أيّام مع الرّواية التّركيّة

تغريدة الصباح - محمد علي طه

كان لقائي الأوّل مع الأدب التّركيّ الحديث في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي عندما عثرت على مجموعة شعريّة للشّاعر ناظم حكمت باللغة العبريّة، فشدّني إليه بصدقه وإنسانيّته ثمّ تابعت قصائده المترجمة إلى العربيّة من على صفحات جريدة "الاتّحاد" ومجلّة "الجديد" الحيفاويّتين إلى أن قرأتُ أعماله الشّعريّة الكاملة التي ترجمها فاضل لقمان إلى العربيّة، وأمّا اللقاء الثّاني فكان مع أعمال الكاتب عزيز نيسين وقصصه السّاخرة الشّيّقة التي قدّمت لي حياة الأتراك البسطاء على أطباق من ورق عاديّ.
وفاجأني الكاتب التّركيّ أورهان باموك (باموق) بحصوله على جائزة نوبل للآداب للعام 2006 فبحثت عن أعماله وقرأتُ روايته الشّهيرة "اسمي احمر" وهي رواية تاريخيّة يتناول فيها الفنّ التّشكيليّ الإسلاميّ مستمدًّا عنوانها من اللون الأحمر الأكثر استخدامًا في الرّسم الإسلاميّ، وهي من أهم الرّوايات التي صدرت في العقد الأخير من القرن الماضي (1998) ممّا دعا ناقدة ألمانيّة معروفة أن تكتب "أورهان باموك روائيّ تركيّ يعلّم أوروبا كيف تكتب الرّوايّة"، ولباموك روايات أخرى مثل: جودت بيك وأولاده، البيت الهادئ، الكتاب الأسود وغيرها.
وقرأت في العام الماضي رواية للأديبة التّركيّة أليف شافاك اسمها "قواعد العشق الأربعون" لم تدع فسحة لكاتب روائيّ آخر كي يقترب من التّصوّف الإسلاميّ. وأليف شافاك كما وصفها أورهان باموك هي أفضل من كتب الرّوايات في تركيا في العقد الأخير وقد أخذت اسمها الأوّل من حرف الألف في الألفباء العربيّة والثّاني من اسم والدتها الأوّل الذي يعني "شَفَق" بالعربيّة كما ذكرت في احدى المقابلات الأدبيّة وهي كاتبة ملتصقة باسطنبول المدينة التّاريخيّة العريقة مثلما التصق الأديب نجيب محفوظ بالقاهرة. وتمتّعت هذا الشّهر بقراءة ثلاث روايات لأليف شافاك وهي: "لقيطة اسطنبول" و"الفتى المتيّم والمعلّم" و"بنات حوّاء الثّلاث".
وإذا كانت رواية "قواعد العشق الأربعون" ورواية "الفتى المتيّم والمعلّم" تاريخيّتين فإنّ روايتي "لقيطة إسطنبول" و"بنات حوّاء الثّلاث" تصوّران البرجوازيّة التّركيّة الغارقة في الملذّات وتبرزان الصّراع السّياسيّ والاجتماعيّ في المدينة الكبيرة.
ترى أليف شافاك أنّ الرّوائيّ أو القاصّ "لا يستطيع أن يكون غير سياسيّ إذا كان قادمًا من بلدان مضطربة وديمقراطيّات هشّة مثل باكستان ومصر وتركيا، ولمّا كان الأديب يحاول أن يفهم الماضي والحاضر والظّلم والأحزان فإنّ فسحة صغيرة من السّياسة تصبح ضروريّة" إلّا أنّها تؤكّد أيضًا أنّ السّياسة لا ينبغي أن تقود الأديب لأنّ هذا يلحق الضّرر بالعمل الرّوائيّ.
رواية "الفتى المتيّم والمعلّم" تصوّر عالم سلاطين آل عثمان والدّسائس والمؤامرات من خلال قصّة المعماريّ سنان والفتى الهنديّ جيهان وبناء قصور إسطنبول وحدائقها وهي حافلة بالشّخصيّات والأماكن والأديان والسّحر، إنّها رواية مذهلة عن السّلطة والحرّيّة والحب والتّعلم، وأمّا رواية "بنات حوّاء الثّلاث" فتصوّر العلاقة بين الإيمان والصّداقة وبين الفقر والثّراء والصّدام المروّع بين الحداثة والتّقاليد في حين تفضح رواية "لقيطة اسطنبول" النّفاق والكذب والزّيف في حياة برجوازية المدينة وحكّامها.