ثلاث حالات فشل نووية.. والرابعة على الطريق

هآرتس – حاييم رامون

في كانون الاول 2003 أعلن الرئيس الليبي في حينه معمر القذافي أنه قرر تصفية المشروع النووي في بلاده. هذا الاعلان نزل على الاستخبارات الاسرائيلية مثل الرعد في يوم صاف. لم تكن لاسرائيل أي فكرة أن ليبيا عملت بجدية على تطوير قدرة نووية عسكرية في عدة اماكن، ووصلت الى مراحل متقدمة جدا. الاجهزة الاستخبارية الأميركية والبريطانية لم تشرك اسرائيل في المعلومات التي توجد لديها عن المشروع النووي الليبي، حتى أنها أخفت عنها خطواتها من اجل تفكيك صناعة الذرة الليبية.

اذا كانت دولة معادية مثل ليبيا، التي يترأسها "طاغية" غير متوقع مثل القذافي، تطور قدرة نووية دون أن تلاحظ الاجهزة الاستخبارية لدينا ذلك أو تشك فيه، فان هذا فشل استخباري خطير. حسب رأيي، كان هذا هو الفشل الاكبر منذ فشل حرب "يوم الغفران"، الذي أجبر الاجهزة الاستخبارية على القيام باعادة تقييم داخلي جدي.

الفشل الليبي كان الاول من بين حالات الفشل في موضوع السلاح غير التقليدي في الدول العربية. الفشل الثاني كان في اجهزة الاستخبارات العسكرية بخصوص حرب الخليج الثانية. في ذروتها، في 8/4/2003، مثل امام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست رئيس الاستخبارات العسكرية وقال: "أنا أقدر بصورة معقولة جدا وجود سلاح غير تقليدي لدى العراق". كما قيل في الاستخبارات العسكرية إنه يوجد لدى العراق بين 50 – 100 صاروخ. ايضا في نهاية الحرب وبعد هزيمة الجيش العراقي تماما أمام جيش الولايات المتحدة وحلفائها امتنعت الاستخبارات العسكرية عن التوصية للمستوى السياسي بالغاء حالة التأهب وتحرير مواطني اسرائيل من الكمامات التي كانت ترافقهم. لقد خاف جهاز الاستخبارات من أن تهاجم اسرائيل من منطقة شمال غرب العراق التي لم تحتل بعد. هذا القرار جسد الاعتقاد الراسخ لجهاز الاستخبارات بوجود سلاح غير تقليدي وصواريخ ارض – ارض لدى النظام العراقي.

في الفترة التي سبقت حرب الخليج الثانية، وفي منصبي كرئيس لجنة الخارجية والأمن حتى شباط 2003، وعضو في اللجنة بعد ذلك، عارضت هذه النتيجة بشكل علني. فقد استندت الى حقيقة أنه رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها افضل الاجهزة الاستخبارية في العالم، بما فيها الاستخبارات الاسرائيلية، إلا أنه لم تتم ملاحظة أو تشخيص أي اشارة على وجود صواريخ ارض – ارض بعيدة المدى ومنصات لاطلاقها. كما لم تكن هناك أي علامة اخرى على وجود سلاح غير تقليدي هناك. بناء على ذلك اعتقدت أنه لا يوجد للعراق قدرة على مهاجة دولة اسرائيل: "إما أنه لا يوجد لديه صواريخ واجهزة اطلاق وسلاح غير تقليدي، أو اذا كانت هناك وسائل كهذه لديه فهي مفككة ومدفونة، وعمليا غير مؤهلة للعمل".

لقد قلت إن صدمة حرب "يوم الغفران" تركت أثرا عميقا في وعي وتفكير الاستخبارات الاسرائيلية. في اعقاب هذه الحرب مالت الى تفسير الوقائع بصورة خطيرة بسبب الخوف من فشل انذاري، واتبعت سياسة "حماية الذات". توصية الاستخبارات للحكومة بأن تأمر بفتح الكمامات (بتكلفة أكثر من 100 مليون شيقل) كانت نتيجة حذر مبالغ فيه ومحاولة للامتناع عن مخاطرة معقولية تحققها ضئيلة. التعبير عن رؤية الاستخبارات "ظل الجبل هو جبل" كان في التوصية بتطعيم مواطني اسرائيل ضد الجمرة الخبيثة. حتى جنود جيوش التحالف الذين شاركوا في الحرب العراقية لم يتم تطعيمهم ضد "الجمرة الخبيثة".

