ملعقة يومية من زيت السمك.. واطار لحفظ الهوية

هآرتس– عمير هاس

أبناء الخمسين في غزة ما زالوا يذكرون بابتسامة والقليل من الاشمئزاز كأس الحليب التي تم اجبارهم على شربها كل صباح مع ملعقة زيت السمك. كبالغين هم يعرفون تقدير الاطار الداعم الذي اعطته للفلسطينيين وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الاونروا" والذي تم التعبير عنه ايضا بذلك الكأس والملعقة اليومية. ابن مخيم الشاطئ للاجئين الذي في الثمانينيات تعلم الرياضيات في جامعة بير زيت في الضفة قال إن نصف الطلاب في الصف كانوا من غزة، معظمهم لاجئين. "هذا بفضل اوميغا 3 الموجودة في الزيت الذي اخذناه من الاونروا"، سخر محدثي. ابناء السكان القدامى لغزة الذين ليسوا لاجئين كانوا يحسدون ابناء اللاجئين لأن مدارس الاونروا اعتبرت افضل من المدارس الحكومية، وحتى أنها وفرت دفاتر وأدوات للكتابة بما فيها ألوان بالمجان، لكن الفرق يكمن كما يبدو ايضا بهدف اللاجئين الطموح. بعد أن فقدوا ارضهم واملاكهم وبعد أن استيقظ بعضهم من الصدمة الاولى، علموا اولادهم بروح ذلك الهدف: تعلموا لأن التعليم هو ارضكم.
تعليم اساسي جيد (بالنسبة للمنطقة كما أكد على مسامعي احد خريجي ذلك الاطار) كان الخدمة الاساسية التي وفرتها وتوفرها وكالة الغوث، سوية مع الخدمات الصحية. غالبية موظفي وكالة الغوث في كل مناطق نشاطها، الذين يعدون اليوم حوالي 30 ألفا يعملون في هاتين الخدمتين الاساسيتين. كلما كان لسكان المخيمات فرص اكثر للعمل وكسب الرزق قلت الحاجة الى خدمات مثل توزيع الغذاء. وكلما كانت الاونروا ملزمة بزيادة الاستثمار في خدمات الطوارئ– هذا يؤثر على جودة الخدمات الحيوية للتعليم والصحة.
على الرغم من الغاء الدعم المالي للولايات المتحدة المالي للاونروا، في الاسبوع الماضي فقد فتحت كالعادة السنة الدراسية الجديدة في 711 مدرسة اساسية تابعة لوكالة الغوث هذه، التي تنتشر في اربع دول: لبنان، سوريا، الاردن والضفة الغربية وغزة. العطلة الصيفية انتهت والـ 526 ألف طالب وطالبة فلسطينيين يخرجون مرة اخرى كل صباح من بيوتهم التي توجد في حوالي 60 مخيما للاجئين ويصلون الى المدارس التي ما زالت تحافظ على علامات موحدة: ابواب ونوافذ مطلية باللون الازرق، علم الامم المتحدة (قارات العالم تحيط بها سنبلتين)، اشجار كثيرة في الساحة التي جذوعها باللون الابيض، صور الخيام من العام 1949 معلقة على الجدران.
هذه الرموز الموحدة تم الحفاظ عليها تقريبا سبعة عقود، ملايين الاطفال الفلسطينيين عرفوا علم الامم المتحدة قبل أن يعرفوا اعلام الدول المستضيفة، وحتى علم فلسطين، وقبل أن يعرفوا نجمة داود التي تعلموا كرهها جدا كممثل للعنف العسكري اليومي. لقد التقوا باللون الازرق المميز حتى عندما ذهبوا الى العيادة في المخيم لسبب ما أو عندما تلقوا وجبة الأكل المخصصة فقط للاطفال الذين لا يعمل آباؤهم.
