وزارة العمل: نلاحق سماسرة التصاريح وحولنا ملفات للقضاء

الحياة الجديدة- عاطف أبو الرب- أكدت وزارة العمل، أنها تعمل مع الجهات ذات العلاقة محليا ودوليا، على محاربة ظاهرة "سمسرة التصاريح"، مشيرة إلى أنها تلاحق المكاتب التي تعمل على الترويج لهذه الظاهرة، فيما قامت مؤخرا بتحويل من الملفات في هذا الشأن إلى القضاء.

وأعربت الوزارة عن أسفها، لوجود عدد من الشركاء الفلسطينيين للمساسرة الإسرائيليين الذين يسرقون قوت العمال الفلسطينيين من خلال تقاضي مبالغ تتراوح ما بين 2000- 2500 شيقل شهريا مقابل إصدار تصاريح العمل. وشددت على أن الجهات الرسمية الإسرائيلية تسهل عمل هذه المجموعات ضمن سياستها لاستغلال عمالنا، والتهرب من حقوقهم.

ويكشف مراسل "الحياة الجديدة" أن بعض السماسرة أصبحوا يتحركون في الأسواق بشكل شبه علني، ويمتلكون مهارات الاقناع من خلال ايهام المواطنين أن همهم تقديم الخدمة وليس الحصول على المال من خلال التواصل مع سماسرة اسرائيليين لاصدار تصاريح.

وتمكن مراسلنا من توثيق الحوار التالي: مواطن يسأل أحد السماسرة عن سعر تصريح العمل، فطلب منه السمسار تفاصيل كثيرة، منها العمر، ومنها الوضع الأمني، ومنها الفترة الزمنية للتصريح، وعن وجود بطاقة ممغنطة، وعدد الأولاد، ثم سأله إن كان يريد تصريح زراعي، أو تصريح عمل عادي، كما قال.

وبعد أن حصل على التفاصيل المطلوبة قال: سعر التصريح 2600 شيقل، حاول صاحب الطلب النقاش، إلا أن السمسار رفض النقاش، وقال: هذه تسعيرة اليوم، ما بعرف بكرة شو راح تكون. هذا في وقت كان يتحدث لشاب يريد الحصول على تقرير طبي لاستصدار تصريح علاج، وكان هم بائع التصاريح إقناع المواطن بأن التقرير سليم، وأنه من خلال مؤسسة طبية، وأن كل هدفه من وراء هذه التقارير خدمة المواطنين، وأن ما يتقاضاه يذهب تكاليف الحصول على هذا التقرير.

من مراقبة هذا السمسار، وآخرين يتكشف حجم الإقبال على طلب التصاريح بهذه الطرق، ويتكشف الظلم الذي يقع على عمالنا ممن تقطعت بهم السبل، وكيف يدفعون ثمن تصاريح على أمل الحصول على فرصة عمل.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فهناك نوع آخر من التصاريح، وهو ما يعرف بتصريح صفر صفر، والذي يخول حامله الدخول للأراضي المحتلة على مدار 24 ساعة، وفي العادة يكون هذا التصريح ساري المفعول لستة أشهر، وغير مرتبط بعمل معين. فهذا النوع من التصاريح يثير الشبهة، ويعتقد المواطنون أن جهات أمنية إسرائيلية تقف خلف إصداره، ويصل سعر التصريح إلى ثمانية عشر ألف شيقل، ولا يوجد أي ضمان لحامل التصريح بعدم مصادرته مع مرور الوقت، بعكس تصريح العمل.

محمود شاب فضل ذكر اسمه الأول فقط قال: منذ سنوات أعمل في مدينة الناصرة بتصريح صفر، وانقطع عن العمل بعض الوقت حتى أتمكن من تأمين ما يكفي من المال للحصول على هذا التصريح، وأحياناً يتأخر إصدار التصريح لفترات تمتد لشهر أو أكثر. وأشار إلى أنه دفع في إحدى المرات ثمانية عشر ألف شيقل مقابل حصوله على تصريح لستة أشهر.

