سياق الخطاب: المتكلم يخاطب، والمتكلم هو الهدهد يخاطب النبي سليمان( ع ).
نقل السياق في عنوان الديوان إلى الغائب، وتم التصريح بالفاعل باسم صريح (الهدهد)، وهذا ذكاء من الشاعر لأن الآيات جامعة لسياق القصة والمتلقي مدرك عند قراءتها لتفاصيل الدلالة ومواقع الشخوص، والبناء القصصي كما في هذه القصة يتيح معلومات كثيرة ترفد المعنى وتقويه، بيد أن الرسالة الخاصة للعنوان تفرض انتقاء مؤشرات تلفظية كثيفة الدلالة تغني عن الكثير وتقوله وحده، وهذا ما أدته لفظة "الهدهد".
وإذا كان نسق القصة  القرآنية أورد:
الإحاطة بالخبر وبالحال في البداية = ((فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ............ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22))) ثم تلا ذلك مجيء الهدهد بالنبأ اليقين.
فالعنوان لايحتمل هذا التفصيل القصصي الرائع في سياقه القرآني ويكتفي بلفظة ( يأت ) الفعل المضارع المجزوم بلم.
والاحتمال الأسلوبي المحذوف أو غير المنتقى هو:
ما + لم+ يجئ+ به + الهدهد.
والفرق بين  فاللفظة ثقيلة في هذا النسق وغريبة، وحتى وإن كان التركيب صحيحا فهو يفتقد القوة التداولية.
2- صيغة تناصية أخرى:
يقول أبو العلاء المعري الشاعر الفيلسوف:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
ما + لم  +تستطعه + الأوائل  (المعري)
ما + لم+ يأت + به + الهدهد (العلوي)
3- تأويل:
فماهو هذا الشيء الذي  جاء به الديوان، وكان فوق ما جاء به الهدهد؟
أولا الهدهد جاء كما صرح القرآن بذلك بالنبأ اليقين، أي جاء بخبر  صادق مطابق للواقع. ولم يأت الهدهد بالخيال ولا بالشعر، وهذا ما أتى به الشاعر رشيد العلوي في ديوانه...حسب ملفوظ العنوان.
وفي البعد التناصي الثاني، نجد الأوائل هم الشعراء السابقون، فالشاعر العلوي يريد أن يقول إنه اتى في ديوانه بما عجز عنه غيره ، وتفوق في نسقه عن بنية اللغة العادية الخبرية وكان لغة شعرية أخاذة.
4- التصوير الشعري:
يقول الشاعر في قصيدة: "أهذا حينا البادي؟":
وورد  الشمس في رش
على وجه وأجياد
فالتقاط هذا الملمح الجمالي، أو إنشاؤه خلقا فنيا بكرا، بجماع اللون والضوزء والحركة، مع ما في التكوين اللغوي من خصوبة نغمية ( ش ش –و و/و/و- ج /ج – ر/ر - د /د )
ويقول في قصيدة:"آه لو تدرك بوحي!":
وذهولي حين أصحو
والسنى ملك يميني 
فهذه الصورة تجمع بين البعد النفسي (وذهولي حين أصحو)
فالذهول حالة نفسية، وهو ذهول دهشة إعجاب وافتتان، بالإشراق وهو تصوير لحالة الشاعر وهو يتلقى رسائل الجمال الكوني، وفي الجزء الثاني المكمل للصورة مشهد حمل الشاعر مشعل السنى والنور  باليمين، والسنى ماهو إلا الشعر الناتج عن تفاعل الذات الشاعرة بالبهاء الكوني .
التكرار في نسق اللغة الشعرية:
1- تكرار جملة:
كما نجد جملة : أهذا حينا البادي؟ في القصيدة التي تحمل الجملة السابقة كعنوان لها، إذ تتكرر سبع مرات باحتساب العنوان، وهي تتكرر كلازمة، بقوتها الاستفهامية، سبقتها مرة: عبارة:( عَلى رِسْلِكَ يا هادي) وتلتها أربع مرات وغادرتها في خاتمة القصيدة ..وبين كل تكرار مقطع شعري يكون جوابا ، لكن هذا الجواب لايشفي غليل الشاعر فيستأنف السؤال:
أَهَذا حَيُّنا البَادي؟
عَلى رِسْلِكَ يا هادي
تَتَبَّعْ نَغْمَةَ الحادِي
فَهَذا الماءُ لَمْ يَتْعَبْ
وَما أَعْيا بِهِ الوادِي
وفي الديوان صور أخرى من التكرار الفني نكتفي بما أوردناه.
وهذا التكرار فضلا على وظيفته في تفتيق أبعاد دلالية ثرية في القصيدة يقوي الإيقاع ويشد انتباه المتلقي باستفهاميته ذات البعد الفاعل التشويق، كل هذا يعمل على تشكيل اللغة الشعرية للنص.
 في 11/1/2019 بفاس المملكة المغربية