كيف نقاوم التفسير الصهيوني لاتفاقية أوسلو؟

د. أوري ديفيس*

بودي أن أشير في بداية هذه المقابلة إلى وثيقة تعتبر أساسية في مسيرة النضال الفلسطينية، وهي وثيقة إعلان استقلال فلسطين عام 1988 من قبل المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة، حينها أصدر المجلس الوطني وثيقتين، إعلان استقلال فلسطين، وبيانا ختاميا للمجلس.
ومن أهم إنجازات منظمة التحريرالفلسطينية إن لم يكن الأهم هو حصولنا على الشرعية الدولية، واعتماد منظمة التحرير كحركة تحرير وطني بصفة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبعد ذلك اعتماد فلسطين كدولة غير عضو بصفة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة. فالآن لدينا تمثيلان في الأمم المتحدة، تمثيل منظمة التحرير بصفتها حركة تحرر وطني، وتمثيل دولة فلسطين. بعد هذا الإنجاز أصبحت الاستراتيجية السياسية والنضالية والدبلوماسية مبنية على مبدأ لا يجوز المس به، وهو الشرعية الدولية والقانون الدولي وكافة قرارات الأمم المتحدة. فلا يجوز لكيان عضو في مؤسسة ما ألا يتبنى كافة قرارات هذه المؤسسة، وإذا أراد تعديل قرار فيتم تعديله من خلال اللوائح الداخلية لهذه المؤسسة. فلا يجوز لمنظمة التحرير بعد اعتمادها حركة تحرر وطني بصفة مراقب أن تدعي أنها ترحب بقرار 194 لعام 1948(قرار حق العودة)، وترفض قرار 181 لعام 1947 (المعروف باسم "قرار التقسيم").
وثيقة إعلان استقلال فلسطين فيها فقرة تقول إن قرار 181 لعام 1947 هو سيئ، ورغم سوئه بالنسبة للقضية الفلسطينية، ففي سياق تطبيق كافة قرارات الأمم المتحدة، وفق ميثاق الأمم المتحدة نستطيع أن نحصل على الثوابت الفلسطينية المشروعة بالكامل. لكن، إذا طلبنا عدم الاعتراف بقرار 181 وطلبنا الاعتراف بقرار 194 فإننا نعطي فرصة للعدو بفعل العكس، بأن يطلب عدم الاعتراف بالقرار 194 وهو قرار يشكل كابوسا بالنسبة له، وتبني قرار 181 فقط الذي يعطي (بمعنى من المعاني) الشرعية لإقامة "دولة يهودية" بجانب "دولة عربية" والقدس منطقة خاصة بإدارة الأمم المتحدة.



نحن تبنينا كافة قرارات الأمم المتحدة، وإلى جانب وثيقة استقلال فلسطين هناك بيان ختامي للمجلس ذاته، يطلب إقامة دولة فلسطينية في خطوط الهدنة 1949 ("الخط الأخضر"/ "حدود 1967")، وهي عمليا ليست حدودا، بل خطوط هدنة، وهناك علاقة جدلية بين الوثيقتين. فحدود "الدولة اليهودية" حسب قرار 181، ليست حدود دولة فلسطين في خطوط هدنة عام 1967.
الموقف الرسمي لمنظمة التحرير ودولة فلسطين هو دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. قرار 181 لا يتحدث عن القدس الشرقية، بل يتحدث عن القدس التي تشمل بيت لحم والقرى المقدسية حسب الخريطة الرسمية لقرار التقسيم أعلاه.
العلاقة الجدلية هنا هي أن قرار إعلان استقلال فلسطين 1988 هو وثيقة دستورية لمنظمة التحرير، أما البيان الختامي للمجلس الوطني التاسع عشر بمطلب دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وليست القدس حسب "قرار التقسيم"، فهو ورقة سياسة، وينبغي أن نميز بين الوثيقة القانونية والوثيقة السياسية. 
