أسرى عالم افتراضي!

إدمان الإنترنت يُسقط أطفالاً في شرك العزلة | تحقيق: محمد إبراهيم سلطان | إشراف: منتصر حمدان

رام الله - الحياة الجديدة- محمد سلطان-  يجلس رياض سرحان في محله الخاص بالألعاب الإلكترونية كعادته كل يوم، ولكن هذا اليوم لم يكن كسابقيه، فقد جاء طفل لم يتجاوز الثامنة من عمره وصعد إلى الطابق الثاني ليلعب لعبته المفضلة، وبعد فترة قصيرة من الوقت يضيء جهاز المراقبة الذي يراقبه سرحان من خلال برنامج (إيزي كافيه)، ذهب مسرعاً إلى الطابق الثاني ليجد هذا الطفل يفتح أحد المواقع الإباحية! سأل رياض الطفل بمنتهى الدهشة كيف لك أن تعرف هذه المواقع؟ فأجابه الطفل إني أرى أبي وأمي يشاهدون هذه الأفلام، هل تمانع أن أشاهدها في محلك؟ يسأل الطفل.

أثبتت كثير من الدراسات العلمية أن أطفالنا يعيشون في عزلة اجتماعية بسبب إدمانهم وسائل التكنولوجيا، وفي أحيان كثيرة بتشجيع مباشر من الأهل الذين لا يدركون مدى تأثير الساعات الكثيرة التي يقضيها الأطفال على تلك الأجهزة، وفي إشارة إلى الإدمان على الإنترنت مؤشر محتمل على أمراض نفسية أخرى. قالت الجمعية الألمانية للطب النفسي حديثاً إن إدمان الإنترنت ينتج شعوراً بالقلق والتوتر الداخلي وكثيراً من المشاكل المهنية والزوجية والأسرية.

إحصائيات وأرقام:

تفيد سجلات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن عدد الأطفال من عمر يوم حتى تسعة عشر عاماً في مدينة رام الله والبيرة هو (130455) طفلاً وطفلة، وأن عدد مقاهي الإنترنت في المدينتين (91) مقهى، أما مدن التسلية والملاهي والألعاب فقد بلغ عددها (10)، إضافة إلى (12) محلاً للألعاب في كلتا المدينتين.

التكنولوجيا لتبسيط المعلومة وإثرائها:

قالت المربية نوال عادل حجة، معلمة تربية ابتدائية في رام الله: "في السابق كانت أوراق العمل تُكتب بخط اليد، وكان البحث عن المعلومة في دليل المعلم فقط، لكن التكنولجيا اليوم أسهمت بشكل كبير في تبسيط المعلومة وإثرائها وتدعيم المنهاج الدراسي، إضافة إلى أنها وسيلة تعزيز وتشويق، تجدد من انتباه الطالب بحكم التنوع والمحتوى الموجود فيها، ومن ثم فإن هذه التكنولوجيا خدمتني وأضافت لي أسلوباً جديداً في التدريس".

وأضافت حجة: "إن التكنولوجيا عملية إثراء ولا تلغي دور الكتاب والمنهاج والأساليب التي اعتدناها، فها أنا أستخدم الدراما والتمثيل من خلال تقمص الأدوار والنزول إلى مستوى الطفل العقلي والفكري، وهذا يساعد في إيصال معلوماتي ويخرجني من الأسلوب الروتيني المعتاد، ومن ثم لا يشعر الطفل بالملل".

وحذرت حجة الأهل من أن يدفعوا أطفالهم إلى الكارثه بالسماح لهم باستخدام هذه التكنولوجيا، فللتكنولوجيا دور سلبي إن لم تستخدم بالطريقة المناسبة، وعلى الطفل أن يقضي وقته الأكبر مع الأهل والأصحاب، ويخالط الناس، ويطور من مهارات الاتصال والتواصل التي لا يمكن أن تتطور من خلال التكنولوجيا.

أطفالي عنيدون وعنيفون:

تقول أم رامي، وهي أم لأربعة، أكبرهم في سنته الثامنة: "أشعر بالقهر والتوتر والغضب لما وصل إليه أطفالي بسبب تلك التكنولوجيا، فهم عنيدون جداً وغير مكترثين لشيء، ولا يستمعون لي، وعنيفون مع بعضهم بعضاً".

