سقوط منطق النفي

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

مقولة نفي النفي في الفلسفة تقوم على ركيزة أساسية، عنوانها حلول ظاهرة مكان أخرى، لأن النفي هنا في الطبيعة، كما في المجتمع يقوم بذات الوظيفة والمهمة. وإذا توقفنا أمام المسألة الاجتماعية، نلحظ أن الثورات الاجتماعية، أو الانقلابات، أو العمليات الاستعمارية الاستيطانية تعتمد على نفي الآخر الاصلاني، وإلغاء كل ما له صلة به من تاريخ وثقافة وقوانين، وقد يصل إلى عملية سحق كامل لوجود الآخر، كما حصل في أميركا الشمالية، حيث قام المستعمرون الاوروبيون، الذين لجأوا للقارة الجديدة بإبادة هادفة لمئة مليون هندي أحمر من سكان البلاد الاصليين، وأزالوا كل ما له علاقة بالتاريخ القديم لاصحاب الارض الاصليين، وأنشأوا ثقافة ولغة وتاريخا وأمة جديدة على أنقاض ما كان قبل حملتهم الاستعمارية.
والامر ذاته في الثورات الاجتماعية حيث تتم تصفية تشكيلة إجتماعية/ اقتصادية قائمة بأخرى جديدة، تختلف جذريا عن النظام السابق. ولا يقتصر الأمر عند حدود النظام السياسي، انما في الثورات الاجتماعية التاريخية كانت تتم عمليات هدم وبناء لركائز منظومة اجتماعية واقتصادية وقانونية وسياسية جديدة ونوعية، وتقيم معها علاقات وقوى إنتاج جديدة على انقاض القديمة، وتنشئ بناء فوقيا مختلفا. ومثالنا على ذلك: الانتقال من مرحلة العبودية للاقطاعية، وكذلك من الاقطاعية للرأسمالية، ومن الرأسمالية للاشتراكية. وحتى على مستوى الانقلابات المعاصرة في مرحلة التطور الرأسمالي، وتحديدا في مجموعة النظم العالم ثالثية، نلحظ ان الانقلابات العسكرية، بغض النظر عن خلفياتها، تهدف لعميات نفي للنظم السياسية القائمة، وإنشاء أنظمة مختلفة من حيث البنى والرؤى والافكار، والاسس الاقتصادية والمنظومة القانونية والثقافية، وقد تكون من ذات الطبيعة الطبقية والسياسية، وهذه الانقلابات الحديثة مختلفة اختلافا كليا عن الثورات الاجتماعية العميقة، بتعبير آخر، الانقلابات ليست لونا واحدا، ولكنها لا تهدد الدولة، بل تعمل على تغيير النظام السياسي. 
وهكذا يمكن لمقولة نفي النفي التتحقق في ظل تحولات اجتماعية واقتصادية وفكرية نوعية. ولكن هذه المقولة ليس بالضرورة نجاحها دوما، لان الحامل لعملية النفي، أو "الأنا" النافية ليست مؤهلة لتحقيق هدفها، كما أن"الأنا" المراد نفيها تمتلك من عوامل القوة والبقاء ما يحول دون بلوغ الآخر مراده. ولو أخذنا نموذجا على فشل وسقوط مقولة "نفي النفي" النموذج الفلسطيني الاسرائيلي، وأيضا الفلسطيني الفلسطيني. سنلاحظ في الاول، أن الاستعمار الغربي عموما والبريطاني خصوصا بالتعاون والتكامل مع الحركة الصهيونية، ولاحقا قاعدتها المادية، دولة إسرائيل الاستعمارية، حاولوا طيلة سنوات الانتداب الثلاثين من 1917 حتى 1948 تغيير المنظومة الاجتماعية والديمغرافية والاقتصادية والقانونية على الارض لشطب الهوية والتاريخ والوجود الفلسطيني، وإقامة الدولة المارقة لخدمة أهداف الغرب الرأسمالي على حساب اليهود المضللين، وباسم الدين، والشعارات الناظمة لنفي الاخر بدءا من شعار "ارض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، وأرض الميعاد"، و"أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات"، وتلازم مع ذلك الدفع بمئات الالاف من المهاجرين اليهود الصهاينة وغيرهم، وبعضهم الهارب من ويل وجحيم الفاشية والنازية الاوروبية إلى أي مكان، حيث تلاقت احلامهم البسيطة مع مخطط المستعمرين البريطانيين والأميركيين وأداتهم الحركة الصهيونية للهجرة لفلسطين، وتمثل أهداف الحركة الرجعية والمأجورة، التي مولها اباطرة رأسمال المالي العالمي والصهيوني خصوصا وعلى رأسهم عائلة روتشيلد وروكفلر وأدلسون وغيرهم في إقامة قاعدة الارتكاز المادية، ونفي وطرد أكبر عدد من الفلسطينيين العرب من ارض وطنهم الام. وهو ما تحقق لهم في البداية من نفي حوالي مليون فلسطيني من ديارهم ووطنهم الأم إلى المنافي في اعقاب النكبة عام 1948، وأقاموا دولة إسرائيل الكولونيالية، ولم يسمحوا بإقامة دولة فلسطين العربية، رغم أن قرار التقسيم الدولي رقم 181 الصادر في نوفمبر 1947 ربط إقامة دولة إسرائيل مع إقامة الدولة الفلسطينية العربية. 