في نهاية الحرب قرر رئيس لجنة الخارجية والأمن الذي حل مكاني، عضو الكنيست يوفال شتاينيتس، تشكيل لجنة لفحص جهاز الاستخبارات بعد الحرب العراقية. اللجنة قدمت استنتاجاتها في آذار 2004. في التقرير تطرقت اللجنة الى حالات الفشل في تقديرات الاستخبارات العسكرية، والتي تبين أنها بعيدة عن الواقع. على ضوء حالات الفشل الاستخبارية في كل ما يتعلق بالسلاح غير التقليدي، سواء في ليبيا أو العراق، قررت اللجنة عقد لقاء كل ستة اشهر مع رئيس الموساد ورئيس الاستخبارات العسكرية، يتم فيه مناقشة امكانية وجود سلاح نووي لدى الدول العربية بشكل عام، ولدى سوريا بشكل خاص.

في النقاش الذي جرى في نهاية 2004 طرح اعضاء اللجنة وعلى رأسهم رئيسها شتاينيتس احتمال وجود سلاح نووي لدى سوريا. اجابة رئيس الاستخبارات كانت: "سيدي الفيلسوف، بصفتي رئيس استخبارات عسكرية ومهني، أقرر أنه لا يوجد احتمال لتقديرك". رئيس اللجنة اجابه: "سيدي رئيس الاستخبارات العسكرية، بصفتي فيلسوف فقد تعلمت متى يجب علي أن أثير الشك. وأنا أشك بتقديرك الاستخباري". بهذا تم التعبير عن الفشل الثالث للاستخبارات العسكرية والموساد في موضوع وجود السلاح النووي لدى الدول العربية.

اليوم من المعروف أن سوريا بدأت في بداية سنوات الألفين في اقامة مفاعل بلوتونيوم. ليس هناك خلاف حول أنه حتى منتصف 2006 لم تكن هناك أي فكرة، لا لدى الاستخبارات العسكرية أو الموساد، بأن مفاعل كهذا تتم اقامته من قبل السوريين بمساعدة كوريا الشمالية في منطقة دير الزور. ولا يوجد خلاف حول أن الامر يتعلق بفشل كان يمكن أن تكون له تداعيات مصيرية على دولة اسرائيل. لحسن حظنا، في منتصف 2006 اشارت الاستخبارات العسكرية الى احتمال وجود مفاعل نووي سوري، في آذار 2007 احضر الموساد "الدليل الذهبي" على وجود هذا المفاعل. وفي ايلول 2007 قررت الحكومة الاسرائيلية برئاسة ايهود اولمرت قصف هذا المفاعل، وقام سلاح الجو بتنفيذ المهمة بنجاح.

في الحالات الثلاثة التي ذكرتها فشلت الاستخبارات الاسرائيلية، ولم تحضر في الوقت الصحيح معلومات صحيحة عن برامج سلاح غير تقليدي في الدول العربية. أنا لا أنوي المحاسبة على امور من الماضي، بل أريد التحذير بالنسبة للمستقبل. الامر الذي يدور الحديث عنه يتعلق كما هو معروف بالمشروع النووي الايراني. في 2008، وفي نهاية نقاش الطاقم الوزاري في حكومة اولمرت الذي عالج المشروع النووي الايراني والذي كنت عضوا فيه، توجهت لرئيس الموساد في حينه مئير دغان وسألته "مئير، انظر الى خارطة ايران، مليون كم مربع، هل لديك شك وخوف من أن الايرانيين يخفون جزءا من المنشآت النووية الخاصة بهم، لا سيما منشآت اجهزة الطرد المركزي، التي ليس لدينا أي فكرة عنها؟"، وكان جوابه "هذا الامر محتمل بالتأكيد".

كما هو معروف، في الاعوام 2011 – 2012، كان بنيامين نتنياهو وايهود باراك ينويان القيام بعملية عسكرية ضد المنشآت النووية الايرانية. خطة الهجوم ارتكزت الى الافتراض أنه توجد لدينا معلومات صحيحة عن كل المنشآت النووية الايرانية. هذه كانت فرضية خاطئة تماما. حسب تجربة الماضي، كان يجب الأخذ في الحسبان أنه يوجد للايرانيين منشآت نووية، ليس لنا وليس للغرب أي فكرة بمكان اخفائها. لو أننا قمنا بتنفيذ الهجوم ودمرنا المواقع المعروفة، فيمكن الافتراض بأن الايرانيين كانوا سينجحون في اعادة بناء قدرتهم النووية بسرعة كبيرة بواسطة نفس تلك المواقع، التي لم نعرف عنها، وكانوا سيطورون السلاح النووي خلال فترة قصيرة. بناء على ذلك فان الطريقة الوحيدة للعمل ضد التسلح الايراني هي بالوسائل الدبلوماسية، مثل التي أدت الى التوقيع على الاتفاق النووي الحالي رغم نواقصه. هذه هي الطريقة التي يجب على المجتمع الدولي اتباعها مستقبلا مع أخذ العبر من الاتفاق الحالي.