غزة...حكاية شارع منذ الحكم العثماني

 

غزة - وفا-زكريا المدهون-يُعّد شارع فهمي بيك وسط مدينة غزة، من أشهر الأماكن التي تطؤها أقدام كل المتنقلين بين المحافظات الجنوبية الخمس من أقصى الجنوب في رفح الى أقصى الشمال في بيت حانون.

هو عبارة عن شارع صغير لا يتجاوز طوله المائتي متر وعرضه العشرة أمتار، لكنه كبير بما يحمله من حكايات وتاريخ مدينة غزة منذ الحكم العثماني.

تعود تسمية الشارع بهذا الاسم الى فهمي بيك الحسيني المولود في غزة عام 1886، وانتخب كأول رئيس لبلدية غزة في عام 1928 في عهد الانتداب البريطاني.

يقع شارع فهمي بيك الذي يضج بالحركة والزحام على مدار الساعة في قلب مدينة غزة القديمة، فهو يربط بين شارع عمر المختار الرئيس، و"ميدان فلسطين" من الجهة الجنوبية، وشارع الوحدة من الجهة الشمالية.

ليس بعيدا عن الشارع يتربع شامخا المسجد العمري الكبير، وسوق القيسارية "الذهب"، وقصر الباشا، ومسجد السيد هاشم بن مناف جد الرسول محمد عليه السلام، التي تعتبر من أقدم الأماكن الأثرية والتاريخية في قطاع غزة.

الكثير بل الغالبية العظمى من الغزيين يقصدون الشارع ويرددون اسم صاحبه لكنهم يجهلون من هو "فهمي بيك" الذي سجل عديد الانجازات لمدينتهم.

النشأة والانجازات:

ولد فهمي بيك الحسيني في مدينة غزة، سنة 1886، وتعلم القانون في مدينة اسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية، وعاد بعد التخرج إلى غزة، وعُيّن عضوا في محكمة الأراضي بمدينة نابلس، ثم عمل مدعياً عاماً ثم استقال، وعمل في المحاماة وعيّن حاكم صلح في نابلس، ثم عضواً في المحكمة المركزية للواء الشمالي قبل تقديم استقالته، وعودته إلى المحاماة.

ولم يقتصر عمل الحسيني على مزاولة المحاماة، بل أصدر مجلة الحقوق في الأول من كانون الأول/ ديسمبر عام 1923 وكان رئيساً لتحريرها، كما أصدر جريدة صوت الحق في 6 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1927.

ونجح أثناء عمله في المحاماة والصحافة في 5-5-1928، في تولي رئاسة بلدية غزة، ومعه 11 عضواً، وكانت تلك المرة الأولى التي يتم فيها تعيين رئيس بلدية بالانتخاب.

وحقق فهمي بيك الحسيني حسب الموقع الالكتروني لبلدية غزة، العديد من الانجازات أهما: انشاء مشروع المياه والذي كان له الأثر الأكبر في بناء مدينة غزة الجديدة، وافتتاح مدرسة البلدية للإناث تضم عدداً كبيراً من الإناث، وإتمام إنشاء المستشفى البلدي، وإنشاء منتزه بلدية غزة، وإنشاء دار جديدة للبلدية في شارع عمر المختار، وبناء سوق كبير ومسلخ وإضاءة مدينة غزة بالكهرباء عام 1938 بعد التوافق بين المجلس البلدي وشركة كهرباء فلسطين.

وخرجت مدينة غزة بعد الحرب العالمية الأولى، مهلهلة متداعية البناء، فقام فهمي الحسيني بشق الطرق وتوسيعها، ومن هذه الشوارع: شارع الإمام الشافعي وشارع السرايا وشارع جمال باشا وهو شارع فهمي بيك وشارع فراس.

عائلة الجاروشة من كبرى العائلات الغزية التي سكنت منطقة شارع فهمي بيك وحتى أن أفرادها يقولون: "إن الشارع سمي باسم العائلة "الجواريش" نسبة إليهم".

