حدث في باب الأسباط- مانفيستو الاحتجاج

المتوكل طه

لقد شهدنا لعبةَ المجزرة، ولمسنا التعاقدَ المسعورَ بين ولاياتِ الموت وكيانِ المذابح، وكان الحقُّ مزحةً وحشيّة ، ولم نحظَ بعُزلةٍ مجيدةٍ تُضيءُ حقولنا الروحيّة ، لأنّ الهواءَ الملغومَ فخّخته قوىً دموية وفاحشة.

وحُرِمنا من الفرح الذي يرتفع مثل السهام، فكانت بهجتُنا تسقطُ في عقولِ الجثث .. لكنَّ قلوبَنا لم تشعر بالملل .. لأنها تغذّت على النار! فَقُمنا بتخصيبِ مشهدِنا بِجَمالٍ مُقاوِمٍ جديد ، ليبدأ عهدُ الضوءِ السماويّ ..

وهيّأنا لصغارِنا نومَهم النقيَّ ، وأحَطْناهم بالأغاني المُشرقةٍ ، وكان  لا بدّ لهذه المظلمةَ إلا أن تنتهيَ مثلَ الدخان.

 ومَن لا يريد أن يرتعش عليه أن يخطو.

كان المطرُ عرقَنا ، ودمُنا هو القوة ، وألقينا أيدينا من السماءِ إلى الجحيم ، وحاربنا سَحرةَ النومِ ، والفنَّ المُضادَ ، وقلوبَ الموتى، ووقفنا أمامَ الذين يُؤدّون الحِيَلَ ويستمرؤن الشبهَة ، وأولئك الذين يتمتعون بجوّدةِ القسوة .

كانت أفكارُنا تهربُ من وراءِ القضبان ، وقلوبُنا ساخنةً مثل غيمةٍ ملتهبة ، وتجاوزنا مرايا الغموض ، التي لا يتألّق فيها أحد ، وتجاوزنا الهاويةَ الداكنة.

لم نكن نريدُ أن نسحبَ أحداً إلى نهرِنا، غير أنَّنا كنّا في حربٍ مع التاريخِ ، ومع جميع السلطاتِ التي تُقيمُ في أشكالٍ فاشيّةٍ ومخيفة، ومع ما يُقيّدُنا مع مخاوفِنا الخبيثة .. وأردنا لصورتِنا أن تكونَ ضدَ السماء الساكنة ، لأن هدفَنا الأغلى والأعلى ، كان وما زال هو قوّةُ الحقيقية ، مثلما أردنا أن ننامَ ، فقط ، لنُسَلِّمَ أنفسَنا للحالمين .. كما رغبنا أن نلتقي غزالةً نعصرُ خصرَها مثل الأكورديون .. تحت زيتونةٍ تتربّعُ على كرسيّ الأبد .

باختصار ؛ كانت لدينا قصتُنا القاسيةَ الرائعة ، ويكفي أننا انتصرنا على مَن كان ينظر إلينا كأنه ينظرُ إلى خطيئته.. ذاك أنّ عينيه مليئتان بالسُّمِ والهجران، واستطعنا أن نتخلّص من النهايةِ الخائبةِ بعسلِ التَجذُّرِ والرِباطِ الشريف ، وأن نُعلي صورتَنا النجميّةَ في كرنفالِ صلوات الأسباط الصوفيّة الفذّة ، التي استطاعت أن تجمع البدرَ ليكتمل ويصلحَ للطقوسِ الأخيرة ..

لم يأتِ أحدٌ ليجدَ القدسَ أرضنا صِفراً، بل لديها إرثٌ باذخٌ ، لم يتخثّر نُعمانُه ، كصحنِ الجمر وبراعمِ الدمِ وسخونةِ البرق .. لم نكن قطيعاً أو هائمين على السّراب ، بل كانت لدينا حضارة تتجلّى فيها النجوم ويتصادى فيها الإبداع الخلّاق الشامل ، فكان الساحل منارة للأُمم ، مثلما كانت جبالنا أعراساً للطيور .

وقصدتُ ، أن أُساهمَ في تأصيلِ الغضب ، ليصبحَ سبيكةً قادرةً على المواجهةِ ، وحفظِ الذاكرة في المدارِك ، وطردِ المجانية واللاشيء.