شجرة البلوط

نعيم نعمان

كانت تقود سيارتها، ذات الدفع الرباعي، بقوة وثقة، لديها قدرة ملفتة على التركيز، هي تحادثني، وتتمشى مع مداعبتي لها، وفي الوقت نفسه تقول عيناها، انها تفكر بعمق وبشيء بعيداً عن الزمان والمكان.

لم يكن هناك، ما يمكن أن يشد انتباهي الى خارج السيارة، فإلى جانب الظلام الدامس، فإن كل ما اريده في هذا الكون، هو إلى جانبي أنظر إليه، تلمسه يداي... فلماذا اهدر الوقت في النظر إلى الخارج؟ سألتني بصوت ناعم مليء بالحب، "هل تعرف أين نحن؟ هل سبق  وكنت بهذا المكان من قبل؟".

نظرت عبر نافذة السيارة لثوان مدعياً التركيز، فكيف لي أن اعرف ونحن في هذه العتمة!!! لم اكن معنياً لا  بالسؤال ولا بالإجابة عليه، حتى انني لم يخطر ببالي أن أسال نفسي هذا السؤال، أن اضيع لحظة ثمينة تبعدني وتبعد إحساسي عنها، أن اعيش أحلى لحظات عمري، واتمتع بوجودها الى جانبي، انظر اليها، اتفحص كم هي انثى، كيف يمكن ان أهدر الوقت  دون أن ادع احساسي بالحب يبلغ مداه ويحلق بي وبها بين النجوم، التي تملا سماء العتمة.

فجأة انحرفت بالسيارة عن الطريق العريضة، إلى اخرى فرعية ضيقة، بيوت قليلة متباعدة تظهر بين فينة واخرى، كل ما شعرت به من الخارج أننا كنا نهبط ونصعد في الطريق الضيقة. كنا نسترق النظرات لبعضنا البعض، كان كل واحد منا يريد أن يتأمل حبيبه بهدوء، واذا صدف والتقت نظارتنا كانت تبتسم ابتسامة ساحرة، أكثر سحراً من ابتسامة الموناليزا، الذي جهد دافنشي سنوات وهو يرسمها، ابتسامة هادئة لكنها تخفي قدراً كبيراً من العمق والثقة والحب والفرح في آن،  نظرة تَفحُص كأنها تخاطب داخلي وتأخذه لها وتنثره في كل خلايا عقلها وتعيد تجميعه وتركيبيه كما يحلو لهاهي وليس كماهو الواقع، وعندما تنتهي تتسع ابتسامتها لتملأ وجهها الناعم، وكأنها صياد ماهر أصاب فريسته في القلب.

بطأت من قيادتها، ودخلنا ما يشبه القرية او الحي الصغير، عدد قليل من البيوت،أنوار شارع خافته، وإلى جانب البيوت ساحة ترابية توقفت بالسيارة هناك.

في الوسط شجرة ضخمة كبيرة تغطي اغصانها جزء كبير من الساحة... بخفة ملفتة نزلت من السيارة ، فتحت الباب الخلفي، اخذت سلة قش صغيرة، وبساط خفيف واستدارت إلى وقالت: " ما رأيك بالمكان؟".

نظرت نظرة خاطفة بانوراميه، أضواء في الجبل المقابل، ولكن ما لفت نظري ضخامة الشجرة وساقها العريض الذي يدل على عمرها الطويل، قلت: بصوت لا يخلو من الحماسة، "انه رائع.. مكان رائع؟".

في واقع الأمر لم يكن المكان ولا شيء اخر في الدنيا يمكن ان يحرف انتباهي وتركيزي عنها. لقد انتظرت سنوات طويلة كي أكون معها، سنوات لم تغادرني فيها لحظة، كنت خلالها أرسم، بل، بتعبير ادق انحت صورتها في مخيلتي نحتا. انتظرت هذه اللحظ ، اخذني عمر كامل لتكون هي حبيبتي، فجأة قطعت خلوتي الداخلية معها، وقالت:"كثيرا مانأتي هنا أنا والعائلة والاصدقاء، إنه رائع في فصل الربيع".

فرشت البساط وجلسنا، نظرت اليها، الى ملامح وجهها المنسجمة انسجاماً تاماً مع بعضها البعض، الى جسدها وملابسها الرياضية الخفيفة، في تلك اللحظة لحظة الحب الغامر، أدركت كم هي ناعمة وجسدها الصغير ينبض بالحياة والحيوية والشغف.

اقتربت منها، التصقت بها، لمستها كم هي ناعمة، شعرت انها تناديني، شعرت كأنها خُلقت من اجلي لي وحدي، وكأن حبنا قدّر الهي وجدنا من اجله.

تلاصقت اجسادنا، وانصهرنا واصبحنا جسداً واحد، شعرت بدفيء جسدها، كم هي انثى، كم هي ناعمة كزهر الياسمين ...، فجأة امسكت بيدي بدت وكأنها تحاول ضبط ايقاع اللقاء، اوقفتني على قدمي واخذتني بهدوء نحو ساق الشجرة، وجلست هي في مكان يتفرع منه الساق الى اثنين صعودا الى السماء، شدتني إليها قبلتها وضممتها الى صدري.

ادارت وجهها الصغير الناعم نحو الشجرة،  ومررت كفها على ساقها بحب وحنان وكأنهما تتبادلان مشاعر الحب ومفرداته الصامتة.

 سألتني،"هل تعرف ما هي هذه الشجرة؟"

ابتعدت خطوات الى الخلف، نظرت الى الشجرة، ثم عدت ولمست اوراقها واغصانها،  قلت:"انها تشبه شجر الزعرور، لكن الزعرور لا يمكن ان يكون بهذه الفخامة".

 ضحكت ضحكة خبيثة، وقالت:"ايها الفلاح، ابن الفلاح ، يا محب الطبيعة،  والعارفين بها وبأشجارها، انها شجرة بلوط واعادت شجرة بلوط، ابتعدت مرة اخرى ونظرت وقلت :"لا لا ليس ممكن اغصانها ضخمة جداً".

قالت: حبيبي هذه شجرة بلوط، غداً سآتي بك نهاراً لترى بنفسك، ضمتني إليها بقوة وغرقنا معا في الشجرة والعتمة.