لقاء الرئيس عباس وجلالة الملك.. الأردن يشتري الموقف الفلسطيني ويدعمه

كتب سلطان الحطاب

يصل الرئيس عباس إلى عمان، وهو غالباً ما يصلها إما إلى منزله في العاصمة الأردنية الذي لا يأتيه إلا مغادراَ منه أو عائدا إليه، وهو محطة وصل إلى وطنه فلسطين.

في هذه الزيارة المعلن عنها مسبقاً يصل ليلتقي مع جلالة الملك العائد من الولايات المتحدة والذي في جعبته الكثير من المعلومات وحتى التفكير للمرحلة القادمة..

الرئيس عباس الذي حافظ على موقف صلب ومبدئي من سياسات الإدارة الأميركية المنحازة لإسرائيل حد التطابق معها بل وحتى المزايدة على كثير من الإسرائيليين في مسألة القدس ومسائل الحل النهائي، هذا الموقف الفلسطيني الذي أعلن عنه الرئيس مبكرا حين أشار بالنقد الواضح والقوي للسياسة الأميركية وفي وقت سبق حتى ما جرى تسريبه فيما سمي بصفقة القرن.

فالرئيس عباس احتج على موقف الإدارة الأميركية يوم أعلنت إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية فكان موقفه صلباً ورافضاً وقد عبر عن ذلك بوضوح حين امتنع وقتها عن مقابلة أي مسؤول أميركي وعلى أي مسؤول يريد زيارته في رام الله أن يتحدث أولاً مع رئيس بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

كان الرئيس عباس يدرك أن ما أقدمت عليه الإدارة الأميركية شكل من أشكال الضغط على قيادته ومحاولة للي اليد تمهيداً للاحق من الإجراءات الأميركية التي عبرت عنها الإدارة بشكل عدواني سافر، في نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس وفي الإعلان الأميركي العدواني الذي اعتبر القدس كلها عاصمة لإسرائيل.

كان الموقف الأميركي مفضوحاً ومزدوجاً في معاييره حين فرق بين السلطة الفلسطينية وأبقى الحوار معها وأراد التواصل بمبعوثيه لها وبين منظمة التحرير الفلسطينية التي اتهمها بالإرهاب، وقد عبر الرئيس أبو مازن عن ذلك الموقف غير المفهوم بالسخرية منه، إذ انه هو رئيس المنظمة وهو رئيس السلطة فهل يتعاملون مع نصفه ويتركون نصفه الأخر؟ وكان لموقف الرئيس الصلب أن تمكن من عزل الموقف الأميركي الذي راح يتراجع..

الضغوط الأميركية على الرئيس عباس وجدت موقفاً صلباً "ويا نار كوني برداً وسلاماً على عباس" الذي أُعُلن أمام القيادة في اجتماعاتها المختلفة، عبر المجلس الوطني، واللجنة المركزية، والمجلس الثوري لفتح، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وقد جرت تعبئة الشعب الفلسطيني ضد الموقف الأميركي وما يشكله من خطورة على القضية الفلسطينية.

كما ذهبت الدبلوماسية الفلسطينية النشيطة تجوب العالم كله وتلتقي بقياداته وبرلماناته وأحزابه وهيئاته التمثيلية، تفضح الموقف الأميركي وتؤطر لموقف فلسطيني واضح يتمسك بالشرعية الدولية، ويقبل القسمة على الموقف الدولي ويتشارك معه في اعتبار أن المواقف الأميركية الجديدة خطيرة وفيها انقلاب على الشرعية الدولية ومواقفها، وتوافق دول العالم حول القضية الفلسطينية، ونفس مواقف الفعل الفلسطينية والصلبة والواضحة، كانت أيضاً في وجه الموقف الأميركي الذي دعا لتقليص خدمات الاونروا وتجفيفها باعتبارها معلماً وعرضاً حياً للقضية الفلسطينية، ودلالة على حيويتها ووجود اللاجئين كمظهر من مظاهرها كان وما زال، وهذه السياسات الأميركية الرعناء التي لم يتوقف الرئيس أبو مازن عن نقدها وتفنيدها وفضحها عبر العالم، أمعنت في عدائها حيث دعا المبعوثون الأميركيون للمنظمة والذين لم يستقبلهم الرئيس إلى بث رسائل واعتبار أن الاستيطان الإسرائيلي مشروعا كما جاء على لسان المستوطن سفير الولايات المتحدة، لقد وصل الضغط الأميركي على القيادة الفلسطينية حدّ الدعوة إلى قطع المخصصات المالية المقدمة لأسر الشهداء والأسرى والمعتقلين، وخصم ذلك من الأموال الفلسطينية المقتطعة من الضرائب والرسوم التي تحصلها إسرائيل من أموالهم.