ورغم عدم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أي جزء من أرض الوطن، إلا ان المخطط الاستعماري الصهيوني لم ينجح في نفي النفي للفلسطيني وهويته وشخصيته وثقافته ووجوده، فمنهم من تجذر داخل الحدود التي قامت عليها دولة الاستعمار الاسرائيلية، وهم الان يشكلون حوالي 22% من مجموع سكانها، ويمثلون تحديا كبيرا للكل الصهيوني. مع ان النخب السياسية الفلسطينية، تطالب بالعيش داخل حدود الدولة كمواطنين متساوين بالحقوق والواجبات وفق معايير الهوية الوطنية. هذا فضلا عن التجمعات الاساسية الاخرى للفلسطينيين في أراضي دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران/ يونيو 1967 بما فيها القدس الشرقية العاصمة الفلسطينية، الذين يصل عددهم إلى ما يفوق عدد اليهود الصهاينة الان ما بين البحر والنهر، وهو ما يهدد المنطق والمخطط الاستعماري برمته، ويضعه في مأزق خطير، ويدفع قيادات دولة التطهير العرقي نحو التغول والتوحش العنصري، والتخندق في خنادق اليمين المتطرف والفاشي في الحرب على الوجود الوطني الفلسطيني العربي. ولا تقف التعقيدات عند حدود ما ورد آنفا، بل تزداد عملية التعقيد، والسقوط المريع لمقولة النفي للفلسطيني أكثر فأكثر مع تمسك ابناء الشعب الفلسطيني في الشتات بالعودة لوطنهم الأم. وهؤلاء يصل تعدادهم إلى ستة ملايين ونصف المليون فلسطيني، بحيث يصل المجموع الكلي للفلسطينيين العرب لحوالي ثلاثة عشر مليون فلسطيني. الامر الذي حطم عملية نفيهم، ونفي تاريخهم وهويتهم ولغتهم وأهدافهم. وبالتالي مقولة نفي النفي ليست عملية ميكانيكية، ولا تتحقق وفقا للرغبات والمخططات، انما تحتاج لشروط ذاتية وموضوعية. والنتيجة ان الشعب العربي الفلسطيني تمكن من الخروج من مقصلة النفي الرأسمالية والصهيونية. وسيتجاوز الحرب الاميركية الاسرائيلية المكشوفة والشاملة، التي تقوم على ركيزة ومؤامرة صفقة القرن، وقانون "القومية الاساس" الصهيوني، وسينتصر لذاته وخياره وأهدافه وثوابته الوطنية ولو بعد حين. 
وباختصار شديد فيما يتعلق بانقلاب حركة حماس، فرع جماعة الاخوان المسلمين في فلسطين، التي جاءت باسم الدين، والتجارة به، لنفي الهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية، والتاريخ والمشروع الوطني، وباسم "المقاومة" و"الاسلام هو الحل" و"اقتله وادخل به الجنة" والشعارات الديماغوجية التكفيرية الاخرى. فإنها لم تنجح، وفشلت فشلا ذريعا، لان محاولاتها باءت بالهزيمة، رغم كل الواقع المؤلم في الساحة الفلسطينية، ومع ان حركة الانقلاب نجحت حتى الان في تفكيك النسيج الوطني والاجتماعي، وهددت وحدة الارض والقضية والاهداف الوطنية، والنظام السياسي الفلسطيني، غير انها لم تنجح في تحقيق مآربها، وهدف جماعة الاخوان واسيادها في الغرب الرأسمالي بتصفية الهوية الوطنية الفلسطينية. ورغم انها مثلت رأس حربة لمشروع ومخطط الشرق الاوسط الجديد أو الكبير الاميركي الاسرائيلي الغربي في الوطن العربي، وتعمل الان كجزء من مخطط صفقة القرن الاميركية بالتعاون مع التنظيم الدولي للاخوان وقطر وتركيا لاستكمال المخطط الجهنمي لتمزيق وحدة وأهداف الشعب العربي الفلسطيني، فإنها سقطت سقوطا مريعا، ولم تفلح نهائيا، ولن تفلح، ولن تتمكن من بلوغ ما تصبو إليه في عملية النفي للاخر الوطني، ليس هذا فحسب بل لن يكون لها وجود في المشهد الفلسطيني مستقبلا، رغم كل وجودها في المشهد الفلسطيني منذ عام 1987 عندماانخرطت في المشهد السياسي، واحتلالها موقعا مركزيا فيه، لان مبررات وجودها سينتفي شاءت حماس ام أبت مع انتصار المشروع الوطني في المستقبل غير البعيد. 
oalghoul@gmail.com