قيادتنا مخولة من قبل الشعب الفلسطيني، عبر المجلس الوطني، لتحديد حدود دولة فلسطين ومنحه هذه الصلاحية، وهي حددت حدود فلسطين حسب ما سمّاه الرئيس الراحل الشهيد أبو عمار بـ"سلام الشجعان" عبر "اتفاقيات أوسلو" عام 1993، والرئيس أبو عمار كانت له صلاحية القيام بذلك. ولكن اليوم نحن أمام مسار سياسي مسدود بعد أن وضعت إسرائيل العراقيل أمام هذا المسار السياسي "اتفاقيات أوسلو" وتقويضه بدعم أميركي.
وأمام هذه المسار المسدود فينبغى أن نرجع إلى مرجعياتنا القانونية، ونكلف قيادتنا بصياغة استراتيجية سياسية تتجاوز هذه العراقيل، واقتراحي في مداخلتي أمام دورة المجلس الوطني الثالثة والعشرين أن نستعين بالمفاهيم القانونية الدستورية لميثاق إعلان استقلال فلسطين عام 1988؛ ومعايير القانون الدولي وكافة قرارات الأمم المتحدة، فعاصمتنا القدس بمفهوم قرار التقسيم أعلاه، وليست القدس الشرقية.
إسرائيل قوضت "سلام الشجعان"، وأنا أرى أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب فيما يخص الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، (وإسرائيل هي دولة ابارتهايد بمعنى الابارتهايد في جنوب افريقيا قبل الإفراج عن نيلسون مانديلا)، هذه التصريحات
هي تغيير لقواعد اللعبة التي نصّت عليها "اتفاقيات أوسلو"، وبرأيي هو ليس فقط تغييرا لقوانين اللعبة، بل مقدمة لضم الضفة إلى إسرائيل من خلال الإجراءات الاستيطانية الاستعمارية نفسها التي قامت بها إسرائيل لضم هضبة الجولان السورية المحتلة والقدس الشرقية.
آليات الكنيست التي تلخص بكلمة "ضمّ"، هي تطبيق القانون المدني لإسرائيل الابارتهايدية على المناطق التي احتلتها عام 1967 أو على مساحات المستوطنات الصهيونية على هذه الأراضي، وتطبيق القوانين المدنية يعني ضم كل الضفة الغربية، لأن التطبيق لا يكون على مساحات البناء في المستوطنات فقط بل أيضا على مناطق نفوذ المجالس المحلية لهذه المستوطنات ("مجالات الاستيطان"/מרחבי ההתיישבות)، كما وردت في قرار مركز حزب الليكود بتاريخ 31 كانون الأول 2017). وهذا يعني قطعا إضافيا للتواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية.
وهذا تتويج للسياسة الاستيطانية الإسرائيلية منذ اغتيال يتسحاق رابين. وكما قال أوري أفنيري، الذي كان له تواصل مباشر مع رابين، في إحدى محاضراته، إن من يظن أن شمعون بيريس هو الذي "جر" رابين إلى توقيع "اتفاقية أوسلو" فهو مخطئ، رابين درس كل فقرة وكل سطر وكل كلمة في مسودة "اتفاقية أوسلو" بدقة، ولو قرأنا "اتفاقية أوسلو" قراءة دقيقة لوجدنا أن هناك إلزاما لإسرائيل في الاتفاقية بالاعتراف بالتواصل الجغرافي في الضفة الغربية وقطاع غزة في "المرحلة الانتقالية" فقط.
وفي التفسير الوطني الفلسطيني "المرحلة الانتقالية" هي مرحلة مفاوضات تمهيدية لتحقيق الوضع الدائم (مدتها خمس سنوات حسب اتفاقية أوسلو)، ولكن في التفسير الصهيوني الاستيطاني، أو في تفسير رابين "لا توجد مواعيد مقدسة".
ويجدر الذكر أنه في التركيبة الاستراتيجية للاستيطان الاستعماري الصهيوني لا يوجد مرحلة أطول من المرحلة الانتقالية، فهي في مسماها انتقالية، لكن صهيونيا هي دائمة، وكان لي تحفظ عند الاطلاع على "اتفاقية أوسلو"، فالمرحلة الانتقالية هي مرحلة دائمة، كما اثبت الواقع للأسف الشديد. 