وأكد أن عمله في الداخل يوفر له مالا يكفي لسد تكاليف التصريح، ويوفر بعض المال لمعيشته وأهله، واعتبر أن ما يدفعه مبلغ كبير، لكنه مضطر. وقال: أنا محظوظ، فحتى الآن لم أتعرض لسحب تصريحي، مع أنني مواظب على هذه التصاريح منذ أكثر من سنتين، ويؤكد أن كثيرين دفعوا ثمن تصاريح استخدموها لأيام أو أسابيع، وأن الاحتلال صادر هذه التصاريح بحجج مختلفة.

مدير عام غرفة تجارة وصناعة جنين محمد كميل قال: لقد أصبحت تجارة التصاريح على العلن، ولم تعد مخفية على أحد. فقد صار لدينا مكاتب تعمل في بيع وتجارة التصاريح بشكل علني، وهناك قائمة أسعار لمختلف التصاريح والتقارير الطبية، والأخطر من ذلك تجارة فواتير المقاصة، والتي تمس الاقتصاد الوطني. فمثلا تصريح العمل يصل إلى 2500 شيقل، وتصريح التجارة 1500 – 2000 شيقل، وتصريح الدخول لمناطق الجدار تصل من 3000- 4000 شيقل، ويكون ساري المفعول لمدة سنة كاملة.

واعتبر كميل أن سبب هذه الظاهرة هو الاحتلال بدرجة أولى، فرغم وجود آليات متفق عليها لمنح التصاريح، إلا أنه أصبح مألوفا إصدار تصاريح لفئات بطرق غير المتفق عليها، وعليه فإن السبب الرئيسي لانتشار ظاهرة تجارة التصاريح هو الاحتلال، ووجود فئات يهمها الكسب بغض النظر عن مشروعيته، في وقت يحاول تجار التصاريح الترويج بأن دافعهم لهذه التجارة تسهيل أمور العباد، والتخفيف من معاناة العمال. واعتبر أن غياب أنظمة وقوانين فلسطينية تجرم من يقوم به الممارسات تترك الباب مفتوح أمام المزيد من المخالفات، والمزيد من ابتزاز أصحاب الحاجات.

وأكد كميل أن منح تصاريح بطرق غير متفق عليها يمس حصة جنين من التصاريح، ففي الوقت الذي يصرف فيه الاحتلال عدد من التصاريح للغرفة التجارية، وأخرى للعمال بطرق رسمية، فإن الاحتلال صار يخفض هذه الحصة بحجة صرف المزيد من التصاريح. ومن هنا فإن الهدف الرئيسي من وراء تسهيل إصدار التصاريح من قبل الاحتلال يخلط الأوراق وينزع الثقة بالمؤسسات الرسمية، ويخلق حالة من الجدل والاحتقان، وساهم في إثراء غير شرعي لفئات تتاجر بحاجة المواطنين.

أمين سر اتحاد نقابات عمال فلسطين في جنين رياض كميل تناول موضوع تجارة التصاريح من عدة نواحي، فأشار إلى أن تصريح العمل يترتب عليه حقوق، وبدأت تبرز بعض المشاكل، منها على سبيل المثال مطالبة حملة التصاريح بأتعاب وحقوق عمالية، لم تدفع عنهم، فغالباً لا يلتزم بائع التصريح بدفع هذه الالتزامات لصالح الدوائر الرسمية في دولة الاحتلال، وهناك قضايا تنظر في المحاكم رفعت من أشخاص اشتروا هذه التصاريح، ضد المشغلين.

وأشار إلى أن بعض باعة التصاريح، صاروا يوقعون العمال على كمبيالات وتعهدات لعدم المطالبة بأتعاب وحقوق عمالية، وهذا سيرافقه ضياع لحقوق العمال، خاصة في حال وقوع إصابات عمل. وحذر كميل من خطورة حملة التصاريح التجارية من العمال.