تضيف أم رامي: "حاولت منع أطفالي عن تلك الأجهزة، وأحياناً أحدد وقتاً لذلك، ولكن من دون جدوى، بل كانت ردت فعلهم عصبية جداً وعنيفة أيضاً، وزاد من توترهم، وتفاقم الأمر حين شاهدت أطفالي يقلدون الألعاب التي يلعبونها من خلال تلك الأجهزة، مثل الضرب، وإذا لعبوا مع أطفال في جيلهم فإنهم يلعبون بعنف واضح، كما أنهم انطوائيين وغير اجتماعيين ويتضح هذا عند زيارة أقاربي، وجل همهم رغبتهم في أن يستمروا باللعب عبر تلك الأجهزة. وتواجهني اليوم لعبة سببت لي مشكلة أخرى بالإضافة إلى ألعاب العنف، هي لعبة تدعى لعبة مريم (لعبة رعب)، إذ يستيقظ أطفالي مفزوعين من ليلهم ويبكون من الخوف ويرون أحلاماً مزعجة بسببها".

ألعاب عنيفة ولئيمة:

يقول رياض سرحان، صاحب محل (كافيه نت) لألعاب الفيديو: "إن الأطفال يتوافدون إلى المحل بكثرة ويلعبون بأعنف الألعاب المبرمجة على القتل واستخدام الأسلحة والضرب والسرقة، على نحو لعبتي (كاونترسترايكو) و(جتا)".

ويضيف سرحان قائلاً: "تكسر محلي أكثر من مرة بسبب مشاكل حدثت بين صبية تتراوح أعمارهم من (16 – 20) سنة، نتيجة تلك الألعاب، وأرى تسرباً واضحاً من المدارس بسبب تلك الألعاب، ولو امتلك الطفل مبلغاً إضافياً من المال سيجلس في المحل أكثر من ثماني ساعات وقد يمتد طوال اليوم".

التكنولوجيا سببت العزلة الاجتماعية والخرس الإرادي:

الدكتور توفيق سلمان أخصائي الأمراض النفسية والعصبية يقول إن الأبناء بحاجة إلى وقت وهدوء ونوع من الاستقرار، ولكن الآباء باتوا يفتقرون لهذا الاستقرار، حينئذ يلجأون إلى وسائل أخرى، منها الإلكترونية، ليشغلوا أبناءهم بها من أجل الشعور بالراحة ويتركوا أبناءهم فريسة لتلك الأدوات الإلكترونية الحديثة التي تقود إلى آثار وخيمة، كحرمانهم من التواصل الاجتماعي الحي، وعيشهم في تواصل افتراضي، وابتعادهم عن القيم والمُثل الاجتماعية. كما أن لهذه التكنولوجيا الآثار الذهنية التي تصيب الأطفال نتيجة تشعب أفكارهم المتعددة التي يكتسبونها من تلك الأجهزة فتؤدي إلى آثار دماغية، إضافة إلى أن كثيراً من الدراسات أثبتت أن ترك الأطفال حديثي الولادة والسن بين يدي هذه الأجهزة يؤدي إلى أمراض التوحد (طيف التوحد) والخرس الإرادي والتأخر بالنطق.

وبين سلمان أن منظة الصحة العاليمة حددت عمر الطفل حتى عمر (18) عاماً، وعلى الأهل مراقبة أطفالهم ومشاركتهم بتلك الألعاب وعدم تركهم وحدهم بينها.

في مطلع العام 2000م، قمنا بدراسات لرصد ما يسمى بـ"توتر ما بعد الصدمة النفسية" نتيجه الأوضاع التي يعيشها مجتمعنا الفلسطيني ولاحظنا نوعاً من أنواع الانحراف في انفعالاتنا، وأصبح المجتمع اندفاعياً ومتمرداً على نفسه ولا يعترف بـ"الكبير"، والسبب هو تلك الأجهزة؛ فالجميع يتحدث بصمت مع ذلك الجهاز وهذا يؤدي إلى غضب ومخزون انفعالي سلبي داخل الإنسان يقود إلى العزلة الاجتماعية، وهذا ما يسمى بالخرس الإرادي أو الخرس العائلي.