ولم ننتقل إلى مفاوضات الوضع الدائم، بل بقينا عالقين في "المرحلة الانتقالية" حتى اليوم، ووجدت نفسي في معسكر معارض لأوسلو. لكن في السنة الأخيرة تغير موقفي بالنسبة لـ"اتفاقية أوسلو"، أما كيف حدث ذلك فهذا يعيدنا إلى تأسيس منظمة التحرير عام 1964، وانطلاق الكفاح المسلح عام 1965، حينها لم يكن لمنظمة التحرير أي خيار لإنشاء مؤسساتها إلا في الأردن، لعدم إمكانية حدوث ذلك في حدود فلسطين التاريخية، فكان الخيار في الأردن، والأردن دولة، ولا شك في شرعية سيادتها، ولا توجد دولة في العالم تسمح لمنظمة التحرير بأن تقيم دولة داخل دولة، ونتيجة لذلك كانت "كارثة أيلول الأسود". وانتقلت المنظمة ومؤسساتها إلى لبنان، فتكررت المشكلة أو التناقض، وهو تناقض وجودي، والمشكلة ليست مسألة خيار خاطئ، فالضرورة الوجودية تقتضي أن تجد رقعة أرض لبناء مؤسساتك عليها.
وكذلك لا يوجد أي شك في شرعية سيادة لبنان على أرضه، فكانت نتيجة هذا التناقض الحرب الأهلية، واضطرت منظمة التحرير إلى الانتقال إلى تونس. 
المنطقة الوحيدة في فلسطين التاريخية والدول المجاورة لها التي توجد حولها علامة سؤال كبيرة جدا، في شرعية ادعاء إسرائيل أن لها سيادة على هذه المناطق هي المناطق المحتلة عام 1967. يبدو أن قرار منظمة التحرير الانتقال إليها عبر "اتفاقية أوسلو"، هو قرار حكيم.
دعنا نتصور لو بقينا في تونس وأعلن ترامب القدس عاصمة لإسرائيل الأبارتهايدية، فماذا سيكون وزن رفضنا لهذا القرار ونحن في تونس.
إذن، كما قلت فإن لقيادتنا الحق في تحديد حدود دولة فلسطين، ولكن ليس لديها الحق في التنازل عن حق العودة والملكية لأبناء الشعب الفلسطيني، لأن حق العودة والملكية هو حق فردي، وهو حق قانوني وليس حقا سياسيا، والجانب الوحيد الذي له الحق في تحديد كيفية تطبيق حق العودة واستعادة ممتلكات العائلة التي هجرت، هو اللاجئ أو ورثة اللاجئ أو محاموه الموكلون.
الدكتور نبيل شعث كان عضوا في الطاقم الفني مع أبو عمار اثناء مفاوضات كامب ديفيد مع إيهود باراك (عام 2000)، التي تفرغ لها أيضا الرئيس الاميركي بيل كلينتون، كي يبقى مع الطرفين في كامب ديفيد من أجل التوسط، حينها انهارت المفاوضات بسبب حق العودة.
ما سمعته من د. شعث جعل تقديري العالي لأبو عمار يزداد أكثر وأكثر. فهو قائد وطني تقاس أهميته محليا وإقليميا وعالميا بأهمية جمال عبد الناصر، والشعوب تخرج قادة مثل أبو عمار وعبد الناصر مرة كل مئة عام.
واتضح لي أنه شخصية عبقرية بكل معنى الكلمة، فقد قال لكلينتون إن جوهر قضية اللاجئين شبيه بمعنى من المعاني بجوهر الرأسمالية الليبرالية لديكم. فاستغرب كلينتون من هذا الطرح. فواصل أبو عمار التفسير، قائلا: "أليس جوهر الرأسمالية الليبرالية لديكم هو احترام الملكية الخاصة واحترام حرية قرار صاحب هذه الملكية في التصرف بها، بالاستثمار أو البيع او التبديل، فهو حر في ماله، وجوهر قضية اللاجئين هو الجوهر ذاته، ينبغي ان يحترم حق الملكية للاجئ، وهناك أوراق ملكية، إن لم تكن أوراق طابو انتدابية فهناك أوراق طابو عثمانية، وتحترم حرية قرار اللاجئ في التصرف في ممتلكاته وحق العودة، أنتم (باراك وكلينتون) تطلبون مني أن أوقع على عودة خمسة آلاف أو خمسين ألفا، أو خمسمئة الف، وهذا لا يجوز، وتوقيعي لن يساوي الورق الذي وقعت عليه، وخلال مدة قصيرة ستجدون أنفسكم تفاوضون منظمة تحرير جديدة، ربما يقودها الفلسطينيون الذي تركوا أملاكهم في حيفا ويافا وطبريا وغيرها، لأن جوهر حق العودة كما قلت هو احترام الملكية وحرية احترام قرار المالك في التصرف بملكه". 
