الحلم والكابوس

يديعوت – اليكس فيشمان

يوم الاربعاء الماضي، بعد أن هاجم سلاح الجو نفقا آخر لحماس، استعدوا في الجيش الاسرائيلي لاحتمال اطلاق الصواريخ ردا على ذلك. هدوء بعشرة ايام في المعركة التي يسميها الجيش الاسرائيلي "حماة الحمى" وتسميها حماس "كسر الحصار"، انتهت عمليا. رائحة رماد الحريق تعبق في الجو، ولكن الطرفين لا يريدان مواجهة عسكرية، ولا يزالان يعلقان أملا بقوة عليا تؤجلها. في الجيش الاسرائيلي يتمنون الحر الشديد الذي يبعد مجندي حماس عن جدار الحدود. وحماس، وبقدر ما يبدو هذا غريبا، تتمنى عناقا اميركيا. الرجل الذي تتطلع اليه العيون هو مبعوث ترامب، جيسون غرينبلت، الذي يحاول هذه الايام ان يحيي واحدة اخرى من خطط الاعمار لغزة.
 التفاهمات التي تحققت شفويا لوقف التظاهرات على الجدار ذابت. فشيء من المعطيات الاساس التي أدت الى الاشتعال على الحدود لم يتغير، بل العكس. سلاح الجو يهاجم الان انفاقا لم تتسلل بعد الى اسرائيل ومنشآت عسكرية لحماس وان كان فقط كي يذكر قادة المنظمة – وسكان القطاع بشكل عام – بفظائع الحرب. اما حماس من جهتها، فتنفذ اعمال "ارهاب" على الجدار وتواصل احراق الحقول في غلاف غزة. الاسبوع الماضي بعثت بخلية تسللت عبر الجدار الحدودي وأحرقت موقع قناصة مهجور في الطرف الاسرائيلي.
 لقد سبق لحماس ان اعلنت عن نيتها العودة الى التظاهرات الجماهيرية على الجدار في ايام الجمعة من رمضان، وفي مقابلة مع صحيفة كويتية اشار يحيى السنوار، زعيم المنظمة في القطاع الى الموعد الذروة: مواجهة من اربعة ايام متواصلة تبدا في 5 حزيران، "يوم النكسة" (حرب الايام الستة) وتستمر حتى 8 حزيران، "يوم القدس" الايراني. قبل بضعة ايام من ذلك يجرى احتفال تبديل القيادة في الجنوب. فالقائد المنصرف اللواء ايال زمير سينقل الصولجان الى من يحل محله، اللواء هرتسي هليفي، الذي سيقفز مباشرة الى اللجة المتلظية.

كل شيء يبقى في العائلة
 اعتراف الناطق بلسان حماس الذي كشف النقاب عن 50 من اصل 62 قتيلا في 14 ايار ينتمون الى "عائلة حماس"، أثار في اسرائيل دهشة بل وفرحها. فليس صدفة ان استخدم الناطق، صلاح البردويل، عبارة "عائلة حماس". فحسب محافل التقدير في اسرائيل، فان 30 في المئة من المتظاهرين جاءوا من داخل النواة الصلبة لمؤيدي حماس في القطاع: نشطاء الذراع العسكري، موظف الدولة، وابناء عائلاتهم، اناس قريبون من طاولة حكم حماس وما شابه. هذه هي العقيدة التي يفترض ان تحل محل الانفاق: المدنيون، معظمهم من رجال حماس او مؤيديها، يسيرون الى الجدار ويشكلون نافذة عرض للكفاح الفلسطيني امام عيون العالم. ولكن الذراع العسكري هو الذي ينظم، يدفع وينفذ عمليات تحت رعاية الاضطرابات.
 ان المعطيات التي قدمتها حماس بالنسبة لمعدل رجال المنظمة من بين القتلى كانت اعلى قليلا من المعطيات التي كان يعرفها الجيش الاسرائيلي، وبعد أن استغلتها حماس حتى النهاية لاغراض الدعاية بدأوا يتساءلون عندنا: لماذا اعترفت حماس ولماذا بالغت؟ الاجوبة كامنة في المشاعر القاسية في الشارع الغزي تجاه حماس ومن ناحيتنا هذه بشرى غير طيبة. حماس هي اول من شخص الاضطراب والانعطاف في الرأي العام في القطاع. والشارع في غزة يسأل أسئلة لاذعة: لماذا دفعنا أثمانا باهظة بهذا القدر؟ كيف يحصل أن تبعث حماس بنا الى الجدار كي نموت، وفي اول فرصة، حتى قبل أن يتحقق اي انجاز، تركض على عقد هدنة مع اسرائيل؟ البردويل قال في واقع الامر للجمهور الفلسطيني في القطاع: "نحن (حماس) دفعنا الثمن بحياتنا، ولهذا فان لنا الحق في أن ندرس الهدنة.
