إستراتيجية الأنف النازف

إسرائيل اليوم– امنون لورد

يستعد دونالد ترامب لهجومه في سوريا. وبدأت عاصفة الحرب في سوريا تجترف المزيد من الدول والمنظمات الى حركتها الطردية – الى الخارج. ولكن في اسرائيل – وبقدر كبير في اوروبا ايضا، دارت عاصفة انباء ملفقة غير مسبوقة. وهذا يشبه دوما الظاهرة غير المسبوقة. صور القناص الاسرائيلي ينفذ نارا مبررة قبل بضعة أشهر على الحدود.

هذه علائم الموسم. الرئيس ترامب يعلن بانه سيخرج قريبا القوات الأميركية من سوريا. ولكن بعد نحو اسبوع يقع حدث فظيع، فتجده يجتذب الى الداخل بالذات. الى هجوم آخر، لم يتحقق بعد حتى لحظة كتابة هذه السطور. في نظرة تاريخية، تحطمت محظورات الحرب ليس فقط في الهجمات الكيماوية. فهجوم قوات روسية قبل نحو شهرين على قاعدة اميركية في سوريا، بينما لا يرتدي الجنود ملابس الجيش الروسي، يعتبر كسرا لقواعد اساسية في الحرب.

عندما هاجمت اسرائيل في بداية الاسبوع (الماضي)، وفقا للمنشورات، لم يكن واضحا بعد على الاطلاق ما الذي يعتزم الأميركيون عمله ردا على "المذبحة الكيماوية" المتكررة لبشار الأسد. اسرائيل، التي تنسق مع روسيا، تجد نفسها رغم أنفها من خلف المتراس الأميركي. ما كان مختلفا في الهجوم الليلي، حسب منشورات اجنبية، لسلاح الجو ليلة الاثنين من هذا الاسبوع (الماضي) – هو التأكيد الجارف من المحيط على أن اسرائيل هي التي نفذت الهجوم.

تفضل القيادة الأمنية منذ زمن بعيد الحفاظ على الغموض في الهجمات التي تستهدف فرض الخطوط الحمراء الاسرائيلية. ولكن يحتمل أنه منذ الهجوم السابق، تحطم الغموض. عندها اعترضت طائرة ايرانية مسيرة تسللت الى اراضينا واسقطت طائرة اف 16 لسلاح الجو.

هذا الاسبوع (الماضي) ليس الروس وحدهم اتهموا اسرائيل علنا بل والأميركيون ايضا اكدوا ان سلاح الجو هاجم تي فور.

البعد الاضافي لحرب الصد، اذا كان ممكنا ان نسميها هكذا، هو "منع التواجد الايراني في سوريا". هذا يتجاوز جدا الخط الاحمر المتمثل بنقل السلاح المتطور محطم التعادل الى حزب الله. فالاحتكاك يرتفع درجة. والقيادة الأمنية تقدر بان الايرانيين مصممون على التواجد في سوريا و"نحن نقول اننا لن نسمح باي تواجد ايراني".

وهكذا يتعاظم احتمال الاحتكاك. وهذا هو تقدير اعلى المحافل. ينبغي القول – في نهاية المطاف الايرانيون يتواجدون في سوريا منذ الان. والسؤال الوحيد هو: ما هو نوع الرد الذي يمكن ان نتوقعه من ايران، ومتى سيتحقق؟

كل الجهات في المحيط يريدون تحدي اسرائيل – من حماس وحتى ايران، سوريا، حزب الله والسلطة الفلسطينية ومعاونيها. ولكن احدا لا يريد حربا مع اسرائيل. هذا هو التقدير الذي يوجه اسرائيل عندما تأخذ القيادة الأمنية المزيد فالمزيد من المخاطر في الهجمات المختلفة.

بالنسبة لايران – الردع ضدها يجب أن يكون عدوانيا اكثر مما هو ضد جهات اخرى. في حديث مع خبراء سياسيين مقربين من رئيس الوزراء ذكروا حتى قبل الهجوم الاخير استراتيجية يسميها الأميركيون "الانف النازف". فاذا استفزك احد ما في الشارع أو هددك أو حاول الاعتداء عليك، فانك تلكمه في الانف. فالاستفزاز لا يساوي ان تطعنه بسكين أو ان تطلق عليه الرصاص.

هكذا في سوريا. فما يفعله الايرانيون لا يبرر هجوما شاملا لابادة كل التواجد الايراني؛ ولكن من المجدي جدا أن يؤلمهم، وان ينزفوا. الهجوم هذا الاسبوع (الماضي)، الذي نسب لاسرائيل، لا بد يؤلمهم اذا كانت قاعدة الطائرات المسيرة دمرت وقتل بعض من رجال الطاقم، بينهم ضابط برتبة عقيد.

لقد بدأت الحرب في سوريا بانهيار داخلي. وهي اليوم كالاعصار الدائر نحو الخارج. من الصعب احصاء الجهات التي تدير الحروب بهذا القدر او ذاك من الكثافة في سوريا ومحيطها. ليست في الذاكرة حرب كهذه، ليس فيها طرفان لكل منهما حليف خاص به. فكلما عمقت تركيا تدخلها عبر حرب ضد الاكراد، هكذا اسرائيل ايضا تبدأ في أن تكون متدخلة أكثر فأكثر. فلم تعد هذه هجمات موضعية على قافلة ما، أو ضربات ضد طرف نشط في الحرب – ايران.

مشكوك أن تكون التقديرات الاستخبارية الاستراتيجية لاسرائيل قد توقعت تطورا كهذا. فالمبرر الاساس لمعارضي الهجوم على منشآت النووي كان انها ستبدأ حربا ضد ايران وفروعها، ولا سيما حزب الله، ولم تتوقع ان يجعل الاتفاق النووي سوريا ثقبا اسود على حافة بيتنا، ويفتح جبهة ساخنة مباشرة بين اسرائيل وايران. الان ايضا، المؤسسة الأمنية تواصل الدفاع عن الاتفاق النووي وتشدد على ان الايرانيين يحترمون الاتفاق. فهل رئيس الوزراء ورئيس الموساد في رأي الاقلية في هذا الموضوع ؟

ما يمكن ان نراه هو ان جهود اسرائيل للحفاظ على الردع في الشمال تتطلب ضربات قاسية اكثر فأكثر وبوتيرة متزايدة. السؤال هو: هل ستجعل الاعمال المتواصلة حربا حقيقية؟ النائب عوفر شيلح قال انه لأسباب تاريخية كان ينبغي لاسرائيل أن تفعل اكثر في سوريا. اما رجال أمن آخرون فيستخدمون الاسباب الاخلاقية. والمقصود هو "شل جيش الأسد ومعاقبته على الاستخدام للغازات السامة". يؤمن نتنياهو وليبرمان بانهما اذا نفذا عملية في سوريا فيجب أن تتوافق مع مصلحتنا الواضحة. "عدم ادخال الرأس السليم الى سرير مريض". سلاح الجو السوري لا يشكل تهديدا على إسرائيل. ولهذا لا يبذرون عليه الذخيرة. توقيت الهجوم ضد القاعدة الإيرانية يرتبط "بالهجوم الكيماوي" في دوما. ولكن العملية كانت بمثابة استغلال للفرصة. فليس ناجعا التفريق بين أجزاء الحلف السوري الشرير. فضرب الإيرانيين هو عقاب جيد بما يكفي، وترامب وماكرون سيعالجان الأسد. على أي حال احد لا يعرض ان تهجر إسرائيل الاتصال الاستراتيجي المجدي مع روسيا بسبب "جرائمها" في سوريا.