وهذا الملاحظة من أبو عمار ليست دقيقة فقط، بل هي قمة العبقرية، رسالتي في هذا السياق هو أن "اتفاقيات أوسلو" أراها من زاويتين: زاوية الإنجازات (الإيجابيات) وزاوية النواقص (السلبيات)، فلا يوجد شيء من صنع إنساني لا يخلو منهما. وطالما كانت الإيجابيات أكبر من السلبيات فنحن في وضع جيد.
في المجلس الوطني كانت هناك مطالب بإلغاء "اتفاقيات أوسلو"، وأنا اعتبر هذا الاقتراح خاطئا، فإذا ألغينا "أوسلو" لن تجد القيادة الفلسطينية وأعضاء المجلس الوطني فقط أنفسهم خارج فلسطين، بل كل من عادوا إلى فلسطين سيجدون أنفسهم معرضين لخطر اللجوء مرة ثالثة. وكل ما تم إنجازه من خلال "اتفاقيات أوسلو" من بناء مؤسسات وغيرها سيتم تدميره.
موقفي يقول إنه ينبغي اعتماد كافة الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير، وينبغي احترام كل نصوص قرارات الأمم المتحدة، التي قبلنا بها عند دخولنا الجمعية العامة للأمم المتحدة، النصوص حبر على ورق، ولكن نحن علينا أن نقاوم التفسير الصهيوني الاستيطاني للنصوص، ولا نقاوم النص.
كنموذج، كانت هناك لجنة صياغة لإعلان إقامة دولة إسرائيل 15 ايار 1948، الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي كان اسمه قبل قيام إسرائيل الحزب الشيوعي الفلسطيني، تقبل موقف السوفييت الموافق على قرار التقسيم 181 لعام 1947، والسكرتير العام للحزب الشيوعي مائير فيلنر كان عضوا في لجنة الصياغة، وأعدت عدة مسودات لـ"إعلان استقلال دولة إسرائيل"، وكان لدى فيلنر توصية يكررها في كل مسودة وهي إضافة مصطلح "ذات سيادة" في وصف دولة إسرائيل، لكن أغلبية أعضاء اللجنة رفضوا هذه الإضافة، فإسرائيل أقيمت كدولة وليست كدولة ذات سيادة، لماذا؟
لأن الدولة ذات السيادة، لها حدود ثابتة، وتمثل فقط مواطنيها، وفي النظرية الصهيونية السياسية وفي التركيبة الاستراتيجية للاستيطان الاستعماري الصهيوني، تمثل إسرائيل ليس فقط مواطنيها، بل كل تجمعات اليهود في العالم، وعندما تكون دولة ذات سيادة فهذا لا يجوز.
وعندما اعتُرف بها كـ"دولة محبة للسلام"، اعتُرف بها على أساس أنها تحترم كافة قرارات الأمم المتحدة، بما فيها قرارات 194 لعام 1948. ممثل الدولة التي قدمت طلب الانضمام للأمم المتحدة كان اسمه موشيه شيرتوك (أصبح لاحقا موشيه شاريت)، التزم بهذه الشروط، إذن، إسرائيل مخالفة لشروط انضمامها، وأقيمت كـ"دولة" وليس كـ"دولة ذات سيادة". ونحن نلتزم بالنصوص ولكن نقاوم التفسير الصهيوني لها، ففي القرار 181 يوجد نص يقول بتقسيم فلسطين ليس لدولتين بل لثلاثة كيانات، "دولة يهودية"، و"دولة عربية"، والقدس منطقة خاصة تحت إدارة الأمم المتحدة دون سيادة.
