المفكر عادل زعيتر.. الغائب الحاضر

المحامي د.ايهاب عمرو

لعل الإلهام وحده، كما أسماه ذات مرة صديقي الغزي الأستاذ مصعب أبو العطا، هو الدافع وراء الكتابة بشكل عام، وفي تناول هذا الموضوع بشكل خاص، حيث إن الكتابة شوق وتوق ابتداء. 
حقيقة الأمر سمعت كثيراً عن المفكر الراحل عادل زعيتر، وقرأت كذلك كثيراً من الكتب وعن الكتب التي ترجمها لكبار الأدباء والفلاسفة العالميين مثل مونتسكيو، وفولتير، ولوبون، وجان جاك روسو. وتعد الكتب التي ترجمها الراحل عادل زعيتر من الفرنسية إلى العربية من أهم كتب الأدب والفكر على مستوى العالم، إضافة إلى كونها أثرت المكتبة العربية بمؤلفات في مختلف المجالات كالسياسة، والقانون، والفلسفة، والأدب. 
وتصل الكتب التي قام المفكر الراحل عادل زعيتر بترجمتها إلى أربعين كتاباً ما ساهم في إثراء الحركة الثقافية والفكرية في العالم العربي بمؤلفات بالغة الأهمية، كما أسلفنا. ومن تلك الكتب كتاب "حضارة العرب" لجوستاف لوبون الذي يعد أحد أهم المستشرقين والمؤرخين الفرنسيين وأحد علماء الأنثروبولوجيا والذي أولى اهتماماً خاصاً بدراسة الحضارات الشرقية عموماً، والحضارة العربية الاسلامية خصوصاً. 
كما قام المفكر الراحل عادل زعيتر بترجمة كتاب "روح الشرائع"، ويقصد بالشرائع هنا القوانين، للفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، صاحب نظرية الفصل بين السلطات، في جزءين منفصلين تناول الجزء الأول منه، من ضمن أمور أخرى، توضيح مفهوم قوانين الطبيعة، والقوانين الوضعية، والحكومة الجمهورية والقوانين، والقوانين المدنية والجزائية وشكل الأحكام وسن العقوبات. وتناول في الجزء الثاني، من ضمن أمور أخرى، صلة القوانين بالتجارة من حيث طبيعتها وأنواعها وتوضيح مفهوم التجارة وروحها، وحرية التجارة، وأنواع القوانين التجارية التي سادت آنذاك كقانون "جنيف" الذي حظر تولي المناصب القضائية على أبناء من عاشوا أو ماتوا مفلسين ما لم يؤدوا ديون آبائهم، وقانون "رودوس" الذي وضع لجمهورية كانت قائمة على التجارة والذي حظر على الابن إعفاء نفسه من دفع ديون والده عند تنازله عن ميراثه، وقضاة التجارة الذين يتولون الفصل في المنازعات التجارية كون أن التجارة لا تحتمل الشكليات ما يستوجب سرعة الفصل في تلك المنازعات الناشئة عنها. 
وأكثر ما استوقفني في الكتب التي قام الراحل عادل زعيتر بترجمتها هو كتاب "العقد الإجتماعي" الذي سمي لاحقاً "انجيل الثورة الفرنسية" للأديب والفيلسوف الفرنسي الكبير جان جاك روسو الذي عد بحق من أهم الكتاب في عصر النهضة "التنوير" في القارة العجوز، حيث قام المفكر الراحل زعيتر بترجمته بطريقة دقيقة وانيقة تعكس قدرات عز نظيرها في اللغة والفكر والأدب. إضافة إلى القدرة على الصياغة بأسلوب مشوق للقارئ/ة مع إضافات كانت ضرورية في بعض الأحيان لتوضيح الأفكار الرئيسية لذلك الكتاب الهام الذي عد، إضافة لما سبق، من أهم المراجع ذات العلاقة بالفكر القانوني كونه تضمن المبادئ المحددة للحقوق والواجبات التي تقوم عليها العلاقة بين الدولة من جانب، ومواطنيها من جانب آخر. 
ويلاحظ قيام المفكر الراحل زعيتر باستخدام التشكيل لبعض الكلمات التي قد تختلط على القارئ/ة ما أضفى وضوحاً أكبر وسهل من مهمة القارئ/ة في الحصول على معلومة مبسطة ودقيقة. وكل ذلك أضفى على الكتب التي قام بترجمتها بعداً جمالياً أخاذاً إضافة إلى بعدها العلمي التأصيلي ما يمكن القول معه أنه استحق بجدارة لقب "شيخ المترجمين العرب" الذي أطلقه بعض المؤرخين والأدباء والمؤلفين العرب عليه في القرن الماضي. ناهيك عن استخدامه لعبارات غير شائعة الاستعمال أحياناً في اللغة العربية ما أظهر روعة وبلاغة تلك اللغة من حيث جمال التراكيب والمعاني ومتانة الأصول والمباني. 
مما سبق، يتضح لنا حجم الجهد الذي بذله المفكر الراحل عادل زعيتر في ترجمة أهم كتب الأدب والفكر والفلسفة في العالم إلى العربية ما سمح للأجيال المتعاقبة في العالم العربي بمواكبة أهم مؤلفات ومساهمات الأدباء والفلاسفة والمفكرين العالميين على الأصعدة كافة منذ قرون مضت. إضافة إلى كون تلك المؤلفات تشكل مصدراً مهماً للمعلومات في عصر العولمة الذي نعيش، خصوصاً للأجيال الشابة في عالمنا العربي ما يمكّن تلك الأجيال على اختلاف أجناسها وجنسياتها وحقول تخصصاتها من الاطلاع على ما تحتويه تلك المؤلفات الهامة التي واكبت حقبا زمنية متباينة وأحداثا تاريخية هامة، خصوصاً في القارة العجوز. 
ويدل ذلك الجهد على الدور التنويري الذي يمكن للمؤلفين والأدباء والكتاب العرب القيام به من أجل المساهمة في تشكيل حالة فكرية جامعة في في المجتمعات العربية من جانب، والمساهمة في البناء العلمي والفكري والحضاري والانساني في شتى الحقول والعلوم من جانب آخر.