وعد بلفور.." مأساة الشعب الفلسطيني المستمرة"

رام الله-الحياة الجديدة- عائشة صبيح- يصادف يوم الثاني من نوفمبر الذكرى المائة وسنة على صدور وعد بلفور المشؤوم الذي أعطت الحكومة البريطانية في العام 1917 بموجبه يهود العالم وطناً قومياً لهم في فلسطين، وهي على علم بأن فلسطين يملكها ويعيش فيها شعبٌ آخر هو الشعب الفلسطيني، وكان هذا الوعد ومازال يعتبر وبالاً على شعبنا وأمتنا العربية عامةً، الوعد الذي أدى إلى  خلق وقائع جديدة على الأرض، ما أحدث تغييرا دراماتيكيا في حياة الفلسطينيين، وأدى إلى احتلال أرضنا وتشريد شعبنا إلى الشتات والمنافي.

يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة الدكتور إبراهيم أبراش، إن وعد بلفور كشف بشكل جلي وواضح عمق وتشابك وتعقيد طبيعة الصراع مع الحركة الصهيونية، حيث تداخل فيه الديني والدنيوي، مع المصالح والمبادئ، مع شريعة القوة والعدوان ومع شرعية القانون والحق، وأن هذا الوعد جاء ليجسد كل هذه التناقضات، إذ وعدت دولة الاستعمار– بريطانيا - حركة سياسية أجنبية – الحركة الصهيونية – وعداً بأن تقيم لليهود وطناً قومياً في فلسطين في تجاهل تام للحقائق التاريخية والدينية والواقع القائم الذي يؤكد أن فلسطين يقطنها شعب فلسطين واليهود مجرد أقلية دينية  كما هو حالهم في كل بقاع الأرض.

ما هو "وعد بلفور"؟

هو وعد وجَههُ وزير الخارجية البريطاني اللورد آرثر بلفور، في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 إلى" اللورد ليونيل والتر دي روتشيلد"، زعيم الجالية اليهودية البريطانية، والذي أعلن فيه عن دعم الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني، السكان الأصليين في تلك الأرض.

وفيما يلي نصه الدقيق:" يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته، إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".

هذا الوعد لم يكن وليد لحظته أو كما يقال تكريماً للدور اليهودي في مساعدة الحكومة البريطانية في حربها مع الإمبراطوريتين العثمانية والألمانية أنذاك، بل هو نتاج لمخطط استعماري اضطلعت بريطانيا للقيام به تأسيساً للدور المستقبلي الذي ستلعبه في فلسطين والمنطقة العربية عموماً.

وعود سبقت "وعد بلفور"

وعد بلفور لم يكن هو الوعد الوحيد الذي منح بمقتضاه من لا يملك من لا يستحق، فهناك وعد نابليون بونابرت لليهود بأن يقيم لهم دولتهم الموعودة في فلسطين إن ساعدوه في حملته العسكرية عام 1798. وفي عام 1904 عقد أول لقاء بين حاييم وايزمان احد زعماء الحركة الصهيونية مع آرثر بلفور، وتناول اللقاء موضوع إقامة وطن لليهود في فلسطين، وفي عام 1907 صدر تقرير كامبل بنرمان وهو رئيس وزراء بريطانيا أنذاك، حيث أوصى بتقسيم العالم العربي إلى مشرق ومغرب، وإسكان اليهود في الجسر الرابط بينهما.

وفي المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا عام 1897، طالب بمنحهم وطنا قوميا في فلسطين، ويمكن تأكيد أن مضمون وعد بلفور ما هو إلا تجسيد لالتقاء المصالح الاستعمارية المتطلعة للهيمنة على المنطقة والحركة الصهيونية المتطلعة إلى تأسيس وطن في فلسطين.

وخلال الحرب العالمية الأولى التي نشبت عام 1914 وانتهت في عام 1918، وانتصرت فيها بريطانيا وفرنسا على الدولة العثمانية وألمانيا، صيغت العديد من الاتفاقيات والتفاهمات بين الدولتين المنتصرتين، ومن أبرزها اتفاقية سايكس– بيكو 1916، لتتوج التفاهمات الاستعمارية على تقسيم المناطق العربية لخلق كيانات سياسية بعد دحر الإمبراطورية العثمانية منها، وهدفها إشغال الشعوب العربية عن مواجهة الخطر الحقيقي الداهم في مواجهة الخطر الصهيوني الأمر الذي يوضح أن هذه الاتفاقية ما كانت إلا توطئة لولادة وعد بلفور.

وما كشفته محادثات الشريف حسين  قائد الثورة  العربية مع الممثل الأعلى لملك بريطانيا في مصر "هنري مكماهون"، في عام 1915 بعد أن تعهد فيها للشريف حسين باستقلال المنطقة العربية باستثناء بعض المناطق في الجهة الغربية لولايات دمشق، حمص وحماه وحلب، وكان تفسير بريطانيا لذلك، أنه لا يمكن القول إن هذه المناطق عربية تماما.

وفي تصريح لتشرشل في 11/7/1922 وكان أنذاك وزيراً للمستعمرات، أكد أن فلسطين كانت مستثناة من تعهدات الحكومة البريطانية للعرب من الاستقلال.

