إبن السّت قاقون

أخي وصديقي الروائي عزت الغزاوي في ذكراه ال15

متوكل طة

***

كان ينبغي له أن يكون شاعراً ممسوساً بسنبلةِ اللّيل وأفعى النهار، لكنه وقع في شُبهةِ النهر وشجر الحور، وما نبت عليه من كلام وحرير. وكان له أن يلبس دُرّاعة الصوف في خشوع الأديرة، أو ينفض إثمدَ الحبر كلّما هبطت آيةٌ من نور على ورق يافع نظيف.

لكنه لم يبرأ من الناي وعروق الذهب الخالص، وربما كان له أن يشاطر الهذيلي قليلاً، فتمتدُّ خيوطُ عينيه، لكنه آثر الاصطفاف مع عقل الواقع الذي ما فتئ يبحث عن رأسه بين المجنزرات والحيطان الكابية وصرخات الصغار المفزوعين باليُتم والرُعب والشجر المخلوع عن مُلْكِه الأبدي، لهذا لم يحقد ولم يَدْعُ لثأرٍ، بل، ربما تجاوز، حتى المبالغة، في دعوته لتعايشٍ، أعتقدُ كليّاً، أنه لن يكون على هذه الأرض الصعبة، وعزاؤنا أن قرارةَ قلبه تنبض بهذا الاعتقاد الباهظ، أيضاً.

* * *

بيننا عسلُ الدعوات ..

من أمهات القرى والبلاد الذبيحةِ ..

بيننا الزيتُ والبيتُ والسجنُ

والدمعُ في يقظة الشاهدين ،

والسرُّ في لمعةِ القيد والعتمات.

وهذا اللباءُ المُحلّى

من "الست قاقون" التي حاصروا قبرَها

أو منعوا أمَّها

من جنازتِها في الحياة .

بيننا كلُّ هذا الرِضى

والندى،

كلُّ هذا الشجنْ ،

.. بيننا خبزُ زوجاتنا يا صديقي،

وحزنُ أفراحنا

للحفيد الرضيع الذي جاءنا كالوطنْ ،

لتسهرَ في ظلّه نجمةٌ للبنات.

بيننا مثلُ ما بين سيفٍ وسيف،

وغيمٍ وصيف،

وأرجوحةٍ تحمل العيدَ في ريحها

للصغار،

وما بين وردٍ ونار،

وعُرسٍ ودار،

وغابةِ ماءٍ

وبدرٍ يغار ،

وملحِ الرواة .

بيننا يا أبا جاد

شهدُ الجيادِ وريحُ البلادِ،

وثالثنا لا أسمّيه إلاّ الفؤاد،

ينبضُ بالسِّحرِ حتى تفيضَ عليه الصلاة.

ثلاثتنا يا صديقي :

صهيلٌ كما عرفته الفلاةُ

ورمحٌ لهذا الزمان الموات ،

وحُرُّ كما تشتهي الأمهات.

بيننا - الآن - هذا السُدى ..

والمدى .. والممات ..

بيننا كلّ هذا السُدى والمدى والممات ..

 

***

يوم الرحيل 4-4-2003 :

ربما كان الموت، في اختطافه "عزّت"، قد دوّى بجرسه الهائل، حتى صمّ آذاننا، لنستيقظ من غفلة الموت المتحرك، ونحضّر، ما ينبغي، لتلك الغفوة العميقة في ذلك البرزخ المعتم، تحت أسئلةٍ تبدو مفزعةً رهيبة، لعلّنا نكون بعيدين عن حفرة النار .. ويكون ذلك القفص الترابي الخانق روضةً تُطلّ على الخلود المريح.

لقد كان موته صعقة طاغية، تشبه في ثقلها، ذلك المشهد الذي يقصم الظهر ويفتت الكبد، ويفجّر الرئتين، علماً أن ذلك المشهد هو الذي قتل عزت، فمات شهيداً، لم يحتمل مرأى تلك الطائرات التي تبعثر الحياة والصغار والبيوت في العراق، والجنود المدججين الذين يمرّرون أياديهم تحت جلابيب النساء العراقيات الماجدات، يفتشون في لحمهنّ الشريف عن سلاحٍ أو حزام ناسف ؟! كيف كان لعزت أن يحتمل تلك اللحظة المريعة التي تشهد على زمن الذلّ القومي والانسحاق المهين والاستلاب والقمع الكامل !!؟

