بهدوء وموضوعية

لن يكون بمقدور كارل ماركس لو بعث للحياة من جديد ان يفهم وان يستوعب، كيف لحزب يساري ما زال يرفع الراية الحمراء، وما زال يعلن انه يسترشد بالماركسية اللينينية في التحليل والممارسة، بينما هو في الواقع بات لا يسترشد بغير ثنائيات "المرشد العام" الطائفية وتوجيهاته اللاوطنية..!! ولعل ماركس سيعض أصابعه ندما وهو يرى ان نظريته التي ارادت تخليق طبيعة تقدمية للقوى التي ستحملها، أصبحت عند بعض أحزابه، قاعدة لتخليق الطبيعة الانتهازية الساعية للتمويل فحسب، والتي لا تنتج غير خطابات الجعجعة، والمزاودات الشعبوية الفارغة..!! 
ونعتقد ان صاحب النظرية العلمية، سيكتشف هنا ان المال السياسي بات أقوى من نظريته، وان بعض من حمل هذه النظرية، إنما حملها كمثل اكسسوار، وافتتن بها في مرحلة ازدهارها الثوري كمثل موضة..!! 
لن نقول ان الحق على كارل ماركس، ولا على نظريته، لكنه انقلاب بعض اصحابها عليها، بل وخيانتهم لها والتي لا يبررها حتى التمويل، الذي هو بالمناسبة ليس سخيا بغير شروط الهيمنة والتبعية..!!
المال السياسي إذاً والطبيعة الانتهازية، التي تتسلق عادة معاناة الناس وتتاجر بها لغاياتها ومصالحها الخاصة، دون ان تكترث للقضية الوطنية، وشروط سلامتها بوحدة الخطاب والموقف والعمل، في الوقت الذي تتجاهل فيه ان الانقسام القبيح، الذي ما زالت سلطة الانقلاب الحمساوية تكرسه على نحو بالغ العنف، هو، الى جانب الاحتلال وسياساته العنصرية الدموية، أحد أهم أسباب معاناة أبناء شعبنا في مختلف مواقعهم خاصة في قطاع غزة المكلوم، وليس فرية "الاجراءات العقابية" التي فبركتها سلطة الانقسام القبيح، الفرية التي أصبح البعض تحت سطوة تكرارها الارهابي، يرددها دون تفحص موضوعي أمين، كي يرى انها لا تخدم في المحصلة -سواء ادرك ذلك أو لم يدرك- غير غايات الاحتلال التحريضية ضد القيادة الفلسطينية الشرعية لتبقى هذه القيادة وحدها في مواجهة "صفقة القرن" التصفوية.
هذا لا يعني انه لا توجد هناك مسألة اسمها مسألة الرواتب في قطاع غزة، وأنها مسألة مرهقة ومكلفة للمتضررين منها، لكن هذه المسألة لا تحل بالشعارات العدمية المحرضة على العنف والفوضى، كالتي رفعتها التظاهرة التي شهدتها رام الله الليلة قبل الماضية، والتي قيل إنها ستكون لأجل الرواتب وضد الانقسام والانقلاب، لكنها لم تغلب سوى هتافات الاتهامات الحزبية المحرضة على الفوضى والانقسام، وقد بَارَكْت سلطة الانقلاب الحمساوية أمس هذه الهتافات وشكرتها بخبث شديد..!!
ما من هتاف واحد كان ضد الانقلاب، ولصالح الوحدة الوطنية بكلمات واضحة وحاسمة ومخلصة،  والحصار الاسرائيلي غاب الى حد كبير مع الأسف الشديد، لصالح فرية "الإجراءات العقابية" وبلا أي تحسب من أي نوع كان..!!
وسارت هذه الهتافات دون ان يعترضها أحد، وقوى الأمن لو كانت حمساوية مع شبهة هتافات ضد سلطتها لأحالتها الى تمزيق وملاحقة واعتقال، لكن شيئا من هذا لم يحدث في رام الله، لأن قوى الأمن هنا هي قوى الشرعية التي ترعى الديمقراطية حتى وهي تتجاوز قيم التعبير الاخلاقية، ولهذا لم تحاول حتى مجرد محاولة ان توقف هذه الهتافات، فلم يجد دعاتها غير اتهام قوى الأمن بأنها كانت استفزازية، وما كان هناك من استفزازات غير هتافات التحريض العدمية..!!
ومرة اخرى وأخيرة، مسألة الرواتب، معضلة آنية ولم تكن ولن تكون "اجراءات عقابية" ولا بأي حال من الأحوال ولا بأي معنى من المعاني، ومن العيب استخدامها على هذا النحو الانتهازي الذي فبركته حماس. انها معضلة فحسب، ستجد طريقها لحل جذري، وتعليمات الرئيس أبو مازن واضحة في هذا السياق، وحركة فتح تتحرك بأكثر من اتجاه لتحقيق هذا الحل، الذي لن يكون بعيدا ولا وعدا بلاغيا، وعلى الذين يتاجرون بهذه المسألة، ان يراجعوا حساباتهم لأن تجارة من هذا النوع وبهذه الشاكلة تظل خاسرة، وقلب الحقائق فتنة كريهة، ومحاولة ليس بوسعها ان تغير من الواقع شيئا، كما أنه ليس بوسعها ان تنال من البديهيات الوطنية: لا دولة في غزة ولا دولة دون غزة.. وهنا تكمن وحدة الشعب بهذا القرار الوطني الأصيل، الذي لا يقبل مساومة ولا متاجرة، والذي يؤكد في الوقت ذاته، انه لا تخلي عن غزة وأهلها، حتى لو توغلت سلطة الانقلاب في دروب سياساتها الانقسامية، وما ينبغي لأحد أن يتوهم ان بإمكانه ان يزاود على هذا القرار وقيادته الشرعية التي تواصل حراكها النضالي على مختلف الصعد لدحر الاحتلال البغيض الذي بدحره تنتهي كل معاناة وكل معضلة. 
رئيس التحرير