موقف القيادة الفلسطينية الصلب ظل برسم أن تأخذ به أو تتأثر به بعض القيادات العربية المؤثرة الاخرى، وقد نجح هذا الموقف الفلسطيني في جعل بعض القيادات الغربية المؤثرة تراجع موقفها من السياسة الأميركية في هذه القضية تحديداً وهي قضية صفقة القرن، وقد صدرت مواقف واضحة وايجابية من المملكة العربية السعودية، وغيرها أكدت على الموقف الفلسطيني وعلى حل الدولتين والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

وجد في الموقف الأردني الذي لم يتغير رغم الضغوط الإسرائيلية الأميركية بل ظل سنداً ودعماً للموقف الفلسطيني، وهو موقف يستحق الشكر والثناء لالتزامه المبدئي في تأكيد ثوابت الموقف الأردني الذي عبر عنه الملك عبد الله الثاني قبل سفره الطويل للولايات المتحدة، وحتى داخل الولايات المتحدة في لقاءاته المتعددة مع إدارة ترامب ومع نواب وسيناتورات وحزبيين وأكاديميين ومجموعات ضغط ولوبيات، ونجح الملك عبد الله الثاني في تبصير القيادة الأميركية بمخاطر دعوتها ومواقفها، وضرورة رد هذه الدعوات وتغيير تلك المواقف وبغض النظر عن مدى الاستجابة المعلنة الأميركية للموقف الأردني، إلا أن ردود الفعل الأولية أظهرت دعماً أميركياً للموقف الأردني في عديد من المجالات، مما جعل صفقة القرن تصبح وراء الجميع، وتصبح مجرد مشروع أو اقتراحات كتلك التي كانت تطرح عبر عقود الصراع، ومع ذلك لم ينطل على قيادة الرئيس عباس طبيعة تقلب المواقف الأميركية من جانب الإدارة وهو ما خبره العالم عن هذه الإدارة، ولذا حذر الرئيس عباس وما زال يحذر من حركات المد والجزر والالتفاف والإيهام والضغوط واستخدام بعض دول المنطقة، ومصالحها لخدمة السياسة الأميركية بجوانبها المنحازة لإسرائيل.

الرئيس محمود عباس أدرك حجم الضغوط على الأردن ودعا إلى ضرورة الوقوف إلى جانب الأردن في تأكيد مواقفه الثابتة والمبدئية من القضية الفلسطينية، واعتبار الشراكة الفلسطينية الأردنية في هذا السياق مصيرية، فالأردن لن يخذل الشعب الفلسطيني وقيادته، ولن يخذل مواقفه المستمرة في تأييد قراراته الشرعية الدولية ورغم أن جلالة الملك قال: ان ضغوطا لم تمارس عليه من الإدارة الأميركية بشكل مباشر، إلا أن تعبيره الواضح والقوي جرى التوقف عنده من جميع المراقبين حين قال: انه رفض ما يجري في الغرف المعتمة، وهو مصطلح يدلل على اختلاف وتباين مستوى الخطاب بين معلن وكامن، واختار الأردن أن يكون موقفه معلناً وواضحاً وفي الغرف المفتوحة والمضادة، معيداً نفس التأكيد الذي عبر عنه جلالة الملك في لقائه مع مجلس الوزراء الأردني قبل ثلاثة أيام.

زيارة الرئيس عباس تأتي في أجواء ايجابية وأخوية ولتدعيم رؤية مشتركة فلسطينية أردنية تواصل العمل لمحاصرة كل المبادرات والمواقف والخطوات التي يتخذها الاحتلال وأخرها وأخطرها قانون القومية الإسرائيلي الذي يحرم أهل البلاد فلسطين الأصليين حقوقهم كما يحرم الأقليات العديدة حقوقها ويكرس حق تقرير المصير لليهود فقط، ويجيز لهم العودة من كل أنحاء العالم إلى إسرائيل كوطن لهم، ويحرم هذا الحق ويمنعه عن الفلسطينيين الذين لم تقبل سلطات الاحتلال حق تقرير مصيرهم أو اعتبارهم مواطنين على أرضهم وإنما برسم الاقتلاع والتبديد.

جلالة الملك وفخامة الرئيس اكدا في مؤتمرهما الصحفي الأربعاء الماضي على مواقف واضحة وثابتة، من المأمول أن تفضي إلى رؤية وخطة مشتركة، وخارطة طريق بديلة لما أشاعته صفقة القرن من خطط، واعتقد ان القيادتين ستبادران في الأيام القادمة إلى طرح البديل بالتأكيد على حل الدولتين مرة أخرى إذ لا خيار سوى السلام ولا خيار للسلام سوى حل الدولتين، وان استمرار العبث الإسرائيلي يهدد الأمن والسلام في المنطقة.

تلتقي القيادتان على موقف واضح تسند كل منهما الأخرى وستكون لهذا الموقف الواضح المشترك أهميته الكبيرة على المستوى العربي، ودول هذا المستوى وعلى مستوى القمة، وأيضاً على المستوى الشعبي ومؤسسات المجتمع المدني فالقضية الفلسطينية بالنسبة للأردن هي قضية وطنية، تحل من خلال حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية هي مسالة وطنية أردنية.

سيجد الأردنيون والفلسطينيون وهم يمسكون بموقفهم الثابت والمعلن أن عليهم أن يتحركا بشكل مشترك في الإطار العربي لتعضيد ذلك وفي الإطار الدولي أيضاً لقطع الطريق على الخطط الإسرائيلية للحكومة اليمينية التي يرفضها العالم ويحتاج رفضه إلى تصليب ودعم وخطط يتحول إلى موقف لا تستطيع إسرائيل أن تتجاوزه.

لقاء القيادتين الأردنية والفلسطينية يبعث الأمل في العمل العربي من أجل القضية الفلسطينية وهو يأذن بمرحلة جديدة فقد صمد البلدان بإرادة قيادتيهما وسعيهما، صموداً قوياً وما زال، وسيبقى حتى يحقق الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

--------

عن "عروبة الإخباري"