الذاكرة الوفية – "سعد جرادات

عيسى عبد الحفيظ

عرفته في بيروت في بداية الأحداث عندما بدأ الوضع يسير باتجاه التصعيد الخطير مع القوات الانعزالية، شاب فلسطيني بكل معنى الكلمة. هادئ يتكلم بصوت منخفض ويدخل في الموضوع مباشرة دون مقدمات. مؤمن بعدالة قضيته، واثق أن الفلسطيني مهما ابتعد عن ساحة المعركة لا بد أن يساهم وإن كانت المساهمة عند سعد يجب أن تكون مقترنة بالفعل، والفعل عنده هو في ساحة المواجهة.

جمعتني به الأيام في بيروت في بيت لبعض الطلبة الذين كانوا يتلقون تعليمهم الجامعي في جامعة بيروت العربية وجرى حديث طويل ومتشعب وإن كان كله يدور حول الثورة وما تتعرض له من مؤامرات وكانت مؤامرة التصفية للثورة في بدايتها على الساحة اللبنانية.

كتلة متقدة من التحليل العلمي والسليم للمخاطر التي تتعرض لها الثورة، واستعداد دائم للتضحية، وإخلاص ونظافة يد ولسان مشهودة، وسمعة طيبة واحترام واضح من كل زملائه الذين كان يسبقهم بمراحل نضالية كبيرة وطويلة وغنية.

فمن جبال عمان إلى أحراش جرش وعجلون، وعمليات في العمق سطر سعد (عبد القادر علي داوود جرادات) تجربته الفريدة وامتلك شخصية القائد الميداني والتنظيمي الذي لا يسعك عندما تلتقيه إلا أن تعجب بهذه الشخصية الفريدة والهادئة إلى درجة تدفعك للتساؤل: "أحقاً هذا هو سعد"؟.

سعد ابن قرية سعير قضاء الخليل، ولد عام 1944 انهى تعليمه في مدارسها ثم ذهب إلى عمان ليعمل في سلك التعليم في منطقة جبل النصر، انضم إلى حركة فتح عام 1967 بعد نكسة حزيران وأكمل عدة دورات عسكرية وأظهر قدرة مميزة في التعامل مع الجماهير، وبراعة واضحة في العمل التنظيمي ما أهله لتحمل مسؤوليات عديدة ومتنوعة في العمل الحركي وأصبح عضواً في لجنة قيادة عمان.

تولى مسؤولية جبل النصر في أحداث أيلول 1970، ثم وفي عام 1971 انتقل إلى الأحراش تحت قيادة الشهيد أبو علي إياد.

انتقل إلى الساحة السورية بعد الأحداث وأصبح عضواً في لجنة شؤون الأردن حتى عام 1972 حين انتقل إلى الساحة اللبنانية ليكمل دراسته الجامعية في جامعة بيروت العربية، وانتخب عضواً في المؤتمر العام للاتحاد العام لطلبة فلسطين نائباً لرئيس الاتحاد فرع لبنان.

كان عام 1975 بداية الأحداث الدامية في لبنان حين أصبح البلد دون رئيس للجمهورية وتفكك الجيش اللبناني وشهدت معظم مؤسسات الدولة انهياراً شبه كامل، بدأ طلبة فلسطين بتنظيم أنفسهم للدفاع عن وجود الشعب الفلسطيني ولحماية الثورة من مؤامرة التصفية، وكانت النتيجة تشكيل ما سمي "السرية الطلابية" تحت قيادة الشهيد سعد وتم وضعها تحت قيادة الميليشيا التابعة لحركة فتح تحت قيادة الشهيد جواد أبو الشعر.

انتهزت القوى الانعزالية الصدام بين الثورة والجيش السوري، فقامت بشن هجوم واسع باتجاه رأس النبع والبرجاوي نتج عنه سقوط عدة مواقع عسكرية الأمر الذي تصدى له سعد برجولة وقرر القيام بهجوم مضاد لاستعادة تلك المواقع فشن هجوماً باتجاه الأشرفية أحد اهم معاقل الانعزاليين.

تقدم سعد المجموعة التي استطاعت التوغل في منطقة الأشرفية لكن الرمايات المضادة الغزيرة أصابته فسقط على الفور مضرجاً بدمائه وكان جرحه غائراً أدى إلى عدم تمكنه من الحركة وأدت إصابته إلى تراجع القوة المهاجمة وبقي سعد ينزف على أرض المعركة.

هرعت قوة من السرية الطلابية نحو منطقة القتال وتوغلت في منطقة الأشرفية ولكن دون جدوى فقد تم أسر القائد سعد جرادات وتم ربطه بسيارة ثم جرُه وهو مصاب وسط الأشرفية ثم تصفيته جسدياً وكان قد فارق الحياة أثناء عملية السحل واختفى جثمانه حتى يومنا هذا. كان سعد قد أعلن عن خطوبته قبل أسابيع قليلة وكان في الثانية والثلاثين من العمر.