رحلة 100 غرام عدس في شرق المتوسط

جنين- جميل ضبابات-  يتقدم ثلاثة خبراء فلسطينيون بينهم فتاة بحذر، نحو غرفة قد تكون من بين الأكثر برودة في الأراضي الفلسطينية، فدرجة الحرارة داخلها سالب عشرين.. وتبدو خشية واضحة من الوقوف دون لباس عازل للحرارة لثوان معدودة عند بابها.

وفيما انقشعت الغيوم بعد يوم ماطر في الخارج( 29 كانون ثاني2019) كان بعض موظفي المركز الوطني الفلسطيني للبحوث الزراعية يواجهون قرص الشمس للحظات قبل الاستعداد للدخول إلى الغرفة الباردة.

وهناك  أودعت حفنة من العدس البلدي الذي استنسل مرة أخرى بعد رحلة ضياع لعقود طويلة في بلدان شرق المتوسط.

عند باب الغرفة، قال د. زياد فضة ،الذي يدير مركز الأبحاث وهو مؤسسة حكومية " هنا نحتفظ بالعدس البلدي". وتظهر عدة رفوف في الغرفتين الباردتين وقد وضعت عليها عبوات بلاستيكية من المفترض أن يستمر وجودها هنا نصف قرن.

خلال القرن الماضي فقَدَ الفلسطينيون بعض الأصناف المحددة من البذار البلدية الأصيلة التي زرعوها في سهول فلسطين التاريخية، ولبعض الأسباب نقلت بعض البذور إلى خارج فلسطين.

كان ذلك الصنف من العدس البلدي قد اختفى تماما من بين أيدي الفلسطينيين، ولم يعد احد يلاحظه في الحقول.

وقال فضة " نحاول إرجاع البذور التي فقدت".

والبذور الفلسطينية هي نتاج آلاف السنين من التكيف والانتقاء الطبيعي، وعرفت في فلسطين التاريخية بين مجتمعات الفلاحين في الريف، وأعطيت أسماء محلية يمكن الآن مشاهدتها في المجلات العلمية التخصصية.

وكانت سمعة بعض الإنتاج المحلي من العدس وغيره قد سبقته إلى مناطق بعيده عن فلسطين مطلع القرن الماضي.

وأمكن ملاحظة ذلك في تقارير بريطانية رسمية تعود إلى فترة حكومة فلسطين في زمن الانتداب.

في وقت ما ليس محددا بين 29 أيلول سبتمبر 1922 إلى 29 تشرين ثاني 1947 احتفظت حكومة الانتداب بحفنة من العدس البلدي الفلسطيني، وأودعتها في مؤسسات دولية ذات علاقة في جمع الحبوب البلدية، لتصل بعد سنوات إلى مقر بنك الحبوب في مدينة حلب السورية، حيث كان مقر منظمة (ايكاردا) أو المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة.

لا يظهر اي علامة جفاف في المنطقة السهلية المحيطة بالمركز الفلسطيني للبحوث الزراعية قرب بلدة قباطية شمال الضفة الغربية، فكميات الأمطار التي هطلت في موسم الشتاء الحالي غطت أجزاء من سهول المنطقة، إلا أن الجفاف علامة عامة في الأراضي الفلسطينية التي تشهد فصول شتاء تسقط فيها أمطار متذبذبة، أثرت على كميات الإنتاج الوطنية من الحبوب.

لقد عبرت حفنة العدس التي يجري اليوم النظر إليها كواحدة من مقدرات قومية فلسطينية عدة حروب في المنطقة.

مع بداية الحرب السورية الداخلية، ووفقا لتقارير دولية، تحرك مركز ايكاردا، لنقل البذور الثمينة إلى لبنان والمغرب، حيث اوجد بنكين لغاية الاحتفاظ بتلك البذور.

ووصلت حفنة من ذلك العدس إلى الفلسطينيين.

وقال د.فضة" استرجعنا جزءا من تلك البذور بطلب رسمي من ايكاردا".

وحصل ذلك قبل نقل البذور الى لبنان.

