عائلات في بطون الجبال

الأغوار- وفا- عندما وصلت المركبة التي كانت تقل الطواقم الصحفية، عند حاجز تياسير المخلى، بهدف تغطية طرد الاحتلال لعائلات فلسطينية في الأغوار الشمالية؛ بهدف التدريبات العسكرية، كانت إحدى العائلات الفلسطينية تستخدم جرارها الزراعي، وهي ذاهبة بالاتجاه المعاكس، نحو طوباس.

في هذه اللحظة أيضا كان جنود الاحتلال المتواجدين عند الحاجز، يضعون صناديق مغلفة داخل إحدى الشاحنات، لاستخدامها في تلك التدريبات.

لم يكن مشهد تلك العائلة الفلسطينية التي غادرت خيامها هو اليتيم في هذا اليوم، فعند منطقة "الميتة"، يجلس أفراد إحدى العائلات التي أخطرتها قوات الاحتلال بالطرد، في عربة يجرها جرار زراعي، استعدادا للانطلاق.

واقفا بجانب جراره الزراعي، يقول راضي زواهرة: "سنخرج قبل أن يدخل موعد الإخطار حيز التنفيذ(..)، لو جاء الاحتلال ووجدنا في الخيام سيضايقوننا".

ويضيف: " أكثر من 30 فردا سنظل دون مأوى لنا.. معنا أطفال ونساء".

بالنسبة لزواهرة الذي يسكن في المنطقة منذ عشر سنوات، فإنه آخر من غادر خيامه في منطقة "الميتة"، المطلة بشكل مباشر على الطريق العام الواصل بين طوباس والأغوار الشمالية.

وبدأ بشكل سريع، وهو يشير بيده بشكل دائري، ليشرح لــ"وفا"، أن كل الخيام المحيطة فارغة من سكانها، الذين انتشروا باتجاهين.

ولم يُلمس حتى التاسعة والنصف صباحا، أي تواجد بشري للفلسطينيين في المنطقة.

وتفاوتت أوقات مغادرة الفلسطينيين لخيامهم، من المناطق التي شملتها إخطارات الطرد.

ففي منطقة "حمامات المالح"، وهو مكان قريب من "الميتة"، تجتمع عائلات فلسطينية على مقاعد بلاستيكية بانتظار انتظام باقي أفراد المنطقة، للانطلاق بعيدا عن مكان الخطر.

وبحسب أقوال بعض السكان في المنطقة، فإن العائلات الفلسطينية ستتجه باتجاهين، بعضها إلى الغرب باتجاه طوباس، والأخرى إلى الشرق باتجاه منطقة عين الحلوة.

وفي العادة تكتفي تلك العائلات بأخذ الأمور الأساسية للمعيشة، كالأطعمة، والأشربة.

وشوهدت عائلات فلسطينية بأكملها تستظل تحت بعض الأشجار التي نبتت بالقرب من وادي المالح، كما شوهد أيضا أطفال وهم يتنقلون على حافتي الوادي الذي يلتقي مع وادي عين الحلوة.

"بعثت أبنائي بالأغنام نحو عين الحلوة، يقولون أنه لا خطر في هذه المنطقة". قال دراغمة.

وأضاف الرجل الذي كان قد انتهى للتو من وضع ما يحتاجه داخل عربة يجرها جرار زراعي: "هذه المرة الأولى التي سنخرج فيها باستخدام الجرار الزراعي، لقد وضعت بعض الفرش لعائلتي".

قديما كانت عائلة دراغمة نفسها تستخدم "الحمير" في ترحالها بسبب التدريبات العسكرية، كما قال رب العائلة لمراسل "وفا".

"قديما كنت أستخدم الدواب، وآخذ معي فقط الأطعمة، أما اليوم استطيع أخذ ما يلزم العائلة لقضاء نهار اليوم في الجبال". يقول دراغمة.

بالنسبة للطفل محمود، فإن الاحتلال سيلقي القنابل على خيام المواطنين كما قال لــمراسل "وفا".

وأشار بيده إلى بناء قديم وقال: "سيهتز هذا البناء عند قصفه".

وبدأت منذ ساعات الصباح حركة نشطة لآليات الاحتلال، ومركباته العسكرية على طول الخط الواصل بين طوباس و الأغوار الشمالية.

ومثل هذه الأيام التي يجري فيها الاحتلال تدريباته العسكرية، فإنها تشتت شمل العائلات الفلسطينية التي تتخذ رعي الأغنام مصدرا أساسيا في حياتها.

وقد أمكن مشاهدة أحد الرعاة وقد تولى مسرعا بقطيع من الماشية نحو الشمال.

يقول برهان دراغمة، أحد سكان منطقة الحمامات: "ساق أبنائي قطيع ماشيتي إلى مكان بعيد".

وأضاف الرجل الذي كان يقف بمحاذاة نجله الصغير محمود أن أحد جيرانه ساق أغنامه باتجاه الشمال.

وبحسب إحصاءات محافظة طوباس، فقد شملت إخطارات الطرد عشرات العائلات الفلسطينية، من سكان "الرأس الأحمر"، و"البرج"، و"الميتة"، و"المالح"، من العاشرة صباحا حتى الخامسة من مساء اليوم الأربعاء.

وهذه التدريبات واحدة من تدريبات تجريها قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل سنوي، وقد سمعت أصوات قذائف تلقى في بطون الجبال، وصليات من الرصاص الحي.

وبحسب ما نشر على موقع مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتل "بتسيلم"، فإنه في السنوات الأخيرة وخاصّة منذ بداية عام 2013 يأمر الاحتلال من حين لحين سكّان التجمّعات الواقعة على أراضً أعلنتها إسرائيل "مناطق إطلاق نار" بإخلائها مؤقتًا، بحجّة أنّ الاحتلال يحتاج إجراء تدريبات عسكريّة هناك.

 وتمتدّ هذه المناطق على 45% من مساحة منطقة الأغوار (786 ألف دونم).

وفي الأوامر التي يتسلّمها السكّان يُطلب منهم مغادرة مناطق سكناهم لفترة تتراوح بين ساعات معدودة ويومين، وتشمل تحذيرًا بأنّهم إذا لم يفعلوا ذلك سيجري إخلاؤهم بالقوّة والاستيلاء على مواشيهم وتغريمهم تكاليف الإخلاء.

وأضاف الموقع، أنه منذ كانون الثاني 2013 إلى أيلول 2017 فرض الاحتلال الإخلاء على مختلف التجمّعات في منطقة الأغوار 140 مرّة. بعضها جرى إخلاؤها مرّتين وأحيانًا بفارق أسبوع واحد.

وبحسب "بتسيلم" فإن تلك الإجراءات تعرقل حياة السكّان على نحوٍ فادح وتمسّ بمصادر رزقهم وتثير مشاعر الخوف.