ربما، كان طبيعياً أن تنفجر رمّانة صدره على ما يرى هناك .. بعد أن رأى هنا ما يطحن عظم النابض فيه. لقد قتلوا عزت قبل أنْ يولد، عندما اقتُلع أبواه وحملاه من "قاقون" في صلبيهما، وجاءا به إلى "دير الغصون". وقتلوا عزت عندما قتلوا ابنه "رامي" أمام عينيه برصاصهم الطائش المجنون ! وقتلوا عزت عندما منعوه، قبل عام، من أن يشارك في جنازة شقيقه الذي مات في الأردن، إبّان الاجتياح الإسرائيلي، الذي كان استباحةً لكل الأشياء. ولقد قتلوا عزت عندما صمت العرب والمسلمون والعالم المنافق على ذبح شيوخ العراق ونساء العراق وأطفال العراق ونخيل العراق.

وبالتأكيد، فإنني خسرتُ أخاً وصديق عُمْر وشريك عمل وأحلام. فمَنْ بعد اليوم سيتصل بي قائلاً : "يا حاج" .. فتصلني الجيم وقد انتشر حبقُها في روحي .. ومَنْ الذي سيكون أوّل مَنْ يشدّ أزري إذا ماتت أمي مرّة أخرى، أو يضحك بإشراقٍ طفولي إذا عُدتُ من الحجاز ؟؟؟

لم نفترق لنلتقي .. بيننا عشرون ربيعاً، بدأت مع تأسيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين لنكون، أول وثاني رئيس لأول اتحاد موحّد للكتاب هنا، على هذه الأرض المسيّجة بالجنود والسجون والكلاب والفجائع.

بيننا عشرون عاماً من الوشائج العائلية والمناكفة والرضى والأسرار الصغيرة. لقد قال لي، قبل بضعة شهور، يوم زفاف ابنه "صخر" : (سيكون هذا آخر فرحٍ أحضره ..) وطفرت دمعة ماسية صغيرة من عينه، والغريب أن تلك الجملة عبرت إلى صدري مثل سكين الهواء، وأصابتني باكتئاب غامض .. ولم تفلح كلماتي المهنِّئة له والمتمنية له ولأولاده بطول العُمْر والسعادة، أن تمنع دمعة ثانية من الانهمار من عينيه.

يا عزت. أعرف أن هاجس الموت كان ظلك المريب الذي تراه، وربما تتحاشاه، لكنه يتبعك دون تعب. وأعلم أنك لم تكن تخاف الموت، لأنك كما قلت : (لقد استطاع ابني رامي أن يعبر الموت، واستطاع أن يحتمله، فكيف لا احتمله... أنا أبوه ؟).

رامي ؛

كان ينعفُ الكِرسنّة الحمراءَ

كل عصرٍ للحمام،

ويعتلي السطوحَ راقصاً

في مَيعةِ الغمام،

يحادثُ الطيورَ عن ضفائرٍ..

وناهدٍ

عن دفترِ الأشعارِ

والغرام.

عن لفتةِ الظبا

إذا مشين في الطريق، أو،

عن شارةٍ تندُّ من عيونها السلام.

ويقرأ الكتابَ قربَها،

ويَهدلُ السطوحَ شاهداً

على تبادل العيونِ بين عاشقينْ،

وبعد نبضةٍ ودمعتينْ

وعند حاجزٍ للجيشِ

كانت الحجارةُ التي تمورُ

كالنجومِ في الظلام،

وكانت الرصاصةُ الحرام..

من يومها

لم يأكل الحمامُ قَمْحَه،

لم يشرب الحمامُ ماءه

.. ودمعةٌ في الصفّ أعلنت

إضرابها عن الطعام.

***

يا عزت لقد كنتَ قاسياً في موتك، كأنك تريد أن تقلب طاولة حياتك الشفيفة الهادئة الشجية الوديعة، وتنهي علاقتك بنا بهذا المشهد المسرحي غير المتوقع إطلاقاً. لكننا لن ننسى ضحكتك المتدحرجة الدمثة، وحيادك العميق، وطيبتك التي مازالت تصعد من قبرك غيمات .. غيمـات، لتغطي هذه الأرض التي أربكتنا بموتك.

سأفتقد هاتفك يوم العيد، وبعد كل سفر، وأنت تتهدّج محبّةً وأخوّة .. سأفتقد "يا حاج"، كما يفتقدك الحمام والصغار في البيت، والرجال في كل مكان.