جرت تلك العملية بين عامي( 2009-2010 ) . "حصلنا على نحو 100 غرام من العدس، كانت مودعة هناك تحت اسم عدس بلدي فلسطيني". قال د. فضة لمراسل وفا، عبر مقابلة جرت أمام الغرف الباردة.

يقول باحثون في المركز انه بمجرد وصول حفنة العدس أعطيت رقما وبدأت عملية التهيؤ لزراعتها في العام التالي للحصول علي كمية اكبر من البذار. وقد تم زراعتها في المركز، وهو مركز زراعي تاريخي في شمال الضفة الغربية يقوم على مساحة( 87 دونما).

ومنذ سنتين أسس الفلسطينيون بنكا للبذور، أو بنك الأصول الوراثية، وفيه وضعت، بذور العدس، لكن قبل ذلك، قال الباحثون هناك إنها وضعت في ثلاجات، لم تعد تتسع لأصناف البذور التي تتزايد.

وقد خزنت بذور العدس وغيرها عند مستويين من درجات الحرارة المتدنية.

وقالت آلاء مرعي، وهي متخصصة في دراسة خصائص البذور وحفظها" يخزن جزء من كل صنف عند درجة سالب عشرين ويحفظ لخمسين عاما، وآخر عند درجة موجب أربع ويخزن لخمس سنوات. لكن لدرء المخاوف من انقطاع التيار الكهربائي أو دمار قد يصيب غرف التبريد، يجري تخزين احتياطي ثالث في نفس المبنى في ثلاجات صغيرة.

وتنساب برودة شديدة من الغرف التي وضعت فيها أصناف كثيرة من الحبوب. والدخول الى عمقها يحدث ارتجافا في الأطراف وبرودة غير معهودة في الخارج.

ويوما بعد يوم، يتم مضاعفة عدد البذور من أصناف مختلفة من النباتات الحقلية.

وقد تعدى ذلك حاجز 400 صنف من القمح الذي يتم إدخاله من خارج فلسطين عبر عملية قد توصف أنها ليست سهلة

والخبراء يقولون إن بنك البذور واحد من علامات السيادة الوطنية.

يقول فضة، إن إسرائيل ذاتها حاولت التشويش على حفنة العدس من خلال الادعاء ملكية الاسم لها، لكن في نهاية المطاف ثبتت الحفنة في السجلات الدولية، تحت اسم العدس البلدي الفلسطيني.

في القرن الماضي استطاعت فلسطين أن تحقق سمعة دولية في زراعتها لكثير من أصناف الحبوب والفواكه التي ظلت تصدر بعض إنتاجها للدول العربية والغربية حتى اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967.

هنا في جنين وهي منطقة سهلية تقع عند أطراف مرج ابن عامر، وهو واحد من أخصب السهول في فلسطين التاريخية، زرع العدس البلدي حتى فُقد.

لكن د، فضة يقول إن إنتاجية هذا الصنف من العدس متدنية جدا، لكن يمكن الاستفادة من صفاته الوراثية الممتازة التي تقاوم الجفاف والأمراض في تهجين أصناف أخرى من العدس.

وهناك نحو 1800 عينة من البذور المختلفة تم الاحتفاظ بها عند درجات الحرارة المتدنية.

قبل سنوات فقدَ الفلسطينيون من السهول إنتاج واحد من أشهر زراعات البطيخ الذي تشتهر فيه هذه المنطقة، وقد احدث ذلك أيضا صدى تجاوز الخوف المحلي من فقدانه إلى الأبد.

وفقد فعليا الإنتاج الفلسطيني من البطيخ الذي يدعى الجدوعي، وعبر محاولات البحث الحثيثة توصل العاملون في مركز البحث إلى كميات من البذور لدى بعض المزارعين، وأعيد زراعتها مره أخرى عبر معالجة أسباب اختفائه، وهي مرض بكتيري أصاب التربة في جنين.

وتحفظ بذوره الآن في بنك البذور ذاته.