 يشغل بال سكان غزة ليس فقط قصص البطولة والشهداء بل ايضا وبشكل مهووس "القوائم" - من حصل على التصريح للخروج من غزة عبر معبر رفح ومن لا، ولماذا. في مداولات تقويم الوضع التي اجراها رئيس الاركان اثناء مهلة الهدوء جرى الحديث عن أن حماس تقف اليوم امام جمهورها في ذات النقطة التي وقفت فيها عشية الجرف الصامد. في حينه بلغ الهياج الذروة في ضوء أزمة دفع الرواتب، الاغلاق الخانق والبطالة المستشرية. واليوم ايضا تخاف حماس من اللحظة التي يتفجر فيها الشارع في غزة عليها ويلقي بها من الحكم.
 الامر الوحيد الذي يمكنه ان يعفي حماس من مواجهة عسكرية اخرى مع اسرائيل هو خطة لاعمار القطاع بقيادة اميركية. في اذار من هذا العام، حتى قبل الاشتعال على الحدود، استبشروا في حماس خيرا من اقوال المبعوث غرينبلت الذي قال انهم اذا هجروا العنف، فان الولايات المتحدة ستمد لهم اليد وتحسن جودة حياة سكان القطاع.
 تعلق حماس الآمال في سلسلة لقاءات عقدها غرينبلت في القاهرة وقطر الاسبوع الماضي مع مندوبي الدول المانحة في محاولة لاحياء خطة الاعمال الكبرى التي أعلنت عنها الولايات المتحدة في بداية السنة. في المرحلة الاولى حاول غرينبلت تجنيد القطريين كي يضخ المال الى غزة. اما من المصريين فقد طلب الا يعرقلوا القطريين عن الاستثمار في غزة، ويعودوا ليكونوا جهة ملطفة لتهدئة الميدان.
 ما لم يروه لحماس هو ان الهدف الاساس من زيارة غرينبلت في هذه الدول هو محاولة اعادة ربطها بـ "صفقة القرن" التي نسجها ترامب ورجاله للشرق الاوسط. وهذه الصفقة، في صيغتها الحالية، هي بالضبط السبب الذي يجعل حماس لا تتلقى المساعدة من أحد. "صفقة القرن" كما يصفها الرئيس الاميركي، اجتازت تحولين. في كانون الثاني من هذا العام، حين اعلن ترامب عن اعتراف بالقدس كعاصمة لاسرائيل، فقد تطرق الى تسوية في صيغتها السابقة وقال: "اسرائيل ايضا ستضطر الى دفع ثمن". وفي شهر اذار، عندما التقى نتنياهو ترامب مرة اخرى، تبين أن الصفقة تلقت انعطافة 180 درجة.
 على مدى سنة ونصف السنة عمل غرينبلت مع فريق من خمسة من رجال مجلس الامن القومي على اعداد خطة التسوية للشرق الاوسط. وفي كانون الثاني وصلت الخطة الى نضج معين واوشكت على أن تعرض على الطرفين. وكان غرينبلت قد جلس مع ابو مازن، الذي لم يكن سعيدا بما سمع ولكنه لم يلقِ بالمبعوث الاميركي عن كل الدرج. من رأى الخطة ادعى بان هذه في واقع الامر هي خليط من الافكار التي عرضت في عهد اوباما وفي عهد كلينتون وتقوم على اساس حل الدولتين، ولكن مع طعم اسرائيل خفيف. فقد جرى الحديث هناك ضمن امور اخرى عن دولة فلسطينية مجردة، اسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي، تبادل للاراضي بنسبة 1:1، وعاصمتين في شرقي القدس – دون تعريف اين بالضبط ستكون العاصمة الفلسطينية. وعندما قال ترامب ان اسرائيل ستضطر الى أن تدفع ثمنا، قصد تنازلات أليمة.
 من منع التسوية التي قادها غرينبلت هو السفير الاميركي في اسرائيل دافيد فريدمان. فريدمان، الذي يعمل مباشرة مع ترامب ويسافر كثيرا الى واشنطن كي يلتقيه شخصيا، نجح في اقناع الرئيس وصهره جارد كوشنير بانه لا معنى للدخول في مواجهة مع اسرائيل، وبالتأكيد ليس في الموضوع الفلسطيني، الذي على اي حال، لا يوجد احتمال للوصول فيه الى حلول وسط دون ضعضعة ائتلاف نتنياهو. الموضوع المركزي في الاجندة الاميركية هو ايران، واسرائيل هي مدماك هام في هذه المعركة. وهكذا اجتازت "صفقة القرن" في الأشهر الاخيرة تحولا.
