نحو جولة اخرى في غزة

ومرة اخرى سنحطم لهم العظام

يديعوت – اليكس فيشمان
في شعبة الاستخبارات يسمون ما يجري كل نهار وليل على طول جدار القطاع "تصعيد منضبط للتوتر". اصطلاح مغسول يستهدف أن "يرتب" براحة الواقع الفوضوي للمخطط العسكري التقليدي. وتقريبا مثل "الردع" – اصطلاح مغسول آخر حين يطرحونه في سياق مكافحة الارهاب. يرى قادة جهاز الامن فيه ذخرا لاغراض الاعلام. حين يكون الردع، هذا ذريعة لعدم عمل شيء حيال التهديد المتعاظم من الجانب الآخر من الحدود. وحين يرفع الارهاب رأسه ويعود للهجوم، يشرحون لنا بأن الردع تآكل وأنه يجب "تحطيم عظامهم" من اجل استئنافه. وبدلا من معالجة التهديد بشكل متواصل – ليس فقط عسكريا، بل بالاساس سياسيا – يستيقظون ذات يوم ويشنون حربا، وكأن الحديث يدور عن قضاء وقدر. وهذا بالضبط ما ينضج الآن على حدود غزة.
السؤال الذي يطرحه على انفسهم رجال الاستخبارات اليوم هو هل الاضطرابات المحتدمة على حدود القطاع معناها أن حماس اجتازت الروبيكون وقررت احداث ازمة عسكرية متطرفة – ما سيؤدي وفقا لفهم قادة المنظمة باسرائيل، الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية لأن يغيروا نهجهم فيرفعوا الحصار عن غزة دون أن تتنازل حماس عن قوتها العسكرية وعن تطلعاتها في الساحة الفلسطينية الداخلية.
يتبين أننا نوجد بعمق في الفصل الثالث من المواجهة التي بدأتها حماس مع اسرائيل في شهر آذار الماضي. فالفصل الاول، الذي بدأ بـ "مسيرات العودة"، انتهى بنحو 200 قتيل فلسطيني وجولتي تصعيد تضمنتا اطلاق نحو 200 صاروخ وقذائف هاون نحو غلاف غزة. في الاسبوع الاول من آب بدأ الفصل الثاني – محاولات التسوية بين حماس، السلطة الفلسطينية واسرائيل، والتي لم تكن للحظة حقيقية ولكنها سمحت بتخفيض مستوى الضغط الداخلي عن الزعماء في كل الاطراف. المحادثات لا تؤدي الى أي مكان، والشتاء المقترب يهدد بأن يتفاقم الوضع الانساني في غزة اكثر فأكثر، وفي منتصف ايلول تنتقل حماس الى المرحلة الثالثة من "التصعيد المضبوط".
منذ بضعة اسابيع وقادة حماس يجرون اتصالات مع قادة الفصائل في القطاع – ولا سيما مع الجبهة الشعبية، ولكن ليس معهم فقط – بشأن تحطيم الأدوات والدخول في مواجهة عسكرية مع اسرائيل. وتتجه النية الى نزع القفازات. ضمن امور اخرى، سيقتحم رجال الذراع العسكري الجدار في عدة نقاط، يتسللوا الى بلدة ما ويختطفوا مواطنين. هذا هو التطلع. فقد روى رئيس بلدية خانيونس السابق، د. فوزي شمالة، المقرب من حماس، في التلفزيون الغزي بأن النية تتجه الى احتلال "مستوطنة" (كيبوتس) وأخذ عدد كبير من الأسرى. ويقدر زعيم حماس، يحيى السنوار، بأنه اذا كان في يده مخطوفون اسرائيليون فان اسرائيل سترد بشكل عدواني ولكنها في نهاية العملية ستتراجع: ستضغط على أبو مازن لتحويل الاموال الى القطاع، تشجع اقامة بنى تحتية في غزة بأموال دولية وتحرر سجناء. في نظرته، القيادة الاسرائيلية هي جسم ضعيف وقابل للابتزاز، والمجتمع الاسرائيلي لا يصمد في اوضاع مخطوفين – أسرى – مفقودين.
عندما ينشر الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي بين الحين والآخر بأن نشطاء فلسطينيين اقتحموا الجدار، تسللوا بضعة امتار الى الاراضي الاسرائيلية وعادوا على اعقابهم، يتخذ هذا عندنا صورة العاب الاستغماية: جئت الى موقع خال للجيش الاسرائيلي، احرقت خيمة، عطلت تراكتورا، التقطت لنفسي صورة وعدت بسلام. ولكن يدور الحديث عن تجربة وتضليلا: هكذا يفحصون نقاط الضعف، المدة الزمنية التي تنقضي الى أن تصل الدورية الى الثغرة، أين توجد "المناطق الميتة" التي لا تراها نقاط الرقابة العسكرية الاسرائيلية وما شابه.
منذ شهر آب تجري اعمال يقوم بها رجال حماس ومنظمات اخرى على الجدار، ليل نهار، "لتعويد" الجيش الاسرائيلي وابقائه في روتين من التأهب العالي الذي يوجد فيه عنصر من عدم الاكتراث، حتى لحظة الاقتحام. المتظاهرون على الجدار، الذين يزداد عددهم في الاسابيع الاخيرة ليسوا من "الشعب". ففي قلب المظاهرات يعمل رجال الذراع العسكري لحماس، الذين "يعلمون" الجيش الاسرائيلي كيف يتعايش مع القاء العبوات، مع الاقتحامات الصغيرة للجدار. ويمول الايرانيون هذا المشروع. ومؤخرا دُعي المشاركون في المظاهرات للتوجه الى فروع البنوك في غزة كي يحصلوا هناك، برعاية ايرانية، 200 دولار لكل واحد منهم. وبتعابير غزة هذا مال طائل.
وماذا تفعل حكومة اسرائيل امام سحب الحرب المتلبدة على الحدود الجنوبية؟ جهد سياسي حقيقي للوصول الى تسوية في غزة؟ ممارسة ضغط على السلطة الفلسطينية بحيث تغير النهج أو ضغط على الدول المانحة لتضخ المال الى القطاع؟ أم أنها تنتظر، كالمعتاد، حتى "ينتهي" الردع – وعندها سنحطم لهم (ولنا) العظام.