حكومة اسرائيل ضد الدولة اليهودية

هآرتس – مردخاي كرمنتسر

كل من يعرف أن الديمقراطية ليست فقط سلطة الاغلبية، ومعظم الجمهور في اسرائيل يعرف ذلك، ويعرف أن الحكومة تتبع خطوات مختلفة لاضعاف الديمقراطية. وهذه الخطوات تعتبر مقبولة بالنسبة للكثيرين لأنها تُعرض وكأنها تعزز طابع اسرائيل كدولة يهودية، أمر عزيز ليهود كثيرين. في السطور القادمة سأحاول تبيان أن الحكومة تعمل بجدية ونجاعة ضد الطابع اليهودي لاسرائيل وذلك على اربعة اصعدة: وجود الدولة كدولة يهودية، التاريخ اليهودي للعمل من اجل الاقليات، علاقة اسرائيل مع الشعب اليهودي ومكانة اسرائيل في العالم كدولة يهودية.

الصهيونية أرادت ضمان سيادة اليهود على مصيرهم ومستقبلهم. لذلك احتاج الشعب اليهودي الى دولة خاصة به يشكل فيها الاغلبية. وجود دولة يهودية مشروط باغلبية يهودية ثابتة. الخطوات التي يتم اتخاذها من قبل الحكومة لضم زاحف لمناطق يهودا والسامرة ومحو فعلي ومحو من الوعي للخط الاخضر، تزيل قاعدة الاغلبية اليهودية وبالتالي الدولة اليهودية، حتى لو استمرت في تسمية نفسها هكذا فهي لن تكون كذلك.

على خلفية محاولة تاريخية طويلة للعيش بين ظهراني شعوب اخرى كأقلية وحسم الامر لانشاء اغلبية يهودية في دولة اسرائيل، أي، منع الاقلية من تشكيل خطر على هذه الاغلبية، فان المطلوب من ناحية اخلاقية هو وجود علاقات مثالية مع الاقليات هنا. العداء الذي يظهره رئيس الحكومة ووزير الدفاع للاقلية العربية هو عكس القاعدة الكبيرة التي وضعها العجوز هيلل – ما تكرهه لنفسك لا تفعله لصديقك. كما أن علاقة الحكومة من طالبي اللجوء من السودان وأريتيريا، بما في ذلك تصريحات الحكومة تجاههم، لم تكن لتخجل اسوأ اللاساميين في علاقتهم مع اللاجئين اليهود، ولا تستقيم مع التاريخ اليهودي ومع كون اسرائيل دولة لاجئين.

التاريخ اليهودي يعلمنا أن الاقليات تحتاج الى الحماية القانونية الخاصة، وأنه لا يمكن الاعتماد على الاغلبية في الدولة بأن تتصرف مع الاقليات بشكل منطقي. اليهود في الشتات وقفوا بسبب ذلك مع آخرين في جبهة واحدة للنضال من اجل تراث عالمي للدفاع عن حقوق الانسان وحقوق الاقليات. هذه الحماية لا تعترف بـ "حق" الدول السيادية في سحق حقوق الاقليات، استنادا الى سيادتها. منذ فترة تريد حكومة اسرائيل بطرق عديدة رفع هذه الحماية عن الاقليات التي تعيش في البلاد. وكأنها تريد أن تقول بأن الحماية الخاصة في وجه الاغلبية هي من حق اليهود فقط، وليس للاقليات الاخرى هذا الحق. كما أن المطاردة المنهجية لمنظمات حقوق الانسان استنادا الى "جريمتها" – الحصول على الاموال من الدول الاجنبية – تعارض بشدة تراث الحماية العالمي، ويمكن أن نضيف – اليهودي ايضا – عن حقوق الانسان والاقليات.

 حسب التراث اليهودي فان الهيكل تم تدميره بسبب الانقسام والنزاع في اوساط الشعب، ليس فقط أن الحكومة لا تعمل على جسر الخلافات المختلفة ورأب التصدعات بينها، بل تفعل العكس تماما وتشعل الخلافات والتوترات. هذا اساسا عن طريق سلب شرعية عن كل من يعارض سياستها وعرضه كعدو للشعب والدولة، وعن طريق تفضيل مجموعتين – الحريديين والصهاينة المتدينين.