وكذلك الامر، فان عملية الهندسة المعمارية التلقائية التي اجتازتها المخيمات: من صفوف الخيام وحنفيات ومراحيض في طرف كل عدة خيام الى صفوف أقل تنظيما لعدد من الغرف خلف ساحة داخلية، والتي سرقت بضع سنتيمترات من الازقة، هكذا ضيقتها اكثر، الى أن بدأت المباني ترتفع في التسعينيات من اجل اسكان أبناء العائلة الذين كبروا. توفيرات ابناء العائلة الذين وجدوا عمل مكنت من ذلك (في غزة والضفة وسوريا، وقبل الحرب اكثر مما كان ذلك ممكنا في لبنان).
في مخيمات اللاجئين تم الحفاظ في البداية على تقسيم جغرافي بين قرى المنشأ التي طرد منها السكان وكذلك تقسيم فرعي حسب العائلات الموسعة. مع مرور السنين والتزاوج بين ابناء القرى المختلفة، فان هذه التقسيمات اختفت. في المجتمع الذي يحافظ حتى الآن على الاخلاص وعلى الروابط المادية حسب العائلة الواسعة، فان مخيمات اللاجئين خلقت تجمعات ذات طابع اكثر حداثة، لأنها وسعت حدود الثقة بالقاعدة الاجتماعية الى ما بعد علاقة الدم، أي من العائلة والحمولة الى تجمع اكبر لأشخاص يعيشون في نفس الواقع الصعب، الذي يوجب عليهم تدبر امورهم في حيز صغير للحياة، اصغر بكثير مما عاشوا فيه هم أو آباءهم في السابق. الوعي بشراكة المصير الاجتماعي والوطني، الذي يتجاوز شراكة مصير ابناء العائلة ازداد. هذا حدث حتى قبل أن تترسخ المنظمات الفلسطينية التي كانت حتى اقامة السلطة الفلسطينية ليس فقط أداة معارضة ونضال ضد اسرائيل وضد الاحتلال، بل ايضا نوع من الحمائل الاعلى التي خلقت الانتماءات الداخلية الموسعة وطورت شبكات حماية ومساعدة متبادلة خاصة بها.
اللهجة الفلسطينية ايضا تم الحفاظ عليها في المخيمات، والذين جاءوا من قرية واحدة أو منطقة معينة حافظوا على اللهجة الخاصة بهم، داخل هذه اللغة. على مر السنين أخذت اللهجة الفلسطينية في كل دولة مستضيفة نوع اللغة العربية الخاصة بها، لكن ما زال من السهل حتى الآن في هذه الدول تشخيص من هو الفلسطيني حسب لهجته.
هناك مخيمات اجتازت ايضا عملية سسيولوجية مشابهة، من استيعاب فقراء ليسوا لاجئين. هكذا في مخيم اليرموك في دمشق قبل هدمه في الحرب الاهلية. وهكذا الامر في عدد من المخيمات في لبنان أو في مخيم شعفاط في القدس. بموازاة ذلك، من كانوا متيسرين استطاعوا ترك المخيمات. ابناء مخيم الدهيشة قرب بيت لحم بنوا في الجانب الآخر من الشارع امتداد لمخيمهم والآن يشكل بلدة منفصلة وكبيرة اسمها الدوحة (على اسم عاصمة قطر، الدولة التي تبرعت لشراء الارض من سكان بيت جالا). هكذا ايضا وجدت مخيمات مثل الشبورة وجباليا في قطاع غزة امتدادات لأحياء اكثر راحة. ولكن العلاقة والمحبة للمخيم – ليس اقل منها لقرية المنشأ– تم الحفاظ عليها.
ليس هناك شك أن الاطار الوحيد الذي وفرته وكالة الغوث لملايين الفلسطينيين الذين عاشوا ويعيشون في المخيمات، في السبعين سنة الاخيرة، ساعدهم في الحفاظ على خطوط التشابه فيما بينهم. ولكن لولا وكالة الغوث، هل كانوا سيذوبون تماما في المحيط المختلف (بالاساس خارج فلسطين) وينسون أنهم فلسطينيين، كما يأمل رجال الدعاية المناهضة للوكالة أو كما يدعون؟ في دول اميركا الجنوبية يعيش مئات آلاف الفلسطينيين الذين ليسوا لاجئين (لأنهم هاجروا بارادتهم ودون علاقة بالحروب). ولم يعيشوا في يوم ما في مخيمات اللاجئين.
