بوسكيلا وغباي.. الشرقية ضد الاحتلال

هآرتس- بقلم: دمتري شومسكي

هناك أوجه تشابه بارزة بين المرشح لرئاسة ميرتس آفي بوسكيلا، ورئيس حزب العمل آفي غباي. الاثنان شرقيان يحملان بفخر هويتهما الشرقية، ويطمحان الى الربط بين الشرقية واليسار؛ في الوقت الذي "يتحدثان فيه بالشرقية"، يرفضان اعطاء الانتباه لمسألة ما يربط الشرقية بمعارضة الاحتلال.

بوسكيلا عندما اراد عرض رؤيته الشرقية في مقابلة مع ايناس الياس ("هآرتس"، 9/3)، انتقد بشدة انعدام المشاعر المتعالي لليسار بخصوص عائلة اليئور ازاريا، وأشار الى جوانب ايجابية، حسب رأيه، في سياسة ميري ريغف في وزارة الثقافة، وأكد على استمرار التمييز ضد الضواحي الشرقية في كل ما يتعلق بتخصيص موارد الدولة. لكن باستثناء الادعاء بشأن الطابع الاشكنازي للنخبة الاستيطانية، لم يهتم بوسكيلا في توضيح موقع العلاقة بمشروع الاحتلال والاستيطان في موقفه الشرقي.

غباي تراجع حاليا عن المقولة الاساسية البائسة بأن اليسار نسي ماذا يعني أن تكون يهوديا. وحتى أنه أدان بشجاعة صمت حاخامات الصهيونية الدينية على التحريض العنصري منفلت العقال لليمين غير الديمقراطي. لكن حتى الآن لم يسمع منه أي تطرق واضح لكل ما يتعلق بسيطرتنا على الفلسطينيين.

لأن الهدف المعلن لبوسكيلا وغباي هو وضع نهاية للقطيعة غير المنطقية بين اليسار والجمهور الشرقي، فإن ميلهما للامتناع عن مناقشة موقع الاحتلال في عقيدتهما، أمر غريب، حيث إنه يجب عدم نفي حقيقة أنه لا يوجد يسار اسرائيلي بدون معارضة مبدئية للسيطرة على الفلسطينيين، لذلك فان كل جهد لاجراء نقاش مثمر بين اليسارية والشرقية يجب أن يتضمن التطرق "للموضوع الفلسطيني". وكذلك على ضوء الصمت أو التلعثم لممثلي اليسار – وسط واليسار – الشرقي فيما يتعلق بالاحتلال والاستيطان يثور الشك بأنها ايضا فهما الرأي الخاطئ الذي لا ينقصه نكهة عنصرية، والذي يعرض الشرقيين وكأن مكانهم "الطبيعي" في اليمين. من هنا، ومن اجل تقريبهم الى اليسار، يجب تمويه بقدر الامكان مواقفه السياسية.

ربما أن ظلامية الاجندة الشرقية لهما بشأن الاحتلال والاستيطان تنبع من الافتراض بأن "الشرقية" كموقف يحدد الهوية – ثقافي، لا يعني أن يكون من ناحية سياسية – سياساتية أنه يميل بالضرورة الى هذا الجانب أو ذاك. أي أن يسكن رون كحليلي الذي لا يخاف من تحقيق حق العودة مع ريغف العنصرية – الفاشية بصيغة شرق ووسط اوروبا بين الحربين العالميتين – شريطة أن يحتقرا هيمنة اليسار الاشكنازي.