دولة يهودية هي دولة لها علاقة خاصة مع الشعب اليهودي في الشتات، وهي تتحمل المسؤولية عن مصيره. الحكومة في المقابل منشغلة باتباع ممارسات مميزة في اسرائيل باسم الحفاظ على نقاء السكان في المستوطنات عن طريق قانون لجان القبول ومشروع قانون اساس: القومية. هذه الممارسات توجد نموذج يُمكن ويستدعي التمييز ضد الاقليات، وكذلك ضد يهود الشتات الذين سيفرح من يكرهون اليهود بتبنيها خارج اسرائيل من خلال الاستناد الى النموذج الاسرائيلي. معظم يهود العالم، وبالتأكيد معظم يهود الولايات المتحدة، هم ديمقراطيون ليبراليون. إن الطلاق القاطع الذي تعطيه اسرائيل للنموذج الليبرالي للديمقراطية يفصلها عن معظم الشعب اليهودي. لم يكن في أي يوم حكومة أدت الى شرخ عميق وخطير كهذا مع يهود العالم مثل هذه الحكومة.

حكومة تعمل على المس بمكانة النساء، الاقصاء والفصل بطرق أخرى، لا يمكنها أن تؤدي الى تماهي الشعب اليهودي مع دولة اسرائيل. من يقود خطوات تدين الدولة يغلق عمليا ابوابها في وجه هجرة اليهود الليبراليين. ولا يقل عن ذلك خطورة حقيقة أنه في النضال على روح اوروبا، تضع اسرائيل نفسها في جانب من يؤيدون نقاء الشعب، بالتماهي التام للدولة، مع الاغلبية العرقية فيها – دول غير ليبرالية مثل هنغاريا وبولندا.

ليس غريبا أن وطنيين مناوئين لليبرالية يجدون لغة مشتركة – على نمط "يا وطنيي العالم اتحدوا" – ولكن حقيقة أن الاحزاب الحاكمة في هذه الدول تفوح منها رياح اللاسامية، لا تردع الحكومة عن هذا التحالف، هي لا ترتدع عن منح الشرعية لهذه الحكومات، وتبييض اللاسامية فيها. حتى قانون بولندا الذي يريد اخافة من يريد قول الحقيقة حول الجرائم التي نفذها البولنديون ضد اليهود في زمن الكارثة، لم يجعل حكومة تتخذ ردا مناسبا. بهذا فقد اشركت الحكومة نفسها في تلويث ذكرى الكارثة وضحاياها، وأدارت ظهرها لمعظم الشعب اليهودي وناقضت طابعها اليهودي.

الشرعية الدولية لاسرائيل كدولة يهودية تستند الى التزامها بالمساواة بين كل مواطنيها، أي، رؤية ليبرالية للديمقراطية. لقد حظيت بتعاطف العالم الذي يحب الحرية بالتحديد بفضل مشروع الديمقراطية الليبرالي الذي أنشيء هنا بجهد كبير منذ قيام الدولة، وبدرجة كبيرة على أيدي محكمة العدل العليا على مر اجيالها. إن قضم اساس هذا المبنى يرتبط بفقدان الشرعية والتعاطف. إن تراجع الحزب الديمقراطي ومؤيديه في الولايات المتحدة عن دعم اسرائيل، يجب أن يقلق كل من يخاف على مستقبل الدولة على المدى البعيد. القطيعة التي وضعتها وزيرة العدل اييلت شكيد بين الصهيونية وحقوق الانسان من اجل تبرير مشروع حياتها لالغاء دور محكمة العدل العليا – تناسب أعداء اسرائيل والصهيونية الكبار، كما أنها ستخدمهم في نضالهم ضد الدولة.

باختصار، خسارة الديمقراطية المرتبطة بخطوات الحكومة لا تخدم يهودية الدولة، بل العكس، الحكومة تعمل في نفس الوقت ضد اسرائيل كدولة ديمقراطية وضد اسرائيل كدولة يهودية، وهذا الامر لا يرفع مكانة دولة اسرائيل.

الشعب اليهودي أراد لنفسه حياة حرة أمام الاستبداد والطغيان. الاستبداد والطغيان لا يغيران طابعهما فقط بسبب أنهما جاءا من الداخل. اليهود يعرفون جيدا من التجربة التاريخية أنه ليس فقط الاغلبية دائما محقة، بل إن الاغلبية يمكنها القيام باعمال ظلم كبيرة وخطيرة. تجربة الحكومة قبيل يوم ميلاد الدولة السبعين بمنحنا "هدية" على شكل رفع الحماية القانونية عن حقوقنا، تمثل انحطاط لم يسبق له مثيل في سلوكها. عاش كاره الهدايا. علينا الدفاع عن استقلالنا، أي، الحفاظ على حقوقنا الاساسية من سلطة الاغلبية ومن الحكومة التي تريد منحها قوة غير محدودة.