 وحسب التسريبات من واشنطن، فان الخطة الجديدة تتضمن نقل 10 في المئة من اراضي الضفة، بما فيها الخليل، للسيادة الاسرائيلية دون تبادل للاراضي. والعاصمة الفلسطينية ستكون قائمة على اساس احياء في شرقي القدس لم تكن جزءا من المدينة حتى 1967 وليس بينها تواصل اقليمي. مع تسوية كهذه يمكن لنتنياهو أن يحفظ بأمان حكومته حتى لو ادت الى اقامة دولتين.
 اجتماع الدول المانحة لغزة، الذي عقد في واشنطن قبل بضعة اشهر، سبق أن عقد دون تمثيل فلسطينيين. فالاوروبيون لا يمكنهم ان يستثمروا اغورة في غزة دون أن تمر في رام الله. والاحتمال أن ينجح غرينبلت في تحقيق مشروع اعمار غزة منخفض، بحيث انه ليس للامال التي يعلقها الغزيون بالولايات المتحدة الكثير من الاساس.
في هذه الاثناء نشر منسق اعمال المناطق في الحكومة اللواء كميل ابو الركن، الذي تسلم مهام منصبه منذ وقت قصير، خططه للمساعدة في اعادة بناء البنى التحتية الانسانية في القطاع. يدور الحديث عن خطط ناضجة، وتنتظر اقرار حكومة اسرائيل. غير أن الحكومة لا تسارع الى اقرار شيء. اسرائيل، من ناحيتها، قدمت من قبل نصيبها في الهدوء: فقد استأنفت النشاط في معبر كرم سالم وتخطط لزيادة عدد الشاحنات التي تدخل البضائع الى القطاع.
من ناحية حماس، لا يوجد هنا اي انجاز، إذ ان اسرائيل لم تغير سياستها الاساس في القطاع: الهدوء مقابل الهدوء. بل العكس. اسرائيل تبدو مصممة اليوم حتى اكثر على خلفية ضغوط عائلات الجنديين المفقودين. وفي ضوء التأييد الكامل الذي تتلقاه اسرائيل من الادارة الاميركية، فانه حتى التهديدات الاوروبية لفتح تحقيقات ضدها، لا تثير قلقا كبيرا. والاحاديث عن الهدنة تبدو حتى منقطعة عن الواقع. ففي المداولات الداخلية اوضح رئيس الاركان بانه غير مستعد لان يسمع عن هدنة بصيغتها الحماسة، لان هذه ستكون فرصة لحماس لاعادة بناء قوتها.
تجد حماس صعوبة حتى في التوجه لتركيا لطلب المساعدة. فطرد السفير الاسرائيلي من انقرة كان هدفا ذاتيا سجله حكم اردوغان. واسرائيل طردت ردا على ذلك القنصل التركي من القدس فاشارت بذلك بانها توشك على ان توقف "الاحتفال التركي" المزدهر تحت أنفها، والذي يتضمن "نشاطا سياسيا تآمريا ضد السلطة وضد اسرائيل ومساعدة لحماس ولحراس الحرم من المرابطين والمرابطات". ويحذر رجال امن اسرائيليون منذ سنين من النشاط التركي في القدس ومن المساعدة التي يمنحها اردوغان للحركات الاسلامية في اسرائيل. اما الان فان هذا التواجد سيقيد، واردوغان – الذي يعمل على تثبيت مكانته كزعيم للعالم الاسلامي – كفيل بان يفقد احدى ادواته الهامة.
من ينبش في هذه الاثناء بقوة في قطاع غزة هي ايران، التي تفعل كل شيء – بالمال وبوسائل القتال، كي تحافظ هناك على مستوى اللهيب. في الاشهر الاخيرة ارتفع وزن البعثة البيروتية لحماس برئاسة صالح العاروري الذي يقود العلاقات المتوثقة بين ايران وحماس غزة. ويصل رجال حماس الى طهران في اوقات متقاربة اكثر من اي وقت مضى، في ظل استياء اسرائيل ومصر على حد سواء. هكذا بحيث أنه اذا اغلق المصريون معبر رفح، مع انهم فتحوه في رمضان، دون اخطار مسبق، فان احدا لن يتفاجأ.
في مقابلة للسنوار في قناة "الميادين" اللبنانية روى بان حماس تقيم اتصالا يوميا مع حزب الله، وان ايران تقدم المال، السلاح وعلم الخبراء لحماس ولمنظمات اخرى. بل وشدد على علاقات حماس مع قاسم سليماني، قائد جيش القدس في الحرس الثوري. هكذا بحيث أنه اينما نظرنا الى الامر، لا توجد لحماس طريق عودة. من الخارج الاسوار السياسية مرة اخرى تنغلق عليها ومن الداخل المرجل يغلي. هذا الوعاء سيتفجر علينا.