سأُعاتبك كثيراً على موتك ! لأنني لن أحتمل رؤية "رامز" و "إبراهيم" الصغيرين منكسرين، في زاوية البيت، يبحثان عنك، ولن يجداك .. لماذا مُتّ، لماذا مُتّ ؟؟؟

* * *

يذهب إبراهيم ابن السبعة أعوام، ويحضن أمه ويربت بيده الصغيرة على كتفها، ويرجوها ألاّ تبكي .. ثم يقول لها : هاأنذا رجلٌ لا أبكي .. غير أن عينيه تغرورقان بالدموع .. ولمّا تقول له أمّه لا تبكِ يا رجل، يحضنها أكثر ويقول لها : قالوا لنا ألاّ نبكي أمامك .. لكننا عندما نخلد للنوم نبكي وحدنا حتى لا تريننا نبكي .. ويبكي .. ونبكي .. ونبكي ..

* * *

ولعلي، لن أنسى، ما حييت، يوم الجمعة، قبل عشر سنوات( 1993)، عندما حمل الغراب نبأ اختطاف شاعرنا المذهل المظلوم عبد اللطيف عقل؛

يا عبدَاللطيف !

نِمْتَ على دَمعةٍ لا تَجفُّ ،

وأُمُّكَ في حِضْنِ شَيخٍ غَليظٍ ،

لقد قَضمَ القَارحُ النَّاقمُ الرّأسَ ،

كنتَ رَضيعاً ، ولم ترَ رأسَ أبيكَ

المُنَخَّلَ بالدَّمِ !

بعدَ لَيالٍ ، بَقِيتَ مع أُختكَ في البَيتِ !

وحدكمَا .. تَبكِيان ..

وكانت بِقربكما تِينةٌ تَحلبُ الشَّهدَ

حتى تَناما ..

وقالوا : رأينا الغُصونَ تُغطِّيكُما

في اللَّيالي ،

وقالوا : سَمِعنا الحواكيرَ تَبكي وتَرشحُ

حتى تَعُودا ..

وما كان .. كان ..

إلى أن حَمَلْتَ على جَاعدِ الرَّأسِ هذا الزَّمانَ ..

نَظرتَ لمرآتِكَ الرَّملِ ..

وما كانَ يَومُك .

***

وبالتأكيد لن أنسى يوم الجمعة الأخير، عندما اختلج وجه أخي د. سمير شحادة، وارتجفت يده .. وسقط منها الهاتف المحمول ونبس مستغرباً بسؤال مبهم : مات عزّت ؟

عبد اللطيف وعزّت، كلاهما شارف على أثنين وخمسين عاماً، وكلاهما حملته الحياة من القرى البعيدة إلى المدينة .. وكلاهما كان أخاً وصديقاً ومبدعاً متميزاً. وكلاهما لم يمهلنا لنشرب علقم المفاجأة، حتى لا نغصّ بالذبحة التي ستأتي ..

ربما جمعتنا صداقات فريدة مختلفة، تنعشها ذاكرة واحدة، ورغبة في الحضور والتميّز وإثبات الذات، وروح نبتت من دخان الحكايا والطوابين، وأعشاب العقود.

عبد اللطيف وعزّت وشمان انطبعا ندبتين، على القلب، بنصلٍ حاذق، ورمّانتان تنضحان بالدمع والحسرة على أولئك الصغار الذي يعودان بي إلى طفولة اليُتم والدمع الخفي المدفون في الوسادة. لقد عرفتهما، شقيقين، وذبحاني، دون قصد، بأنْ أبقياني يتيماً

* * *

حيٌّ أراك على حوضِ ماء  الرسولِ البهيِّ ..

تمشي الهوينى إلى بيت رامي المَهيبِ العليِّ ،

وتسأله ؛ كيف حالكَ ؟

يبكي ..

لماذا البكاءُ ، تقولُ ؛ وأنتَ على درجِ الماء ، قربَ النبيِّ ؟!

يقولُ ؛ بعينيكَ دمعٌ أبي !

لا.. إنهُ بعضُ ريحِ الخزامى الشقيِّ ،

الذي أخذ الحقلَ منّي وغاب ..

وأحرقَ بين يديَّ الكتاب ..

فكان العتاب!

ولم أستطعْ أن أدبِّجَ غيرَ الدموعِ..

فكان الشتاءُ ، وكانَ السّحاب..

وغالبني الشوقُ حتى أتيتكَ ..

لكنّ أمّكَ تبكي الصغيرَ وتبكي مناديلها في التراب..

ولو أنها أبصرتكَ .. لكانَ الجواب ..

وما من جوابٍ سوى أن تعودَ حفيداً

ليكملَ صورةَ وجهٍ على حائطٍ من شعاعٍ ،

ويكتبَ خاتمةً للكتاب .