راهن على كل الصندوق

معاريف – بن كسبيت

من الصعب على المرء الا ينفعل لرؤية صور دونالد ترامب وكيم يونغ اون يتصافحان ويكادان يتعانقان في سنغافورة، بعد أشهر قليلة من تبادلهما التهديدات الاخروية النووية. لا شك أن هذا كان حدثا تاريخيا من الناحية الفنية ايضا (لاول مرة يلتقي فيها رئيسا امريكيا حاكما كوريا شماليا) ومن الناحية الجوهرية ايضا. فرياح الحرب استبدلت باجراس السلام، ولا يصدق ما يحصل ويتحقق أمام عيوننا. "العجوز الاشمط" يصافح "رجل الصواريخ الصغير" ويعطيان الانطباع بانهما هاهما لتوهما سينتقلان للسكن معا.

عندما ستتبدد سحب النشوى سنبقى مع تساؤلات قاسية ومصادر قلق غير بسيطة. فحادو النظر وحساسو السمع منا كان يمكنهم ان يلاحظوا هذا في البيان الصحيح والجاف الذي نشره رئيس الوزراء نتنياهو أمس، بتأخير ساعات طويلة، بعد القمة. لو كنت نتنياهو، لكنت أنا ايضا سأقلق. فقد سافر رئيس الولايات المتحدة أمس نصف العالم كي يلتقي دكتاتورا شتمه، طور صواريخ باليستية، هدده بالنووي، خرق كل الاتفاقات التي وقع عليها، حاز على سلاح نووي، يقمع مواطنيه – وكل هذا مقابل تصريح غامض وعديم الاهمية. بيل كلينتون، قبل 23 سنة حصل على تصريح افضل من هذا، دون أن يدفع الثمن. كلينتون الليبرالي، المسالم، لم يتصور نفسه يسافر للقاء أبي أون. اما ترامب فجاء هرولة وكاد يذوب أمام الرجل ذي السترة المزررة الذي يهدد العالم.

ما فعله ترامب أمس يتعارض تماما وفكر نتنياهو. فكيف يمكن شرح الفرق بين سلوك ترامب في موضوع كوريا الشمالية وبين سلوكه حيال ايران؟ فايران خاضت مفاوضات مع العالم، وقعت على اتفاق مفصل ولم تخرقه. استوفت كل الشروط، المراقبات والمطالبات وسحبت برنامجها النووي الى الوراء، ورغم ذلك جعلك ترامب الاتفاق والقى به الى مهب الريح. أما مع الكوري، الذي سبق أن خرق كل الاتفاقات ووصل الى النووي، فقد تراجع وانثنى انثناءة فاخرة. أمس، دون ان ننتبه الى هذا كثيرا قال ترامب ان ايران لم تعد ايران، فقد غيرت موقفها من الشرق الاوسط ويجدر بها أن تعود الى المفاوضات. والان، تصوروا ان تعود ايران الى طاولة المفاوضات ويطلب روحاني لقاء ترامب. فمع كل الاحترام لكيم، فلمحمد جواد ظريف سحر شخصي أكبر بكثير. فمن يضمن لنا الا يقع ترامب مرة اخرى في فخ العسل هذا؟

تصوروا ان ليس ترامب هو الذي سافر امس الى سنغافورة بل براك حسين اوباما. فأي حمام كان سيلقاه من اليمين الامريكي. أي خائن سيجعلون منه. ففي نهاية اليوم كان المنتصر الاكبر ليوم امس هو كيم يونغ اون. فاذا تبين بالفعل بان كوريا الشمالية تسير حقا نحو التحلل من سلاحها النووي، فان دونالد ترامب يستحق ان ينال جائزة نوبل للسلام، بل ومن ناحيتي ان يسمى مبنى الامم المتحدة في نيويورك "برج ترامب". ولكن، وتوجد هنا لكن كبيرة جدا، يحتمل أن ينتهي هذا بالضبط مثلما في المرة السابقة، وعندها سيتبين أن دونالد ترامب قدم امس لكيم يونغ اون شرف الملوك دون أي مبرر.

كما حصل كيم على وقف للمناورات العسكرية الامريكية في الجنوب، على شرعية دولية بكميات تجارية، فرصة تصوير اعتبارية ومكانة مشابهة لمكانة الرجل الاقوى في العالم. كل رئيس امريكي آخر كان مسؤولا عن مثل هذه القصة، كان سيوقف الى عمود العار. لقد تلقى ترامب أمس بعض الضربات من الجناح اليميني في حزبه، ولكنه نجا منها. هذا هو الفرق كله. هذا بالضبط هو مثلما هو عندنا: يمكن لليسار أن يصنع الحرب، اما اليمين فيمكنه أن يصنع السلام. وليس العكس.

وبعد أن قلنا كل هذا ، ينبغي التشديد: القمة التاريخية في سنغافورة اثارت امس مشاعر الجماهير وخلقت املا في عصر جديد في شبه الجزيرة الكورية وبشكل عام. وقد اتيحت اساسا بفضل التفكير من خارج العلبة من جانب ترامب، وعلينا كلنا ان نصلي بان ينجح هذا. إذ في النهاية اكثر من أي شيء آخر، كان هذا رهانا على كل الصندوق. ترامب يفهم شيئا ما في المراهنات وحقق غير قليل من المال في الكازينوهات. ومع ذلك، عندما اشترى تاج محل في اطلنتيك سيتي، افلس لان هذا كان كبيرا عليه. حبذا الا يحصل هذا هذه المرة ايضا.