 العزلة الاجتماعية أدت إلى انتشار المخدرات:

يضيف الدكتور توفيق سلمان، أخصائي الأمراض النفسية والعصبية: "بناءً على دراسات عدة، أصبحت حياتنا مبنية على نظام إلكتروني  أدى إلى تفاقم الضرر الاجتماعي والعزلة، فالمشاكل الاجتماعية والعنف وحوادث القتل والإيذاء، كل هذه أضحت مبنية على العزلة الاجتماعية، حيث ابتعدنا عن الحياة الاجتماعية الفعلية ونعيش حياة اجتماعية مفترضة، وهذا له آثار مدمرة مثل كالانتشار الأعمى لتدخين النرجيلة وما رافقها من انتشار للمخدرات التي تضبط أطناناً في مدننا وقرانا، وهذا بسبب الحياة الاجتماعية المعزولة، إضافة إلى ذلك الاضطرابات الشخصية في سن المراهقة، كهوس في الشخصية، ورغبة في تقليد ممثل أو مغنّ، راسماً لنفسه قوانين خاصه استنبطها من تلك الأجهزة أو الأفلام".

ثلاث جلسات عائلية تنتج أسراً سليمة ومبدعة:

من جانب آخر، قدم سلمان نصيحته للأهل بأن يقننوا من تعامل أطفالهم بهذه التكنولوجيا، ويحددوا لهم أوقاتاً لذلك، مع ضرورة مشاركة الأهل لهم وتشجيعهم أن يطلعوا على كل ما هو جديد، ثم تحليل هذه المعلومات وتبسطيها وتعزيز الإيجابي ونبذ السلبي، وأشار إلى وجوب أن نقدم لأطفالنا قصصاً تنمي فيهم روح الشهامة والعمل المشترك وروح العمل التطوعي والانتماء للأسرة والبلد، وقصة ما قبل النوم مهمة جداً للطفل حتى يشعر بالأمان والاطمئنان.

إن الله سبحانه وتعالى أعطانا ثلاث جلسات عائلية، وأنا أسميها ثلاث جلسات علاج جماعي: الفطور، والغداء، والعشاء، فلنحافظ على هذه الأوقات ونتحدث مع الأسرة في جميع نواحي الحياة؛ لأننا سنكون قد خرجنا أسراً سليمة ومبدعة، فإذا تركت ابنك وهو صغير سيتركك وهو كبير، فحافظ عليه في صغره يلجأ إليك في كبره ويحفظك في كبرك.

إدمان تلك الأجهزة يؤدي إلى العديد من الأمراض:

يقول الدكتور جورج مسيح، أخصائي طب الأطفال: "إن الوقت الذي توصي به جمعية أطباء الأطفال الأمريكية يحدد من (2– 4) ساعات يومياً حداً أقصى، وإذا زاد على ذلك يسبب العديد من المشاكل، ومنها:

عدم التواصل الاجتماعي مع الأهل والأصدقاء، ما يؤثر في سلوكيات الأطفال، مسببة لهم العزلة والانفرادية وأمراض سلوكية أخرى.
 استعمال الأجهزة بإضاءة خفيفة أو قبل النوم يؤثر في سلوكيات النوم لدى الأطفال، وعلى المدى البعيد تسبب ضعف النظر وتشنجات عصبية وألماً في العين والرأس، بالإضافة إلى آلام في مفاصل الأصابع والأكتاف والرسغ والرقبة والظهر، خاصة للذين يطبعون على هذه الأجهزة بشكل كبير.
استخدام الأطفال في طور النمو لتلك الأجهزة بشكل كبير يؤثر على دماغهم.

ويؤكد مسيح أن بعض الحالات من عمر (7-17) عاماً بدأت تظهر عليهم أوجاع في الرقبة والرأس وزغللة في العينين وأوجاع في عضلات الرقبة والظهر.

