حارس القمباز

حياة وسوق .. أيهم أبوغوش

 يدخل الرجل ذو الشاربين الطويلين إحدى صالات الأفراح في بلدة حوارة بمحافظة نابلس متكئاً على عصاه، وسط ترحيب كبير من أهل العرس، ليُثير حالة استغراب في المكان، ليس بسبب شاربيه الطويلين، بل لارتدائه قمبازاً في زمن "البنطال" و"البدلة".
إنه عبد الله محمد أحمد"ابومحمد" ابن الـ  (65) عاماً  الذي لا يعرفه أهل بلدته عصيرة القبلية بمحافظة نابلس بهذا الاسم، وإنما ينادونه بـ"العبد رشيقة" مستلهمين التسمية  من اسم والدته التي ارتبطت بوالده كزوجة ثانية.
هذا الستيني يمثل قصة كفاح في سوق العمل تمتد لأكثر من نصف قرن، إذ تحمل المعاناة والمسؤولية في مقتبل العمر، وأرغمته الظروف ليبحث عن مصدر رزق يعيل به إخوته بعد وفاة والده.
"عاشق القمباز" تزوج والده والدته رحمهما الله، بعد وفاة زوجته الأولى، لينجبا ستة أبناء منهم أربعة ذكور هو أكبرهم، اضطر لترك المدرسة وهو في الصف الثاني الأساسي ليلتحق بالعمل في إحدى الكسارات، وبذلك تمكن من مساعدة أشقائه على إكمال تعليمهم.
الظروف صعبة، إذ كان يذهب من عصيرة القبلية إلى منطقة رأس العين، مشياً باحثاً عن لقمة عيش مرة لخمس سنوات.
بقي الطفل كذلك إلى أن أصبح عمره (16) عاماً، إذ تمكن من الالتحاق بالعمل داخل الخط الأخضر بعد حصوله على بطاقة الهوية، فعمل في مصنع للكرتون لمدة تسع سنين، ثم قرر أن يتعلم السواقة، ولذلك اجتهد وحصل على رخصة قيادة الشاحنة،  ومن يومها أصبح سائق شاحنة لنقل الحجر ومواد البناء، مستمراً في هذا العمل لأكثر من (25) عاماً استطاع خلالها توفير حياة كريمة لأبنائه السبعة أربعة منهم ذكور وثلاث إناث كلهم متزوجون.
مرت حياة "العبد رشيقة" بصعاب ومواقف لا يثبت أمامها إلا الرجال الأشداء، أولها وفاة شقيق له بمرض السرطان وهو في مقتبل العمر، وثانيها وهي الحادثة التي فجعت قلبه وتتمثل في وفاة ابنه عمر  وهو في الـ(33) من عمره، إذ كان يعمل داخل الخط الأخضر في قطاع البناء وأصيب خلال العمل بإصابة خطرة بعد سقوط حجر عليه فارق على إثرها الحياة.
قلّة هم الذين يتحملون خبراً كهذا، لكن الله ألهمه الصبر، فقد توفي عمر وكانت زوجته حاملاً، غادر البيت باحثاً عن لقمة عيش، ولم يعد إلا جثة.
لدى  "أبو محمد" حالياً، ثلاثة أبناء من الذكور بعد وفاة عمر، اثنان منهم يعملان سائقي شاحنات، وثالث دقّيق بناء، علماً أنهم تعلموا منه المهنة، وهو رغم تقاعده من العمل حالياً غير أنه يساعدهم بعض الأحيان إذا ما رغبوا في ذلك.
لا يرتدي "العبد شفيقه" القمباز في المناسبات فحسب، بل هو زيه اليومي أينما ارتحل، فهو يؤمن أن القمباز زي الأجداد وجزء أصيل من التراث لذا وجب الحفاظ عليه.
لدى هذا المواطن الذي اخشوشنت يداه من ثقل السنين ثمانية غيارات من السراويل وبأشكال مختلفة، يجلبها من سوريا بعد توصية أقارب له، وهو يعتقد أنه لا يصنع منها في فلسطين بجودة القماش الموجود في سوريا.
 يرى "العبد رشيقة" أن الجيل الجديد يجب أن يتخلى عن "البنطال المخزوق"، ويعود إلى لباس الأجداد لأن جزءاً من الصراع القائم مع الاحتلال هو صراع على التراث، كما أنه يعطي الراحة لمن يرتاده كونه فضفاضاً وهو أفضل صحياً.
يؤمن أن الجيل الشاب لابدّ أن يتمتع بالأخلاق الحسنة واحترام الكبار، لذا يعتقد أن أبناء اليوم ليس لديهم نخوة، ولا يحترمون الكبار، وديننا وأخلاقنا يحثان على المعاملة الحسنة والنخوة، والتعاضد، والتآخي، والإيثار وهي أشياء نفتقدها اليوم.
 والفارق بين جيلين لا يتوقف عند "ابو محمد" على الجانب السلوكي، بل يتعداه إلى الرغبة في العطاء، فأولاد اليوم لا يتمتعون بالحيوية والنشاط الذي كان عليها أبناء جيله، فنبذ الأنانية والكسل مفتاح للوصول إلى المراتب العليا.
بعد نصف قرن من العمل وأكثر، مازال " العبد رشيقة" يرفض الاستراحة رغم تقاعده من العمل، فهو يتنقل باحثاً عن علاقات اجتماعية متينة، يواظب على الصلاة في المسجد، ويتواصل مع أبناء بلدته والقرى المحيطة، لا يدخر جهداً في إصلاح ذات البين وعمل الخير، لا بل ينتصر لقضيته حينما يجدّ الجدّ مثلما حصل إبان أزمة البوابات الحديدية التي كان يعتزم الاحتلال إقامتها في المسجد الأقصى العام الماضي، فقد حمل "أبو محمد" عصاه ليشدّ الرحال هناك مرابطاً أمام البوابات مع جموع المصلين، ومن يومها فرضت عليه سلطات الاحتلال منعاً من الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، تمكن في رمضان الفائت من أداء الصلاة في الجمعة الأولى، لكنه اعتقل في الجمعة الثانية لعدة أيام قبل أن يخلوا سبيله شريطة عدم العودة للأقصى.
بعد عام على تلك الواقعة، لم يتغير"العبد رشيقة"، فهو ما زال يؤمن أن نور الحق سيسطع يوماً ما، ولهذا تراه يتقدم الصفوف في المقاومة الشعبية مدافعاً عن "الخان الأحمر"،  بهمّة رجل لم تهزمه عنصرية محتل.
صاحب القمباز إنسان بسيط، لم أعرفه من قبل، لكنّ كلّ من في القاعة أخذه بالأحضان، نال احترامهم وإن ارتدى ما تخلوا عنه، لماذا يجذبني هذا الكهل؟، خزانتي تتسع ببدلات وبناطيل، سؤال يقض مضاجعي، هل تلزمني تلك الربطة الأنيقة كي أبدوّ بأزهى حالاتي كي أنال  احترام الآخرين؟!، هل يروق لي رؤية ابني وهو يرتدي "بنطالاً مخزوقاً"؟!، ربما الإجابة تكمن في قلب محتار بين واهم بالموضة، وباحث عن الأصالة.