في اسرائيل اليوم .. جابوتنسكي كان سيكون يساريا

هآرتس - يعقوب شبيط ودمتري شومسكي

"في ارض اسرائيل سيجدون دائما الى جانب الشعب اليهودي ايضا ابناء شعب آخر"، كتب زئيف جابوتنسكي في 1937. بكونه شارك في صياغة خطة هلسنكبورس في 1906 (التي هدفت الى تسوية مكانة الاقليات القومية في الامبراطورية القيصرية) فقد كان مستعد لأن "يقسم باسمنا وباسم احفادنا بأننا لن نخرق هذه المساواة في الحقوق ولن نحاول اقصاء احد أو قمع أحد".  

مسألة الاقليات القومية، كتب جابوتنسكي في 1912 "هي من المسائل المهمة جدا في حياة كل الشعوب؛ هي تقتضي من المشرع تدقيقا في كل تفاصيلها وقواعدها". طوال حياته بقي وفيا للمبدأ الذي يقول إن الاقلية القومية تستحق حكم ذاتي حتى أنه صاغ بالتفصيل معظم مجالات هذا الحكم الذاتي.

بكلمات اخرى، جابوتنسكي حاول صياغة الحدود بين سيادة الاغلبية القومية التي تحدد طابع الدولة وكذلك سياستها وبين حق الاقلية للعيش حسب ما تريد، أي ممارسة حياة مستقلة. أي الاغلبية تحدد طابع الدولة ولكن في نفس الوقت تسمح بمناطق لقاء واستقلال ذاتي واسعة، شريطة أن لا تضر بالسيادة. بحسب ذلك يوجد للاغلبية حقوق زائدة في مجالات مختلفة، لكنه ليس فقط يعترف بوجود الاقلية وحقها في التعبير عن خصائصها القومية المميزة، بل ايضا يضمن لها في القانون مساواة في الحقوق المدنية.

هذه الرؤية صاغها جابوتنسكي سواء من اجل تسوية مكانة الاقليات القومية اليهودية في الدول غير اليهودية، أو من اجل ضمان الحقوق القومية للاقلية العربية في الدولة اليهودية. اجل، في 1911 في الوقت الذي ادعى فيه اليمين القومي المتطرف في بولندا في روسيا القيصرية بأنه للاقلية اليهودي كجماعة قومية ليس هناك مكان في بولندا العتيدة، فان جابوتنسكي قرر وبقوة: "نعم، في بولندا يوجد قوميتان، والمدن البولندية، أي مراكز الثقافة  المحلية هي للقوميتين معا. الجانب الاول (أي البولنديين) لن يحبوا هذا؛ الجانب الآخر سيدعي أن اولئك هم القذرون الجدد الذين جاءوا منذ فترة قريبة غزاة لجنة الكرز، لكن الجانب الآخر سيرى في ذلك انتصارا لمباديء الديمقراطية ومساواة للاعراق في اوساط الانسانية. كل واحد سيشعر حسب نهجه، لكن ليست المشاعر هي ما يهمنا هنا، بل الحقائق. بولندا هي بلاد البولنديين واليهود. وبشكل عام هي بلاد كل القوميين الذين يعيشون فيها".

في 1926 عندما اراد الاجابة على مسألة الشكل المستقبلي للدولة اليهودية، بعد أن تصبح فيها اغلبية يهودية، تطرق جابوتنسكي بشكل صريح لاقواله حول المسألة البولندية اليهودية، كنموذج قانوني يجب تبنيه من اجل تسوية العلاقات بين الاغلبية القومية اليهودية والاقلية القومية العربية: "ارض اسرائيل العتيدة يجب أن تكون مبنية من ناحية العلاقة القانونية، كدولة ثنائية القومية. وليس فقط ارض اسرائيل. كل بلاد يوجد فيها اقلية اثنية مهما كانت صغيرة، ولكنها ذات وعي قومي، يجب عليها في النهاية أن تلائم نظامها القانوني مع هذه الحقيقة وأن تتحول الى دولة ثنائية القومية أو ثلاثية القومية أو ذات اربع قوميات... كاتب هذه السطور كتب منذ فترة طويلة أن بولندا هي "ارض البولنديين واليهود"، وعليها أن تكون قائمة من ناحية العلاقة القانونية كبلاد لشعبين".

الدليل على أنه لن يتخلى عن هذه الرؤية حتى آخر حياته هو كتابه الاخير "جبهة القتال لشعب اسرائيل" (الذي طبع بالعبرية والانجليزية في 1940) وفيه رسم صورة الدولة العتيدة، وضمن امور اخرى قال إنه "يجب تطبيق مبدأ المساواة في الحقوق لجميع المواطنين من كل الاعراق، الديانات، اللغات أو الطبقات بدون أي تقييد، في كل مجالات الحياة العامة في البلاد". وكذلك "في كل مجلس وزراء يكون فيه رئيس الحكومة يهودي، يكون نائب رئيس الوزراء عربي وبالعكس"، و"اللغة العبرية واللغة العربية تكونان متساويتين في الحقوق وقوتهما القانونية".

هذه الاقوال كتبت في وقت صعب للشعب اليهودي، في الوقت الذي طورد فيه وكان منهكا. قانون القومية في المقابل سن من قبل جهة سيادية قوية، وهنا بالضبط هذا القانون يكشف ليس فقط قومية متطرفة، بل ايضا انعدام ثقة مرافق، الذي يريد القانون معالجته بواسطة سلسلة من التصريحات الرمزية. هو لا يكتفي مثلا بالقول إن الاغلبية اليهودية في دولة اسرائيل هي التي تحدد طابعها، بل اراد ايجاد تعريف حديث – ليس فقط في تاريخ الصهيونية، بل ايضا في تاريخ شعب اسرائيل – "دولة القومية للشعب اليهودي". بالطبع، دون أن يسأل الشعب اليهودي عن رأيه، هل دولة اسرائيل هي دولته القومية؟.

لو أن من يحلفون بحياة جابوتنسكي كلفوا انفسهم تصفح كتاباته وقراءة اقواله حول واجب أن تحدد بالقانون حقوق الاقلية، لكانوا سيتهمونه بأنه يساري. وعلى فرض أن جابوتنسكي نظر لرؤساء الليكود وهم يلتقطون الصور تظهر فيها صورته، كان سيقول لهم أنتم لستم أبنائي.