بما أن إسرائيل مخالفة لشروط اعتمادها كـ"دولة محبة للسلام" لدى الأمم المتحدة، وكونها لم يتم تأسيسها كدولة ذات سيادة، فنتقدم بطلبين، أولا، تخفيض صفتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة من دولة كاملة العضوية إلى دولة بصفة مراقب، وهنا يبدو لي أن الجمعية العامة ليست بحاجة لموافقة مجلس الأمن لتخفيض صفة إسرائيل من دولة عاملة إلى دولة بصفة مراقب. ومقولة إنه "يجب شطب اعترافنا بدولة إسرائيل حتى تعترف إسرائيل بدولة فلسطين" ليست حكيمة، بل نطلب أولا تخفيض صفتها في الأمم المتحدة، ونطلب طاقما قانونيا دوليا، (وأنا اقترح أن يكون برئاسة بروفيسور القانون الدولي المشهور جون كويغليJohn Quigley) كي يقدم لنا آليات القانون الدولي ولوائح الجمعية العامة للأمم المتحدة لكيفية القيام بذلك، وإن كان ذلك ممكنا تنفيذه.
أريد أن أضيف هناك عنصرا آخر، القانون الدولي ليس نصا جامدا دون مدارس مختلفة، فهناك أكثر من مدرسة، وإحدى أبرز هذه المدارس التي تصب لصالحنا منظرها هو البروفيسور كويغلي، الذي يقول إن قرار التقسيم لا ينص على ولا ينفي سيادة فلسطين الانتدابية من البحر إلى النهر، ونشر كتابا بهذا الصدد، فلماذا نتبنى التفسير الصهيوني؟! فلنتبنى تفسير القانون الدولي الذي يلائمنا. 
وبرأيي، وإذا قبلنا التفسير الصهيوني الاستيطاني سيكون هناك تناقض مع المسار الإستراتيجي الفلسطيني الرسمي منذ "اتفاقيات أوسلو"، وإذا رفضنا التفسير الصهيوني الاستيطاني قد يكون هناك توافق، أي: السيادة الفلسطينية من النهر للبحر، هذا يعني دستورا ديمقراطيا ليبراليا واحدا، وجنسية فلسطينية واحدة، وعملة فلسطينية واحدة، لكن هناك دولتين، (كما ورد حبر على ورق في نص قرار 181) ولكن وردت في هذا النص كلمة دولة “Jewish State”، ومكتوب أيضا “Arab State”، ولم يكتب في النص "دولة يهودية ذات سيادة"، ولا "دولة عربية ذات سيادة"، والقدس منطقة خاصة دون سيادة.
وسأتحدث عن القدس كمنطقة خاصة مثل واشنطن عاصمة الولايات المتحدة وهي منطقة خاصة، والسيادة عليها للكونغرس. فتحت سيادة الولايات المتحدة الأميركية“United Stated of America”، خمسون ولاية، خمسون "دولة" دون سيادة.
أذن، فلتكن القدس بمعنى قرار التقسيم عاصمة دولة فلسطين منطقة خاصة، مثل واشنطن، فالسيادة الفلسطينية عليها واحدة، وتحت سيادة دولة فلسطين "(ولاية) يهودية" دون سيادة، و"(ولاية) عربية" دون سيادة، ولدولة فلسطين عملة واحدة، وجنسية واحدة، وسيادة واحدة، اسمها: دولة فلسطين الاتحادية الديمقراطية(The Democratic Federal State of Palestine).
ويبدو لي أن هذا التفسير وطني فلسطيني مقاوم للصهيونية، وبه يمكن ان نتجاوز الاستيطان الصهيوني والاستعماري في المحافل الدولية، ونتغلب على العقبات التي وضعت أمام مسيرتنا السلمية. 
في سياق تصريحات ترامب بما يخص إعلانه القدس عاصمة لإسرائيل، ففي تقييمي هذه مقدمة لضم الضفة، وهنا سيكون تغيير جذري لقوانين اللعبة، لذلك علينا أن نفكر خارج الصندوق، ويبدو لي وبتواضع أن ما سبق هو اقتراح لتفكير خارج الصندوق قابل للنقاش.