لكن الحقيقة هي أن الشرقية في تاريخ الحركة الصهيونية وتاريخ دولة اسرائيل لم تعد "منتجا للهوية" داخل فسيفساء فارغة لسوق الهويات و"الثقافات" ما بعد الحداثية. هذه فلسفة اقليمية سياسية كاملة وواضحة، التي كان لها ناطقون باسمها، صهاينة شرقيون بارزون، من أواخر العهد العثماني وحتى اقامة الدولة، منهم شمعون (1866 – 1915) واستر موئيل (1873 – 1948) ونسيم ملول (1892 – 1959) ودافيد افيشار (1887 – 1963) والياهو اليسار (1899 – 1981)، والادعاء الاساسي السياسي – الوطني والتاريخي للرؤية الشرقية كان أن الحقوق الوطنية السياسية لليهود في ارض اسرائيل كجزء من الشرق الاوسط، مصدرها ليس فقط في الماضي الديني القديم والضبابي، بل أولا وقبل كل شيء، في استمرار وجود جالية يهودية سفاردية (شرقية) وطوائف شرقية في الفضاء العربي – الاسلامي الشرق اوسطي على مدى مئات السنين الى حين ظهور الصهيونية الحديثة.

من هذا الادعاء انبثقتا نتيجتان اساسيتان، الاولى، الشعب اليهودي ليس نبتة اوروبية غريبة في المنطقة، بل أحد الشعوب المحلية الاصلية. من هنا ينبع حقه الطبيعي والشرعي في تقرير مصيره، الذي عليه التمسك به بشدة وبدون تقديم الاعتذار. الثانية، لأن اليهود كشعب شرقي محلي هم جزء من "الحي" الشرقي الشرق اوسطي الواسع لشعوب المنطقة، فان سياسة السيطرة وسحق حقوق الآخر تقف في تعارض تام مع منطق علاقات الجيرة الجيدة في فضاء اقليمي مشترك.

من المهم التأكيد أنه في هذه الشرقية الصهيونية – المحلية لم تكن هناك رومانسية فيما يتعلق بالعلاقة بين العرب واليهود، وليس "حب عرب" وهمي منسوب لليسار الموهوم، حيث إن الجار ليس ملزما بحب جيرانه، بل يجب احترامهم واحترام فضاء وجودهم الشخصي (أو الوطني). هذه المقاربة هي مقاربة واقعية ومنطقية واضحة، مثلا، بصورة واضحة لدى أليسار – من الزعماء البارزين للجمهور السفاردي – الشرقي في فترة الانتداب وفي دولة اسرائيل. في 1975 اعتبر مع اوري افنيري ولوفا الياف وماتي بيلد ومئير بعيل، من مؤسسي "مجلس السلام الاسرائيلي – الفلسطيني" الذي قال إن ارض اسرائيل تعود للشعبين اليهودي والعربي – الفلسطيني، ومن خلال اعتراف بالملكية على البلاد، الذي أيد المجلس فكرة التقسيم.

في كتابه المنسي "العيش مع الفلسطينيين" هاجم اليسار بشدة الموقف المعادي للدول العربية والحركة الوطنية الفلسطينية تجاه الصهيونية، وبشدة لا تقل عن ذلك، هاجم سياسة الاستيطان والقمع لاسرائيل في المناطق الفلسطينية بعد عام 1967. كل ذلك بادعاء أن هذه السياسة لا تتلاءم مع أبناء البلاد وأبناء المنطقة، بل تتلاءم مع المحتلين الاجانب الذين يأتون للاستضافة في الشرق الاوسط للحظة، وليسوا قلقين من التداعيات المستقبلية المدمرة لاعمالهم العدائية على الفضاء المحلي المشترك. هذه هي الروح النقية للبعد السياسي للشرقية الصهيونية الاسرائيلية، التي يجب اعادة بعثها اليوم وعرضها بدون تزيين على الجمهور اليهودي الاسرائيلي بشكل عام وعلى الجمهور الاسرائيلي الشرقي بشكل خاص. "الشرقية" في السياق الاسرائيلي ليست هوية ولا ايديولوجيا، بل هي موقف وجودي للانتماء والتجذر التاريخي في فضاء الشرق الاوسط، الذي من خلال مقاربة انسانية اساسية للطريق السوي واحترام الجيران تجاه ابناء الفضاء المشترك، لا يمكنه أن يتضمن ظواهر الاحتلال والاستيطان. هل غباي وبوسكيلا – البشرى الطازجة في السياسة الشرقية في اسرائيل – سيمنحان هذا الموقف صوتهما الشرقي النقي؟