مغازلة الصهيونية للاسامية بدأت في عهد هرتسل

هآرتس – آفي شيلون

الزيارة المتوقعة غدا لوزير الداخلية الايطالي ماثيو سلفيني، من حزب اليمين الراديكالي "لاجا" المعروف ايضا بعلاقته المتشددة نحو اللاجئين (مؤخرا منع سفينة طالبي لجوء، على متنها اطفال ونساء، من الرسو)، ستثير النقاش من جديد حول العلاقة المتعززة بين اسرائيل وحكومات اليمين في اوروبا وخارجها. هذه العلاقات التي تطورها اسرائيل تثير مسألة تافهة تتعلق بالمسافة بين السياسة الواقعية والدبلوماسية الاخلاقية.
من المفهوم ضمنا أن اسرائيل – التي توجد كما يقول بنيامين نتنياهو وبحق، في احدى فتراتها الجيدة من ناحية العلاقات الخارجية – لا يمكنها اختيار اصدقاءها بحرص. بالاحرى في الوقت الذي ايضا في العالم الغربي حكومات كثيرة تتميز بخط مناهض لليبرالية. من جهة اخرى، من المفهوم أنه يوجد ايضا حدود للمصالح السياسية، وأن الوصمة التي التصقت باسرائيل بسبب علاقتها مع نظام الابرتهايد في جنوب افريقيا هي مثال على ذلك.
مع ذلك، تجدر الاشارة بأن سياسة اسرائيل الخارجية في الاساس امتنعت عن اقامة علاقات مع جنوب افريقيا بسبب عنصرية النظام. واسرائيل كانت من الدول الغربية المعدودة التي أيدت فرض المقاطعة عليها في 1961. العزلة السياسية التي فرضت على اسرائيل في اعقاب حرب يوم الغفران هي التي حرفت الطريق نحو التعاون الذي عرضه نظام الابرتهايد. يجب علينا معرفة الى أي درجة مسألة الاخلاق والسياسة الواقعية هي نسبية وتؤثر الواحدة على الاخرى.
يوجد لاسرائيل اليوم علاقات ممتازة حتى مع حكومات (مثل بولندا، هنغاريا، النمسا) التي تدمج  خصائص – تتناقض ظاهريا – مقاربة لاسامية مع تأييد الدولة اليهودية. كيف يمكن حل هذا التناقض؟ أحد الاسباب، أن مفهوم "اللاسامية" يحمل في طياته ايضا كراهية للعرب، لأنه في اعقاب الهجرة الاسلامية يمثل العرب في اوروبا بدرجة كبيرة ما مثله فيها اليهود. سبب آخر يرتبط بنجاح الصهيونية، أو ثمارها العفنة، حيث أن الفصل بين اليهودي الجديد واليهودي القديم الذي يعيش في الشتات كان يقف في اساس الصهيونية. زئيف جابوتنسكي لخص هذه الرؤية عندما أكد: "سنمحو تماما من هذه الشخصية (شخصية اليهودي) كل الصفات النموذجية جدا في شخصية اليهودي "الجيبي" الذي يعيش في شرق اوروبا، وسندخل اليها كل الصفات التي غيابها هو مميز جدا بالنسبة له لأن اليهودي "الجيبي" قبيح وعلماني، وسنمنح لشخصيته مثالية العبري الجميل والبطولي". المفارقة التاريخية هي أنه بالتحديد نجاح هذا الحلم الذي طلب الفصل بين العبري واليهودي، يساعد على فهم الطبيعة التي فيها تشجيع اسرائيل يسير يدا بيد مع الاشمئزاز من اليهود.
إن الدمج بين "تأييد" اسرائيل والنغمة اللاسامية يرتبط ايضا بالثيولوجية المسيحية التي تقول إن الكنيسة هي شعب اسرائيل الحقيقي، الذي حل محل اليهود الخاطئين الذين يستحقون الكراهية لأنهم تسببوا بقتل المسيح. من ناحية اخرى، حقيقة ان الاقسام البروتستانتية للمسيحية، يقدرون بالاساس التوراة والعهد الجديد اللذان يوصف بهما شعب اسرائيل بصورة ايجابية، ساهمت ايضا في موقف مسيحي محب للسامية. هكذا، في العالم المسيحي هناك حدود غير واضحة بين اللاسامية ومحبة السامية، التي تبرز اساسا في اوساط الافنغلستيين الذين يؤيدون اسرائيل. هؤلاء يعملون لصالح اسرائيل، لكن من خلال السعي لتسريع مجيء المسيح، حرب يأجوج ومأجوج، التي في نهايتها سيأتي المسيح، وسيكون على اليهود حينها التنصر أو الموت.
كيف يمكن فهم الافنغلستيين كظاهرة محبة للسامية أو مناهضة للسامية؟ أو كلاهما معا. مناحيم بيغن الذي في عهده بدأت تتراكم العلاقة مع الافنغلستيين، اقترح الانتظار مع حل المسألة حتى قدوم المسيح، وحتى ذلك الحين أن نحظى بدعمهم. وحكومة نتنياهو تواصل طريق بيغن في هذا الشأن.
ولكن من الخطأ التعامل مع المسألة فقط في سياق اليمين الصهيوني. فعليا، المغازلة الصهيونية لجهات لاسامية وسلبية بدأت منذ عهد هرتسل. فهو قدر أن اصحاب الرأي اللاسامي سيساعدون في تحقيق حلمه بسبب رغبتهم في ابعاد اليهود من دولهم، وهو اراد استغلال ايمانهم بـ "القوة اليهودية" التي تسيطر كما يبدو في العالم. هكذا مثلا في اعقاب اعمال القتل التي نفذها الاتراك ضد الارمن في نهاية القرن التاسع عشر، تعهد للسلطان بالعمل على تحسين صورة تركيا في الصحف الاوروبية التي كان يسيطر عليها ارباب المال اليهود. بهذا أمل هرتسل بتجنيد السلطان لدعم الصهيونية. حتى صهيوني ليبرالي مثل حاييم وايزمن التقى عدة مرات مع موسوليني الفاشي، قبل انضمامه للنازيين، من اجل تجنيده لدعم الصهاينة. من الجهة الاخرى، من المعروف محاولة قائد الليحي، ابراهام شتيرن، عقد حلف مع النازيين ضد بريطانيا التي وصفها كعدوة للمشروع القومي.
العلاقات التي تراكمها الحكومة الآن مع حكومات يمينية، رغم مواقفها اللاسامية، ترتبط ايضا برؤية محافظة مشتركة. ولكن من المهم أن نعترف بأن الربط بين الصهاينة واللاساميين لم ينشأ في زمن نتنياهو، بل نبع ايضا من أن الصهيونية كانت حركة هامشية في العالم، بحثت عن تحالفات تحت ضوء الشمعة. ويجب الاعتراف ايضا بأن الظاهرة الاوروبية الجديدة كما يبدو لحكومات تدمج بين دوافع لاسامية وتأييد اسرائيل مرتبطة بعلاقة ثيولوجية وتاريخية عميقة، وليست مرتبطة فقط بما يسمى "ازمة الليبرالية".