ثم قدم مسيح نصيحة بأنه يجب التقليل من عدد الساعات التي يقضيها الأطفال في استخدام تلك التكنولوجيا، وعدم استخدامها عند الشعور بالتعب وقبل النوم؛ لأنها تؤثر على سلوكيات النوم، ويجب على الأهل مراقبة المحتوى الذي يشاهده أطفالهم على تلك الأجهزة من مواد تعليمية وترفيهية أو بعض المواقع التي يحظر على الأطفال دخولها.

العزلة تولد العنف:

يقول سميح أبو زاكية، الأخصائي في مجال الطفولة ومدير مركز فنون الطفل الفسطيني في الخليل: "إن مستوى العنف في مجتمعنا الفلسطيني يزداد بسبب العزلة الاجتماعية نتيجة هذه التكنولوجيا، كما أن لها تأثيراً كارثياً إذا لم تكن هناك ضوابط، ومنها التأثير ببعض العادات والقيم الغربية التي لا تتلاءم مع مجتمعنا العربي، كما أن للتكنولوجيا تأثيراً سلبياً على ثقافة الأطفال بسبب الغزو الثقافي الخارجي الذي يسمم عقول أطفالنا حتى أصبحوا سجناء هذه الأفكار والمعتقدات الغربية.

وبين أبو زاكية أن استخدام التكنولوجيا أخذ من حياتنا الوقت، وجردنا من مشاعرنا، وأصبحت حياتنا أرقاماً، وفقدنا التواصل الاجتماعي الطبيعي، وأصبحنا في عزلة عن الحياة الاجتماعية".

 في الماضي كان عدد كبير من الأطفال يتوافدون على مكتبة المركز، أما اليوم فقد تراجع العدد، ذلك أن الطفل لم يعد يدرك أهمية التعليم وثمة نسب تسرب عالية من المدرسة.

التكنولوجيا تسبب حالات انتحار:

يؤكد أبو زاكية أن عدداً من الأطفال انتحروا بسبب الألعاب التكنولوجية وتقليدهم لها، وإحدى حالات الانتحار لطفل عمره (14) عاماً أعدم نفسه بسبب لعبة، فثمة ألعاب تؤدي إلى الانتحار أو ما يسمى بـ "عزلة الموت".

لذلك، علينا ألا ندع أطفالنا في يد الأشرار الذين يدخلون عزلتهم بطرقهم الخاصة، ويجب أن يكون للأهل دور فاعل في تربية أطفالهم وعدم تركهم وحدهم، وعلينا تشجيعهم للمشاركة في الأنشطة المختلفة لتفريغ طاقاتهم الإيجابية.

وقال أبو زاكية: "يتجسد دور الأهل في دعوة أطفالهم للعودة للقراءة وممارسة الألعاب القديمة، والمشاركة في النشاطات الثقافية والمسرحية والمخيمات الصيفية، على أن تكون شبكة الإنترنت داعماً لها لا أساساً، لأن هذه الأنشطة تقلل من خطر الإدمان وتقلل من العزلة الاجتماعية، ونحن-أهلاً ومعلمين ومجتمعاً-يجب أن نكون عاملاً مؤثراً في حياة أبنائنا نحو الأفضل، ونوجههم إلى الفنون والثقافة فهي كفيلة بأن تنقذهم من العزلة.

في نهاية هذا التحقيق، ينصح بالتقنين من استخدام تلك الأجهزه والألعاب التكنولوجية، والحد من الإفراط في استخدامها، لما لها من آثار كبيرة على صحة أطفالنا، وإليك المفاجأة...

إن منزل (ستيف جونز) رائد التكنولوجيا الحديثة، يخلو من تلك الأجهزه التكنولوجية المتطورة، وعند سؤاله: لماذا يخلو منزلك من تلك الأجهزة ؟! أجاب: أفضّل الجلوس مع أبنائي على كتاب. فهو حتماً يدرك خطورة تلك الأجهزة وأثر الألعاب السلبية على صحة الأطفال.

وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال، مما يشير لبُعد نظره: "ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم"، فزمان أولادنا غير زماننا"، وعلينا أن نسلحهم بما يفيدهم في زمانهم، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نحميهم من أي سوء يمكن أن يتعرضوا له، وما خاب من استشار.

وتذكروا أن "ما يزيد عن حده ينقلب ضده".