وقال: العديد ممن يحملون تصاريح تجارية، يستخدمونها من أجل الوصول لأماكن عمل، وفي مثل هذه الحالات فإن تصاريحهم لا تؤهلهم للعمل، وعليه فإن صاحب التصريح يتنازل عن جميع حقوقه العمالية، وقد يعرض نفسه للمساءلة، ويتركه عرضة لاستغلال أصحاب العمل، خاصة في حال وقوع إصابات.

واعتبر كميل أن أخطر ما في تجارة التصاريح ما يعرف بتصاريح "صفر صفر"، وهي ما تصدر بموافقات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، فإلى جانب ارتفاع أسعارها، فأحيانا يتعرض صاحب التصريح لمحاولات ابتزاز من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية، التي تتربص بهذه الفئة، وتساومهم على التصاريح، وتعرض عليهم تقديم خدمات استخبارية لها مقابل الاحتفاظ بالتصريح، وإلا يتم سحبه، وهناك عشرات، بل مئات المواطنين ممن ضحوا بتصاريح حصلوا عليها مقابل مبالغ مالية مرتفعة، ونوه إلى أنه لا يعني أن كل من يحمل هذا التصريح يكون متعاونا مع المخابرات، ولكنه يكون عرضة للابتزاز.

ومهما يكن فإن الاحتلال وسياسته تجاه شعبنا، ومحاولاته لبث الفرقة بين المواطن والمؤسسة الرسمية هي المحرك الأساسي في موضوع تجارة التصاريح.

وبدروه أكد وكيل وزارة العمل سامر سلامه أن الوزارة ترصد وتتابع هذه الظاهرة، وترفضها وتسعى بالشراكة مع الجهات ذات الاختصاص لمحاربتها، كما تلاحق المكاتب التي تعمل في الترويج لهذه التصاريح، وتم تحويل عدد من أصحاب هذه التصاريح للقضاء.

وتابع في حديثه لـ "الحياة الجديدة": تم بحث موضوع التصاريح مع ممثلي منظمة العمل الدولية، وذلك نظراً لخطورة استغلال عمالنا من قبل سماسرة التصريح، بتراخيص تمنح لهم من قبل بيت إيل، في وقت أنهم عبارة عن سماسرة، وليس مشغلين. وأكد أن هذه الفئات تستغل حاجة عمالنا للعمل، وإسرائيل تسهل عمل هذه المجموعات ضمن سياستها لاستغلال عمالنا، وعدم الالتزام بحقوقهم. وعبر وكيل وزارة العمل عن أسفه لوجود شركاء فلسطينيين، يقومون بترويج هذه التصاريح دون الحصول على ترخيص مشغل من قبل وزارة العمل، وأكد أن وزارة العمل تتابع كل من يقوم ببيع هذه التصاريح، في محاولة من الوزارة للحفاظ على حقوق عمالنا، وحمايتهم من الاستغلال.

وأضاف: إن دولة الاحتلال، وهي تسهل ترويج هذه التصاريح، إنما تخالف القوانين والأعراف الدولية المتعارف عليها، وتتنصل من بروتوكول باريس الاقتصادي، الذي ينظم بشكل واضح عمالة الفلسطينيين في الداخل. وطالب المنظمات الدولية بالعمل على إلزام المؤسسات الإسرائيلية المسؤولة عن هذه التصاريح للتعامل بمسؤولية مع ظاهرة بيع التصاريح من قبل سماسرة، ليسوا مشغلين، وذلك لوقف استغلال عمالنا، مع ما يترتب على هذه الظاهرة من ضياع لحقوق عمالنا، سواء حقوقهم المالية، أو التأمين وما يضمنه القانون للعمال.

وحذر وكيل وزارة العمل جمهور العمال بعدم الرضوخ لابتزاز هذه المجموعات، التي تحقق مكاسب غير شرعية، دون أن توفر لهم أية حقوق، أو أية حماية في حال تعرضهم لأي حادث عمل.