وفي غرفة التغليف التي تحفل بأصناف كثيرة من الحبوب تجري عملية تفريغ أكياس من القصدير والبلاستيك من الهواء وضغطها بعد تعبئتها بأصناف محلية ودخيلة ومن الحبوب المختلفة.

وأمكن رؤية كميات من حبوب مختلفة ستخضع لعملية طويلة من التصنيف والفرز والإعداد قبل الدخول إلى التبريد الذي يستمر لسنوات طويلة.

وقالت مرعي" هنا تجري العملية النهائية لانتخاب البذور ووضعها في الثلاجات". وينظر إلى ذلك كواحدة من قصص النجاح الكبيرة في هذا المكان. فهي عملية طويلة ودقيقة تبدأ بنقل بعض الحبوب من الخارج حتى دراسة خصائصها الكثيرة.

قالت مرعي وهي تشير الى صنف من القمح يدعى ماما شام في بنك الجينات" أقوم بفحص خمسين صفة في كل صنف بذار". 

ويعمل نحو 25 فنيا يحملون شهادات عليا بينهم 5 يحملون شهادة الدكتوراة في البنك البارد جدا. خلال السنوات الماضية استطاع هؤلاء الحصول على أشهر أصناف القمح التي اختفت تماما من الحقول الفلسطينية وتدعى الهيتي السوداء، ومعروفة تاريخيا بمقاومتها للجفاف.

وتلك أيضا تعتبر قصة مثيرة من قصص الحبوب الفلسطينية التي ضاعت عبر السنين، كما يرويها المهندسون الزراعيون.

ويتحدث هنا، القائمون على تصنيف القمح، عن علاقة مع الفلاحين، الذين حصلوا على البذور الجديدة. لقد قيل مرارا ، ان القمح الذي اختفى عاد إلى السهول مرة أخرى. في أوساط الفلاحين الفلسطينيين تسمع قصة حنين عن زمن تلك الأصناف البلدية.

كما عادت ثلاثة أصناف من البطيخ، بعد دمجها بمساعدة يابانية مع جذور اليقطين والقرع لمقاومة ذلك المرض الذي أصاب النبتة قبل عقود. في كل مكان داخل غرف التنصيف يمكن رؤية كميات قليلة من القمح المعد لدخول في سبات بارد لسنين قادمة طويلة.

قال فضة" زرعنا نحو 400 صنفا من القمح عبر السنوات الماضية في مناطق الضفة الغربية(...) في النهاية وجدنا ان هناك خمسة أصناف مناسبة لفلسطين". يردد المعنى ذاته د. عبد الله العمري منسق ايكاردا في فلسطين" ما زلنا نعمل على اختبار الحبوب التي أدخلناها من الخارج. هذه حلقات متواصلة" قال لمراسل (وفا).

ويقول مهندسون زراعيون، إن خمسة أنواع من العدس البلدي تزرع في فلسطين، إلا أن فضة يقول إنها غير نقية. في السنوات الأخيرة انحدر إنتاج السهول من هذا المحصول، وتشير إحصائية آخر سنتين من العدس الى ذلك الانحدار.

وقال المهندس الزراعي وليد اللحلوح وهو مكلف بإدارة دائرة المحاصيل الزراعية في وزارة الزراعة" هناك انحدار وتناقص مستمر في المساحات والإنتاج.(...) لا بد من وجود خطة تعويضية لاستدراك النقص".

حسب المعطيات التي أفادت بها وزارة الزراعة، فانها زرعت العام الماضي فقط نحو 6 آلاف دونم بالعدس، أنتجت 200 طن. ولا يختلف هذا الرقم كثيرا عن العام الذي سبقه. هنا في جنين تغيرت الخارطة الزراعية كثيرا، فالكثير من الفلاحين تحولوا إلى الزراعات المروية. من على بعد تظهر البيوت البلاستيكية والزراعات المحمية في أطراف السهول.

في العمق تسيطر الأعمال الزراعية اليومية مثل زراعة الخضار على الزراعة الموسمية التي كانت سائدة قبل عقود.

وندر مشاهدة سهول زرعت بالعدس.. لقد كانت من الماضي.