هم لم يتخلوا عن فلسطينيتهم وابناء الجيل الثاني والثالث يعززونها ويعززون وعيهم السياسي، واذا لم يكونوا يتحدثون العربية فهم يحاولون تعلمها الآن. لولا وكالة الغوث هل كان اللاجئون الفلسطينيون سيحافظون على الروابط والمشاعر مع القرى والمدن التي جاءوا منها، ولم يكونوا يؤسسون عليها مطلبهم السياسي بحق العودة؟ من يعتقدون ذلك يستبدلون المضمون بالاطار. حتى اذا نجحت الولايات المتحدة واسرائيل في تدمير الاطار، وكالة الغوث، الرد على هذا الهجوم السياسي والمادي يعزز لدى الفلسطينيين العلاقات التي تربط بينهم. هذا ايضا في موازاة عملية تفكك النظام السياسي التقليدي في الستين سنة الاخيرة، الذي وحد بين الفلسطينيين في اماكن تواجدهم، في المخيمات وخارج المخيمات. الاحزاب التي شكلت (م.ت.ف) غير موجودة أو ضعيفة ومتنازعة في داخلها وفيما بينها. 
الاطار الذي يتوق ترامب ونتنياهو الى تدميره بقي كما كان خلال سبعين سنة – جهة مسببة للاستقرار الاقتصادي، والاجتماعي ايضا. ميزانية الاونروا العامة هي حوالي 1.2 مليار دولار. الميزانية العادية هي 567 مليون دولار، و450 مليون دولار توجه للتعليم، و400 مليون تخصص لميزانية الطوارئ. و90 في المئة منها موجه لقطاع غزة. فقط هذا المبلغ المرتفع يدل على وضع جيب الشاطئ الصغير، وعلى التداعيات الشديدة التي كانت للهجمات، وبالاساس على قيود الحركة والتجارة التي تفرضها اسرائيل، التي حولت نصف قوة العمل في غزة الى عاطلة عن العمل.
باقي الميزانية مخصصة لمشاريع اعادة اعمار مختلفة (مخيم نهر البارد في لبنان مثلا أو ما تبقى من اعادة الاعمار في غزة). قبل ثمانية اشهر تقريبا ومع الاعلان الاول عن تقليص دعم اميركا بـ 300 مليون دولار، كان العجز في الميزانية تقريبا 500 مليون دولار. بجهد كبير حيث ساهمت دول مثل السعودية وقطر والامارات كل واحدة بـ 50 مليون دولار، انخفض العجز ووصل الآن 270 مليون دولار.
الوكالة اضطرت الى تقليص فوري في خدمات الطوارئ، واحدى الخدمات الهامة فيها – الدفع النقدي للعاطلين عن العمل في قطاع غزة (النقد مقابل العمل)، كذلك تم وقف مشاريع طوارئ اخرى: خدمات معالجة نفسية لمن يعانون من الصدمات بعد الهجمات الاسرائيلية، مساعدة للبدو في مناطق "ج"، مساعدة للمزارعين الذين تم احتجاز ارضهم ومصدر رزقهم خلف جدار الفصل وعيادات متنقلة. ما يتم تمويله حتى الآن هو توزيع الغذاء والمواد الصحية (مثل مواد التطهير) مرة كل ثلاثة اشهر لحوالي مليون من سكان القطاع. في اطار التقليص اضطرت الوكالة الى عدم تجديد العقود لـ 160 عاملا مؤقتا في غزة، وتقليص الرواتب لمئات العاملين في مشاريع الطوارئ. السؤال الكبير هو: ماذا سيكون مع ميزانية 2019، هل الوكالة ستضطر ايضا الى تقليص وحتى اغلاق خدمات التعليم والصحة؟