وقد تمت المصادقة على وعد بلفور بشكل رسميّ وبموافقة من عصبة الأمم المتحدة في 24 تموز/يوليو عام 1922م، وخلال الفترة من 1922-1935م بدأت هجرات اليهود المتزايدة إلى فلسطين بتسهيلات من الحكومة البريطانية، حيث هاجر نحو خمسة وسبعين ألفاً منهم، فقد كانت نسبتهم لا تتجاوز 10% من سكان فلسطين، إلّا أن نسبتهم قد ازدادت بعد تنفيذ وعد بلفور إلى ما يقارب 27% من مجموع السكان.

الشعب الفلسطيني في مواجهة "وعد بلفور"

مع انكشاف حقيقة المؤامرة على فلسطين، أخذت الشخصيات الفلسطينية بتأسيس جمعيات مثل الجمعية الإسلامية المسيحية في آذار/ مارس 1918 في كل مدن وقرى فلسطين التي أخذت على عاتقها قيادة العمل السياسي، ولم يكتف الرد الفلسطيني على مؤتمرات النخب السياسية بل تجاوز ذلك، ففي عام 1929، شهدت فلسطين أحداثا عنيفة تميزت بتحرك الجماهير الفلسطينية وأخذها زمام المبادرة للتعبير عن السخط والغضب على التعديات الصهيونية على مقدسات المسلمين.

وفي 15/ آب/ أغسطس 1929، اندلعت ثورة البراق في العديد من المدن الفلسطينية وكانت حصيلة الاشتباكات أنها أوقعت عشرات الشهداء في صفوف الفلسطينيين وعشرات القتلى من اليهود، واعتقلت سلطات الانتداب تسعمائة فلسطيني، وأصدرت أحكاماً بالإعدام شنقاً على 27 فلسطينيا، خُفّفت الأحكام على 24 منهم ونفذ حكم الإعدام في 17 يونيو 1930، بسجن مدينة عكا المعروف باسم (القلعة)، في ثلاثة محكومين هم: فؤاد حسن حجازي، محمد خليل جمجوم وعطا أحمد الزير.

وفي عام 1936 ، قامت ثورة فلسطينية  مسلحة  تزامن معها الإضراب الشهير الذي استمر مدة ستة شهور، لكن نداء الحكومات العربية وقت ذاك أجهض الثورة، حيث طالبت هذه الحكومات التي كانت أساسا مهيمن عليها من قبل بريطانيا وفرنسا، بترك الأمر للأنظمة العربية لتدير القضية الفلسطينية بإمكاناتها ودبلوماسيتها، وللأسف وقفت هذه الحكومات موقف الحذر والترقب للأحداث الجارية في فلسطين، وعندما قررت أن تتدخل فأنها تدخلت كوسيط وكطرف محايد في النزاع.

استمر النضال الوطني الفلسطيني متقطعا ومرتبكا إلى أن قررت بريطانيا وضع حد للانتداب على فلسطين وكان قرار التقسيم رقم 181عام 1947 الذي رفضه العرب والفلسطينيون.

وفي وقتنا الحالي رفض الشعب الفلسطيني بقيادته وفصائله الوطنية بشكل جلي وواضح وعد بلفور، ففي أكثر من خطاب وتصريح أدلى به الرئيس الفلسطيني محمود عباس طالب الحكومة البريطانية بتقديم اعتذار عن إصدارها وعد بلفور، وفي هذا السياق طالبت الرئاسة الفلسطينية، في الذكرى المئوية لوعد بلفور العام الماضي، الحكومة البريطانية بالاعتذار العلني للشعب الفلسطيني، والاعتراف بدولة فلسطين.

وتناغم هذا الموقف الرئاسي مع مواقف مختلف القوى والفصائل والمؤسسات الفلسطينية، في حين شهدت مختلف مدن وقرى فلسطين التاريخية فعاليات منددة  بوعد بلفور ومطالبة الحكومة البريطانية بالاعتذار للشعب الفلسطيني عما سببه هذا الوعد من خلق مأساة وشتات منذ أكثر من 101 عاما.

يمكن القول إن البرنامج السياسي لحكومة الاحتلال الإسرائيلية يستند إلى وعد بلفور وينفذه بحذافيره وهو: إنكار الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، وحرمانه من حقه في تقرير المصير على أرضه، ومحاولة إلغاء وجوده وتشريده من أجل إحلال المستوطنين من خلال تكثيف وتوسيع منظومة الاستيطان الاستعمارية وبنيتها التحتية المرتبطة بها، بما فيها ضم ونهب الأرض والموارد، والتهجير القسري والهدم، وعزل المناطق بعضها عن بعض وعزل السكان وجعلهم يعيشون في "كنتونات" تجمعات معزولة وهذا ما نص عليه وعد بلفور.

وقد عززت إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، هذه الممارسات من خلال فرض نظامين منفصلين لمجموعتين من السكان على أساس الدين والعرق، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من القوانين والتشريعات العنصرية التي تحقق برنامجها السياسي على الجغرافيا، وهي تسيطر اليوم على فلسطين التاريخية بكاملها وعلى جميع مناحي حياة الشعب الفلسطيني، وهي بذلك لا تنتهك الحقوق السياسية فحسب، بل تنتهك أيضا الحقوق المدنية والدينية التي يفترض أنها محمية بموجب وعد بلفور.

*هذه المادة معدة لمساق تدريبي في ماجستير العلاقة العامة المعاصرة في الجامعة العربية الأمريكية