تغريدة الصباح - حنان باكير

بين زمنين

 في الأزمان الرديئة، حين تسيطر الأقلام المأجورة، ويصبح المتثاقفون رواد التغيير، نستذكر ونتحسّر على أزمان وشخصيات، مرت في تاريخنا كالحلم. صفحات مضيئة من تاريخ العلاقة اللبنانية الفلسطينية، كشفها لي الأديب والمجاهد والمؤلف شفيق الأرناؤوط، قبل سنوات طويلة. 
بدأ وعي شفيق على القضية الفلسطينية في العام 1936. كان شابا متحمسا، وكانت الأجواء ملتهبة حماسة في صيدا وفي الجنوب عامة، وتظاهرات التأييد لفلسطين، والتنديد بتهويد فلسطين واستنكار وعد بلفور، كلها عوامل ألهبت الجنوب اللبناني وجبل عامل بالحماسة والاندفاع، وكان شفيق يقف خطيبا على رأس تلك التظاهرات. وأن أسباب تلك الحماسة هو التواصل الطبيعي بين الجنوب وشمال فلسطين، لعدم وجود حدود فاصلة بين البلدين، إضافة الى عامل المصاهرة والزواج بين الطرفين. 
وحين قامت ثورة القسام سنة 1935، والتي خاضها ضد الانجليز، ودارت معارك طاحنة، في منطقة يعبد، وبدأت معها بوادر الثورة في مثلث النار، نابلس طولكرم، جنين، بدأت مقاومة الفلسطينيين للاحتلال وللتهويد. كانت هذه الأجواء التي صنعت تاريخ ونضال هذا الرجل، بالقلم وبالسلاح. 
ويضيف أن التظاهرات ضمت الشعب بكل فئاته، من الطلاب، وحتى العلماء في جبل عامل، ومنهم الشيخ أحمد رضا، والشيخ سليمان الضاهر من النبطية، وقد ألهبت خطبهم حماسة الجماهير. وفي احدى التظاهرات اعتقل الشيخ أحمد عارف الزين من شحور، وهوصاحب مجلة "العرفان" الشهرية المعروفة. فحكم عليه بالسجن وكذلك على المناضل معروف سعد لقيادتهما تلك التظاهرات المؤيدة للقضية الفلسطينية وتأييد الوحدة السوريه، والتي كانت هي أيضا محور اهتمام الرأي العام. ومع إطلالة العام 1938/ 1939، التحق بهم فريق من المناضلين من بينهم الملازم السوري بشير الزعيم، وهو شقيق حسني الزعيم الذي قاد أحد الانقلابات في سورية.
وشرح المناضل شفيق، كيف شدد الانجليز الخناق على الثوار واستقدمت التعزيزات العسكرية لقمع أي تحرك عربي. فشهد العام 1941 موجة اعتقالات للثوار في لبنان وفي فلسطين، اعتقل المناضل معروف سعد، وأودع سجن القلعة العسكرية في رأس بيروت، ثم نقل الى راشيا حيث قضى سنة ومنها نقل الى المية ومية، حيث أمضى أربع سنوات في المعتقل.
ثم روى لي كيف التحق معروف سعد، بالحرب الفلسطينية، بعد احتدامها في العام 1947، وكان ذلك قبل دخول الجيوش العربية الى فلسطين، إذ قام مع فريق من الشباب لاستكشاف المواقع، ووقع اختيارهم على بلدة المالكية واتخذوها موقعا لهم.
وفي هذه الأثناء، كان قد أنشئ "مكتب فلسطين الدائم"، في بيروت غايته مساعدة الفلسطينيين في المجالات كافة، تسليح، إغاثة، تعليم.. وضم هذا المكتب فريقا كبيرا من زعماء بيروت ووجهائها. كان رئيس المكتب الدكتور سليم ادريس، ومن أعضائه الحاج حسين العويني، الدكتور إدمون ربّاط، الدكتور جورج حنا، الدكتور يوسف حتي، المحامي جورج بشارة، المحامي حبيب ربيح، زهير عسيران، عماد الصلح وشفيق الأرناؤوط. وقد تم تشكيل لجنة لتأمين السلاح للفلسطينيين. كما عمد المكتب الى تأليف سريتين الأولى بقيادة معروف سعد، والثانية بقيادة الضابط محمد زغيب، الذي انتقل من الجيش الى متطوع في الثورة. وتم تسليح السريتين من خلال مكتب فلسطين والهيئة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني. تمركزت السريتان في المالكية وقَدَسْ. حيث دارت معارك حامية بينهم وبين اليهود.
بدخول الجيوش العربية، طلبت من المتطوعين تسليم أسلحتهم، لتتولى الجيوش العربية إنقاذ فلسطين.. يتنهد شفيق بسخرية مرّة. ويتابع، اعترض معروف سعد، على تسليم السلاح، معتبرا أنهم يخوضون حرب عصابات بمناطق معينة. لكنهم عادوا وسلموا سلاحهم للهيئة العربية العليا. سألته عن حقيقة اذاعة فلسطين التي كانت تبثّ من منطقة تلة الخياط؟ أجاب: كانت بالتنسيق بين مكتب فلسطين وقائد الجيش فؤاد شهاب. وتبدأ الاذاعة بـ "هنا صوت فلسطين" ثم النشيد الوطني، وأناشيد عسكرية للأخوين فليفل وابراهيم طوقان. كانت الاذاعة بإشراف شفيق الأرناؤوط، ومحمد بعلبكي وأنطون نبتة، وعماد الصلح.. ويتذكر الرجل استشهاد الضابط محمود زغيب.. سألته عن الدكتور اللبناني بشارة دهان، فأعاد رواية ما سمعته عن مستشفى عكا الذي أنشأه مكتب فلسطين، في عكا وبإشراف د. بشارة.. وكيف تصدى للعصابات الصهيونية، حين حاولت اقتحام المستشفى لتصفية الجرحى، فوقف فاردا يديه على المدخل صارخا "لن تدخلوا إلا على جثتي".. بعد النكبة كان له عيادة في شارع سبيرس في بيروت. 
حين قرر الحاج أمين الحسيني إصدار مجلة "فلسطين"، اتصل بالمناضل شفيق للتهيئة لإصدار المجلة التي كان سكرتير تحريرها اميل الغوري.
 بعد النكبة، لم تتوقف مقاومتكم، لكنها اتخذت أشكالا مختلفة، كيف؟ أجابني: كانت مقاومتنا بقيادة معروف سعد، لتنفيذ قرار مقاطعة البضائع اليهودية والانجليزية، وعدم إرسال البضائع الى فلسطين، فأقمنا الحواجز وقمنا بإتلاف البضائع والشاحنات التي تنقلها. بعد ذلك، قاومنا مشروع تهريب اليهود من سوريه ولبنان وبعض المتسللين من العراق، إلى فلسطين.. وألقينا القبض على بعض المهرَّبين والمهرِّبين.. يطلق محاوري تنهيدة طويلة.. كتنهيدتي حين أقارن بين الزمنين وبين رجالهما!