وأختم بتعريف الأبارتهايد، الأبارتهايد ليس عنصرية شعبية، فالعنصرية الشعبية موجودة في كل مجتمع، ولتعريفها يمكن القول مثلا رفض شخص ما لشخص ما بسبب فرق بينهما على خلفية دينية أو عرقية أو جنسية أو لون أو غيره، والأساس للخلاص من هذه العنصرية هو الالتزام بالقيم الإنسانية. وفي الدول الديمقراطية الليبرالية الدستور هو الذي يحمي الشخص من أي يكون ضحية لهذه العنصرية.
الأبارتهايد (الفصل العنصري) هو إدارة العنصرية بموجب القانون، أو عنصرية يحميها القانون، وأنا أجري مقارنة بين إسرائيل وجنوب أفريقيا الابارتهايدية في فترة ما قبل الإفراج عن نيلسون مانديلا عام 1990، وإجراء انتخابات ديمقراطية عام 1994، واعتماد الدستور الديمقراطي عام 1996.
ما قبل  1990كان المفصل القانوني "أبيض" و"غير أبيض"، حينها كانت ما نسبته 87 في المئة، من مساحة جنوب افريقيا مخصصة قانونا فقط للـ"بِيض". الفصل العنصري في إسرائيل ليس بين "أبيض" و"غير أبيض"، بل بين "يهودي" و"غير يهودي" قانونا، 93 في المئة من مساحة أراضي إسرائيل ما قبل 1967 هي مخصصة بموجب القانون للـ"يهود" فقط. هذا ابارتهايد، ويبدو أن إسرائيل لا تقبل بسيادة فلسطينية في الأراضي التي احتلت عام 1967، بل لا تقبل بسيادة فلسطينية على سنتمتر مربع إلا إذا أجبرت على ذلك، وأمامنا آلية ضغط على إسرائيل بدعم من الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات عليها (BDS) التي تتحدى الأبارتهايد الإسرائيلي، من خلال مفوضية منظمة التحرير وسفارة دولة فلسطين لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
علينا أن نعمل أولا على تعريف إسرائيل كدولة أبارتهايد، وما إذا اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يعتبر إسرائيل دولة ابارتهايد، فستطبق عليها اﻟﻤﻌﺎهدة اﻟﺪوﻟﻴﺔ الإلزامية ﻟﻘﻤﻊ ﺟﺮﻳﻤﺔ اﻟﻔﺼﻞ اﻟﻌﻨﺼﺮي واﻟﻤﻌﺎﻗﺒﺔ ﻋﻠﻴﻬﺎ لعام 1973، وعندما يتم ذلك، )ويمكن أن يتم خلال خمس سنوات(، فسنرى بداية انهيار الصهيونية في فلسطين.
وأخيرا، في ضوء تصريحات المجرم ضد الإنسانية وزير حرب إسرائيل الأبارتهايدية افيغدور ليبرمان (صحيفة هارتس العبرية بتاريخ 12 أيار 2018) التي أمر بموجبها وبعد إحراق الجانب الفلسطيني من معبر كرم أبو سالم، بإغلاق المعبر، وهو المعبر الوحيد الذي يتم من خلاله إدخال الغذاء، والغاز، والوقود، من إسرائيل إلى قطاع غزة المحاصر (أكبر سجن مفتوح في العالم)، فإنني أدعو الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى ممارسة صلاحياتها وفق قرار الجمعية العامة 377(V)، المعروف باسم "Uniting for Peace"، بهدف إرسال قوات حفظ سلام دون أي تأخير (أي اليوم) لحماية الجماهير الفلسطينية في حالة إمكانية اجتيازهم السياج "الأمني" إلى الجانب الإسرائيلي في محاولة يائسة للهروب من إبادة عرقية (Genocide) ممكنة، و"إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة" بسبب تلوث المياه ونقص الغذاء.
* أوري ديفيس (دكتوراة في علم الإنسان)
• عضو المجلس الثوري لحركة فتح، ومقرر اللجنة السياسية للمجلس.
• نائب المفوض العام لمفوضية فتح للعلاقات الدولية ورئيس لجنة افريقيا في المفوضية.
• وعضو المجلس الوطني الفلسطيني.