العلمانيون يحملون الدولة على أكتافهم

هآرتس- بقلم: رامي لفني

يمكننا فهم أوري مسغاف. غضبه من قانون التجنيد ومن التهويد المتزايد في الجيش مبرر ويشاركه فيه الكثيرون. ولكن الاستراتيجية التي يقترحها على العلمانيين – مقاطعة الجيش والبدء بتطوير رؤية ذاتية كقطاع – هي خاطئة، وهي التي ساهمت من البداية في خلق الوضع الراهن.

يجب التذكير أنه حتى في هذه الايام فان العلمانيين ليسوا أقلية، لا ديمغرافيا ولا في الوعي. هم الجماعة الاجتماعية الاكبر بصورة واضحة (43 – 44 في المئة)، وسوية مع التقليديين هم يشكلون حوالي 80 في المئة من مواطني اسرائيل اليهود. هم المجموعة التي حملت وما زالت تحمل عبء الدولة على أكتافها، والوحيدة التي لها رؤية عالمية وليس قطاعية، للاسرائيلية. من ناحية تاريخية العلمانيون لم يهتموا في البداية بحقوقهم الخاصة، بل صالح الدولة والمجموع – وهذا كان مصدر قوتهم وقوة جذبهم. من اجل أن تكون اسرائيلي كان يجب عليك المشاركة في المجتمع الذي بناه العلمانيون والاندماج في المؤسسات التي شكلوها ومنها الجيش الاسرائيلي. وهذا نجح من ناحية العلمانيين. اسرائيل كانت حقا بمفاهيمها الاساسية دولة علمانية تدار، رغم انحرافات هامة، بصورة علمانية.

إلا أنه في السنوات الاخيرة، لا سيما بسبب اليأس والضعف، اكتشف العلمانيون القطاعية. الكثيرون منهم لا يؤمنون أنه يمكنهم التأثير على نهج الدولة، حينئذ هم يريدون الدفاع عن مصالحهم ونمط حياتهم كأقلية. هذا بدأ بالاصطفاف حول احزاب مثل شينوي ويوجد مستقبل، التي قلصت برامجها الى خط ضد ديني – ضيق وليست فيه التزامات سياسية، واستمر في عدم الاهتمام المتزايد من جانبهم بمواضيع الدين والدولة، التي تعالج هيئة المجتمع الاسرائيلي، مثل تجنيد الحريديين – لصالح التركيز على نمط الحياة العلماني الانفصالي، مثل فتح الحوانيت في ايام السبت. هذه الخطوات جاءت بموازاة الابتعاد النفسي، وبالتدريج ايضا الجسدي، للنخب العلمانية من الجيش الاسرائيلي وهبوط مكانته الرمزية كبوتقة صهر للمجتمع الاسرائيلي.

هل كل ذلك ساعد الشأن العلماني؟ بالعكس، بدلا من أن تعزز القطاعية الموقف العلماني فقد اضعفته؛ تنازل العلمانيين عن التفاخر بالقيادة والتأثير أدى الى التقليل من وضعهم في نظر مجموعات اخرى والى تكمشهم. الاماكن التي اخلاها العلمانيون احتلت بسرعة من قبل ابناء الصهيونية الدينية. في نفس الوقت، القضم النسبي في قيمة الجيش التي احدثها العلمانيون وفي رؤيته كوسيلة للتحرر الاجتماعي فقد قللوا الضغط على الحريديين للتجند وعززوا قوة مساومتهم السياسية. ونتيجة لذلك تحول الجيش الى هدف سهل المس به من قبل توجهات التهويد. الخاسرون من كل ذلك هم العلمانيون.

يحظر على الحريديين التنازل عن الجيش الاسرائيلي، ليس من اجل الحريديين، بل من اجل انفسهم. الشعار الذي كان ذات يوم والذي يقول إن من يتجند للجيش يكسب، ما زال صحيحا بدرجة كبيرة، بالتأكيد من ناحية سياسية. طالما أن الحريديين لا يذهبون الى الجيش العلماني، فسيبقون من نواحي كثيرة خارج اللعبة. واذا ترك العلمانيون الجيش فانهم سيضرون بأنفسهم. يجب فعل كل شيء من اجل أن يتجند الحريديون، لصالحهم ولصالح المجتمع الاسرائيلي كله. الحديث لا يدور عن مساواة في العبء، بل عن ضم الحريديين الى اللعبة التي هي مصلحة علمانية جوهرية. بموازاة ذلك، يحظر على الحريديين تبني موقف قطاعي. قوتهم جاءت وتنبع من كونهم اغلبية لهم دور عام في المجتمع. وفي الوقت الذي يكفوا فيه عن أن يشكلوا اغلبية قادرة، وطالما أنهم يناضلون لوضع "معيار"، ستنتهي ايضا القوة العلمانية. عندها ستفتح حقا بوابات التهويد.