حرية العمل التي حصلت عليها من روسيا آخذة في التقلص

هآرتس-بقلم: تسفي برئيل

وسائل اعلام مركزية في ايران فضلت حتى الآن اقتباس وكالة الانباء السورية "سانا" ووسائل الاعلام الاسرائيلية في تقاريرها عن الاحداث في سوريا. العناوين تركزت كما هو متوقع في اسقاط الطائرة القتالية الاسرائيلية وليس حول الطائرة الايرانية دون طيار. والصياغة الحذرة تهدف الى ابعاد تدخل ايران في الاحداث الاخيرة. اذا كان بامكان هذه التقارير أن تستخدم كمؤشر على الموقف السياسي والعسكري لايران، فانها تظهر جهود للامتناع عن مواجهة مباشرة مع اسرائيل، ومواصلة اعتبار المواجهة وكأنها تجري بين سوريا واسرائيل دون علاقة بايران.

هذه السياسة ترتكز على ثلاث قواعد اساسية: الاولى، ايران تنتظر بانتباه قرار الرئيس الاميركي ترامب بخصوص مستقبل الاتفاق النووي وامكانية فرض عقوبات جديدة تسعى الادارة الاميركية الى فرضها عليها، التي يتوقع اتخاذها في شهر أيار. من هنا فان مواجهة عسكرية بين اسرائيل والقوات الايرانية في سوريا من شأنها أن تخدم ترامب وعدد من اعضاء الكونغرس الذين سيستغلونها كدليل من اجل فرض عقوبات على ايران؛ الثانية، ايران هي شريكة في الثلاثية التي تضم روسيا وتركيا وتسعى – دون نجاح كبير – الى حل سياسي للحرب. الثالثة، طهران غير معنية بجبهة عسكرية مع اسرائيل، التي من شأنها أن تدفع اسرائيل الى شن حرب ضد حزب الله.

هذه الاستراتيجية تجبر ايران على الظهور بصورة عسكرية ضئيلة، ليس فقط امام اسرائيل، بل ايضا تجاه القوات التركية التي قامت بغزو شمال سوريا من اجل منع سيطرة المليشيات الكردية على منطقة الحدود. في نفس الوقت وبشكل عام يمكن الافتراض أن ايران مجبرة على تنسيق نشاطاتها العسكرية مع سوريا، من اجل منع وضع يؤدي فيه اشتعال عسكري مع اسرائيل الى تخريب النشاط السياسي لروسيا، ومن شأنها ايضا أن تحول قصر بشار الاسد الرئاسي الى هدف لهجمات اسرائيل.

في المقابل، هذه الاستراتيجية تريد التوضيح لماذا تم اطلاق طائرة ايرانية بدون طيار نحو اسرائيل – وهو عمل ليس فيه فائدة عسكرية كبيرة لايران. وهي من شأنها، مثلما حدث في السابق، أن تجر رد اسرائيلي حجمه غير متوقع. وهي تظهر ايران كطرف عدواني. أحد التفسيرات يستند الى خطأ في توجيه الطائرة بدون طيار، ولا يتعلق الامر بقرار تكتيكي، واخطر من ذلك قرار استراتيجي، لحث اسرائيل على الرد. تفسير آخر اقل معقولية هو أن ايران ارادت استعراض قوتها في مجال الطائرات بدون طيار. وذلك على خلفية ما نشر في ايران هذا الاسبوع بأنها انتقلت الى انتاج موسع للطائرات بدون طيار من نوع "مهاجر 6" كجزء من نظام التجسس والدفاع الخاص بها.

ايران تجد نفسها مقيدة بقرارات سياسية وبنشاطها العسكري في سوريا أكثر من اسرائيل. القدس تحظى بدعم غير محدود تقريبا من الولايات المتحدة، وحتى تحظى بـ "تصريح" روسي محدود للعمل في الاراضي السورية، طالما أن الهدف ليس النظام نفسه، بل نشاط ومنشآت يمكن ربطها بحزب الله. ايران في المقابل، بكونها شريكة سياسية كاملة، سواء في الحرب أو في انهاء الحرب، يجب عليها الحفاظ على التوازن والتنسيق مع الشركاء الآخرين. ولكن هذا التوازن لا يعفي اسرائيل من فحص حدود صبر روسيا. أي كم من الوقت ستواصل روسيا السماح لاسرائيل بتنفيذ عمليات محددة، في الاساس عندما يتبين أن غض الطرف لموسكو من شأنه أن يوسع عمق وحجم النشاط العسكري الاسرائيلي – الى درجة فتح جبهة كاملة.

هكذا تزداد وتتسع التصدعات في الفرضية التي تقول إن روسيا تسيطر على كل العمليات العسكرية والسياسية في سوريا، وأنه يمكنها منع ايران وتركيا من العمل من اجل تجسيد مصالحهما. روسيا لم تنجح في منع تركيا من غزو سوريا وفشلت في تحويل مؤتمر سوتشي في نهاية الشهر الماضي الى عملية تؤدي الى اتفاق لوقف اطلاق النار بشكل كامل وبعد ذلك اجراء مفاوضات حول تشكيل حكومة انتقالية. وهي لم تمنع نشر قوات مؤيدة لايران في جنوب سوريا بصورة تهديء اسرائيل. روسيا التي جددت بقوة الهجمات في منطقة ادلب من اجل اخضاع المتمردين ومساعدة قوات النظام في السيطرة على المدينة والمحافظة، تحتاج الى مساعدة برية من المليشيات التي تؤيد ايران على الارض. هذه الاستعانة تدفع موسكو الى معضلة: بين توقها الى تحديد نفوذ ايران وبين سعيها الى الوصول الى حسم عسكري لصالح نظام الاسد، الذي يوجد لايران دور مهم فيه.

تدخل اسرائيل من شأنه ليس فقط أن يحول بؤرة القتال الى جبهة غير مخطط لها، بل ايضا اجبار روسيا على تبني توجه استراتيجي مؤيد لايران بشكل واضح. حتى الآن حاولت موسكو أن تناور على خط حدود ضبابي نجحت فيه في الحفاظ على التنسيق مع كل الاطراف ذات العلاقة. تدخل اسرائيل من شأنه أن يكون له تأثير على تصنيف الحرب في سوريا كصراع سوري داخلي وتحويلها الى حرب ضد اسرائيل. وبهذا تعزيز مكانة ايران وحزب الله وعدد من المليشيات وكذلك احياء ادعاء سوريا وايران الذي يقضي بأن اسرائيل والولايات المتحدة هما المعنيتان باستمرار القتال.

الاستراتيجية المعلنة لاسرائيل بمنع تمركز قوات ايرانية في سوريا لا يمكنها تجاهل مجمل الاعتبارات السياسية التي تملي نشاطات روسيا وايران وتركيا في سوريا. على الاقل في المستقبل القريب، فان هذه الدول ستستمر في تنسيق نشاطاتها كحليفات وستعمل على منع دخول عناصر اخرى مثل اسرائيل والولايات المتحدة الى الساحة، لا سيما بعد النجاح في اقصاء واشنطن عن كل عملية سياسية وعسكرية في سوريا. على المدى القصير، استمرار المواجهة يتعلق بقرار حكومة اسرائيل وموازنة الضغوط المستخدمة عليها الآن من قبل موسكو وواشنطن، من اجل كبح طموحها للمس بسيطرة ايران في سوريا.