غرفة قديمة تحتضن "عصورا من التاريخ"

الحياة الجديدة- عمرو طبش- الغيرة الوطنية كانت الدافع الأول لانجاز متحف العقاد للتراث والآثار في مدينة خان يونس، والذي يضم الآلاف من القطع الأثرية الثمينة التي تعود الى عصور تاريخية عديدة ومنها العصر الروماني والعصر البيزنطي وغيرها.

مساحة صغيرة داخل منزل بسيط، عبارة عن غرفة قديمة لا تتجاوز عدة أمتار تتكدس فيها القطع الأثرية بسبب صغر المكان وضيقه.

"وصية من والدي كانت سببا رئيسيا في اهتمامي بجمع المقتنيات، كان عند والدي سيف قديم ديواني ومحفظة تركية، أوصاني بالحفاظ عليهما"، يقول الباحث في علم الآثار والتاريخ وليد العقاد قبل أن يضيف"عندما رأيت الأهرامات والمتاحف المصرية ذُهلت، وحينما عدتُ إلى غزة بدأت فورا أبحث عن كل شيء قديم يخصُ وطني"، موضحا أن فكرة جمع المقتنيات الأثرية بدأت عنده من تلك اللحظة.

أفنى العقاد عمره في هذا العمل الوطني الذي لا يقدر بثمن، لكن ليس بمجهوده الشخصي فحسب، بل بمساعدة أبنائه كذلك الذين كانوا يقتطعون من قوتهم اليومي لشراء هذه المقتنيات والحفاظ عليها.

أمضى العقاد سنوات عديدة وهو يبحث عن هذه القطع الأثرية، في سنةٍ ما عثر على قبر إسلامي في بيت جده أثناء بناء بيت جديد في قلعة برقوق، وجد فوقه بلاطة مكتوب عليها (بسم الله الرحمن الرحيم، كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلالة والاكرام، هذا قبر العبد الأمير الكبير المجاهد جمال الدين الشنقير معلم الملك الظاهر بيبرس وتوفي سنة 585 هجري).

يؤكد العقاد أن هذه البلاطة كشفت عن تاريخ مدينة خان يونس، مضيفاً "غزة لها حضارة وتاريخ وسكنتها حضارات شملت العصور اليونانية (2332 ق.م) ، والعصر الرومانية (2150 ق.م)، والعصر الكنعاني (4500ق.م)، والعصر البيزنطي (1650ق.م)، والعصر العباسي والأيوبي والمملوكي، بالإضافة الى العصور الإسلامية التي يوجد لها مقتنيات خاصةً الدينار من الذهب إذ كتب على الوجه الأول "لا اله الا الله محمد رسول الله " والوجه الثاني " الله احد لم يلد ولم يولد" والاطار الخارجي "لا اله الا الله ".

البيت العربي المنصوب على مدخل المتحف، مفروش من جواعد شعر الأغنام والأدوات الفخارية والرحى "الطاحونة" ودلة القهوة التي تدل على الكرم العربي، وبالإضافة الى قسم التحنيط الذي يحتوي على بعض الطيور النادرة منها حية الكوبرا وطائر الطاووس وطائر الفينيق وطائر البجعة ورأس تمساح.

وأشار العقاد إلى أن هناك عدة أقسام أخرى في المتحف ومنها قسم النقود والتي تعود لعصور عدة منها الفارسي واليوناني والروماني والبيزنطي والإسلامي والاموي والعباسي والفاطمي والمملوكي والايوبي والعثماني والكنعاني، كما توجد شهادة ميلاد تعود لقبل الميلاد وأول عدد من جريدة الاهرام .

الاحتلال الإسرائيلي العائق الأكبر أمام العقاد في البحث عن هذه المقتنيات وجمعها، فكان العمل خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي سرا خشية من وصول الاحتلال الى هذه الآثار.

وأضاف : "شاهدت وزير جيش الاحتلال موشيه ديان وبرفقته طاقم خاص وهو ينقب عن الآثار في مناطق عديدة من قطاع غزة"، منوها إلى أن هذه المناطق غنية بالآثار.

وبين  أن الاحتلال خلال عمليات الاجتياح للمناطق الحدودية الشرقية من غزة يعمد إلى تدمير هذه المناطق وتجريفها، مضيفا"كنت أحاول شراءها وانقاذها وقد تعرضت لأكثر من مرة لإطلاق نار خلال محاولاتي تلك".

وأوضح أن الهدف من إنشاء هذا المتحف هو أن يتعرف كل انسان على تراثه وحضارته وتاريخه وأن الإنسان الفلسطيني له تاريخ وحضارة وهوية، لافتا إلى أن  كل حجر او أثر في هذا المتحف يعتبر ورقة طابو له تثبت أحقيته في هذه الأرض، معتبرا ان "بناء المتحف ردا على الساسة الإسرائيليين عندما قالوا الكبار يموتون والصغار ينسون، وينفي كل ما يدعيه الإنسان من تزييف لهذه الأرض فنحن أصحابها الكنعانيون الفلسطينيون الأصليون على هذه الأرض".