أقف أمام بوّابة الجحيم بعربتي الملوّنة

نواف رضوان *

ممتلئ بالضحك. أكره هذا البرد الذي يتسلّل الآن إلى عظامي، وأعشق البرد الذي يتسلّل إلى رئتيك الآن، أكره أنّني أخرج من البار وحيدًا، وحيدًا تمامًا ومتحرّرًا من كلّ شيء، من معطفك الثقيل الذي أحمله ريثما نصل إلى الباب، من رائحة جسدك التي تشبه رائحة الأسرّة الفارغة، من خصرك الذي يفقدني صوابي. هكذا ببساطة، متحرّرًا من كلّ شيء... حتّى منكِ.
هل تعرفين معنى أن يفقد الإنسان صوابه؟ معنى أن أقول لسائق التاكسي: خذني إلى البيت، فيقول لي: وحضرة جنابك وين ساكن؟ معنى أن أرتّب كلّ ما لم أقله لمالكة الغرفة عندما تسألني عن الإيجار، كأن أقول لها: لقد شربت بالإيجار كاملًا وأعطيت البقيّة للجرسون عاطف.
لقد كرهت هذا العاطف الذي يأتي كلّ مرّة بعد أن يتأكّد من أنّني سكرت بما فيه الكفاية لأصفك له: الكاذبة الحقيرة الجميلة. ما أحقرك وأجملك، وما أضعفني حين أكون وحيدًا وخائفًا من مواجهة القطرة الأخيرة في القنّينة.
تعال يا عاطف، هات قنّينة أخرى وسأحدّثك عن نهديها الخائفين، سأحدّثك عن هذه المدينة التي تشبه قنينة الفودكا الفارغة، سأصف لك الـ 49 نمشة المنثورة في وجهها، عن عامودها الفقريّ تحت إضاءة خافتة، سأصف لك عظامها عظمة عظمة. تعال يا عاطف وسأحدّثك عن كلّ هذه الأشياء التي لن تسمعها إلّا من رجل ضخم ووحيد أمام هذا الكون الهشّ.
تعال يا عاطف، اجلس مقابلي لأحدّثك وأنا سأتكفّل بكلّ شيء، سأعتني بنفسي أنا، سأصبّ الكأس الأولى فالثانية فالعاشرة فالمليون، أنا محشوّ بالكلام والكحول والوحدة وأحتاج إلى أن يسمعني أحد. أيّ أحد يا عاطف.
أنا لا أستطيع فعل شيء آخر، لذلك أكتب، لأعبّر عن نفسي. آه ما أسخف هذه الجملة. أنا لا أريد التعبير عن نفسي لأحد، الآخرون ليسوا جحيمًا، إنّهم فقاعة من الخراء الطازج. الجحيم في داخلي أنا. هل عرفتِ الآن لماذا أكتب لك؟ لأنّني الشيطان الهارب من الجحيم.
ماذا لو أصبحت رئيسًا الآن؟ الآن في هذه اللحظة بالتحديد، يجب أن أفكّر في القرار الأوّل الذي سأتّخذه بعد قليل، أنا رجل عمليّ وأحبّ إصدار القرارات... نعم نعم.
سأقول لهم مثلًا، إنّ الشعب رهن الاعتقال، أريد شعبًا مكسور الخاطر. سأطبع التوراة والإنجيل والقرآن في كتاب واحد وأسميه "أعمال الله الكاملة"، سأصدر حكمًا بالإعدام الفوريّ ودون استثناء على كلّ من يلبس ربطة عنق؛ سياسيّين وأدباء وأساتذة جامعات... سأخنقهم بربطاتهم المضحكة إلى أن تسقط عيونهم من وجوههم وتتدحرج كالكرات، سأعمّم الحشيش وأزرع الماريجوانا في كلّ مكان، سيكون شعارنا: نحو وطن أخضر...
أنا الطائرة الورقيّة التي أفلتت من يدك، وذهبتْ بعيدًا...
أنا الحجر الذي يتعثّر به الجميع، وأنت بالذات،
أنا ذلك الصدأ في قفل حمّالة صدرك السوداء،
أنا تلك الندبة التي ظهرت على كتفك مؤخّرًا،
أنا كتفك.
شاعر وقاص  فلسطيني يعيش في حيفا*