مهن وحرف:

شعبان الجاروشة (50 عاما) يعمل حلاقا منذ 30 عاماً ولد وترعرع في منطقة غزة القديمة، ويعرف تاريخها القديم كما يقول لـ "وفا".

وأضاف، "كان الشارع يسمى أيام الأتراك باسم "شارع الجواريش" نسبة الى عائلتنا التي تقطن في المكان منذ مئات السنين"، مشيرا الى أن فهمي بيك كان رئيساً لبلدية غزة كما أخبره والده وكبار السّن وعمل تعديلات ووسع الشارع فسمي الشارع باسمه.

وعدّد الجاروشة أصحاب المهن المشهورين في شارع فهمي بيك في فترتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي مثل: علي وعمر النونو (مواد غذائية)، وأحمد ومحمد حبوش (مواد غذائية)، قهوة فوزي السوافيري وسلمان البيكي اللتان كانتا يرتادهما كبار الشخصيات، اضافة الى الحلاق محمد هاشم العفيفي وأخوه علي كان بمثابة طبيب يخلع الأسنان ويختن الأطفال، ومصنع الطرابيش لرباح عرفة.

"في شارع فهمي بيك كانت توجد عيادة الطبيب سالم شراب والطبيب نعيم علي حسن وهو مصري الجنسية تزوج من سيدة من عائلة الحسيني يقال إن عمّها هو فهمي بيك"، يستكمل الجاروشة حديثه.

كما تواجد في الشارع الشهير معاصر سمسم تعود لعائلتي الهندي والقرم، وفي فترة الأربعينيات كانت المحكمة الشرعية، معتبراً شارع فهمي بيك بـ "المعدية" التي تربط جنوب غزة بشماله.

يقول الباحث والكاتب الدكتور ناصر الصّوير لـ "وفا":" يعتبر فهمي بيك الحسيني من الرجال الذين كانت لهم بصمة في تاريخ فلسطين الحديث وتحديداً خلال حقبة الاحتلال والانتداب البريطاني لفلسطين(1918-1948م)، وهو من عائلة فلسطينية عريقة، كان والده عبد الحي الحسيني من أكبر علماء فلسطين ورجالاتها وأبلغ خطبائها، أما والدته فهي حورية الدجاني من القدس.

لقب فهمي الحسيني بـ (عملاق المحاماة في فلسطين)، كما قام بعمل كبير أثرى الواقع القانوني حيث قام بترجمة وتعريب مجلة "درر الأحكام في شرح مجلة الأحكام" للعلامة علي حيدر من اللغة التركية للغة العربية بأسلوب بليغ ورصين، كما قام بصياغة وإعداد أول سند قانوني لإيجار الأراضي والعقارات واستئجارها وهو معمول به إلى يومنا هذا.

في رحاب المسجد العمري التقت "وفا" المسن علاء أحمد الأصيل (85 عاما)، الذي هُجر من مدينة يافا عام 1948 الى مدينة غزة، وقال: هدم الضابط المصري خفاجة قصر فهمي بيك في شارع الوحدة حاليا لتوسيعه واصلاح وتطوير مدينة غزة وربطه بشارع عمر المختار وميدان فلسطين.

وتحدث الأصيل عن الانجازات التي حققها فهمي بيك الحسيني خلال فترته لرئاسة بلدية غزة، مشيرا الى العائلات التي سكنت المنطقة قبل الاحتلال الاسرائيلي مثل عائلات: العفيفي، وبشبش، وابو حشيش، وحبوش، والجاروشة، وعجور، وأبو عزو، وغيرها.

في 25 ديسمبر/ كانون الأول عام 1940، توفي فهمي بيك ودفن في مقبرة باب البحر عند قبور أسلافه، وقد رثاه الشيخ عثمان الطبّاع بأبيات من الشعر نقشت على قبره: لحـد حــوى ركنا عظيما ماجدا/ حـازم المكارم والمفاخر والسعود".